لم تعد السمنة قضية تقتصر على المظهر أو ترتبط بعادات نمط الحياة فحسب، بل تحوّلت إلى أحد أبرز تحديات الصحة العامة في السعودية، لارتباطها المباشر بارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة.
ووفقاً لأحدث بيانات الهيئة العامة للإحصاء، فإن 23.1% من السعوديين الذين تبلغ أعمارهم 15 عاماً فأكثر يعانون من السمنة، بينما يعاني 45.1% من زيادة الوزن.
وتؤكد الجهات الصحية أن السمنة تزيد من خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب والأوعية الدموية، كما ترتبط بارتفاع احتمالية الإصابة بعدد من أنواع السرطان. ولا تقتصر آثارها على ذلك، بل تمتد لتؤثر في الصحة الإنجابية للمرأة ومضاعفات الحمل، فضلاً عن انعكاساتها السلبية على جودة الحياة والصحة النفسية.
وبين هذه المؤشرات الصحية المقلقة والواقع اليومي الذي تعيشه آلاف النساء، يسعى تحقيق «عكاظ» إلى استكشاف أبرز العوامل التي أسهمت في انتشار السمنة بين النساء في السعودية، والوقوف على تداعياتها الصحية والاجتماعية، إلى جانب تسليط الضوء على أهم الحلول والاستراتيجيات التي يمكن أن تسهم في الحد من انتشارها وآثارها المستقبلية.
تأثر الصحة النفسية
استشاري طب الأسرة الدكتور بدر مدني، يرى أن السمنة تُعد مرضًا مزمنًا بحد ذاته، وليست مجرد عامل خطر، موضحًا أنها ترتبط باضطرابات هرمونية واستقلابية ووراثية، إلى جانب تأثير العوامل البيئية والسلوكية.
وأضاف أن أكثر الأمراض شيوعًا بين المصابين بالسمنة تتمثل في السكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الدهون والكوليسترول، والتهاب المفاصل، وأمراض القلب والشرايين، وتوقف التنفس أثناء النوم، إلى جانب الكبد الدهني غير الكحولي، كما تزيد من احتمالية الإصابة ببعض أنواع السرطان مثل سرطان الثدي والقولون وبطانة الرحم، فضلًا عن تأثيرها على الصحة النفسية.
ولاحظ الدكتور مدني انخفاضًا في متوسط أعمار المصابين بالأمراض المزمنة، مبيّنًا أن السكري من النوع الثاني وارتفاع ضغط الدم أصبحا يتزايد بشكل متزايد لدى فئة الشباب، وحتى المراهقين، نتيجة انتشار السمنة وقلة النشاط البدني، ما يعني التعرّض للمضاعفات الصحية في سن مبكرة.
وأكد على أهمية الكشف المبكر، وضرورة إجراء الفحوصات الدورية للأشخاص الذين يعانون من السمنة أو لديهم عوامل خطورة، وتشمل قياس ضغط الدم، وتحاليل السكر الصائم والتراكمي، والكوليسترول، ووظائف الكبد والكلى، إضافة إلى تقييم الإصابة بالكبد الدهني وتوقف التنفس أثناء النوم، وإجراء الفحوصات الهرمونية للنساء عند وجود اضطرابات في الدورة الشهرية.
طبيب الأسرة خط الدفاع الأول
يوضح الدكتور مدني، أن طبيب الأسرة يمثل خط الدفاع الأول في الوقاية من السمنة ومضاعفاتها، من خلال متابعة الوزن بشكل منتظم، وتقديم الإرشادات الغذائية والسلوكية، والكشف المبكر عن الأمراض المصاحبة، وتحويل المريض إلى التخصص المناسب عند الحاجة، مع التأكيد على أن علاج السمنة يتطلب متابعة مستمرة ونهجًا متكاملًا، وليس الاعتماد على الحمية الغذائية وحدها.
وأشار إلى أن فقدان ما بين 5 و10% من وزن الجسم يحقق فوائد صحية كبيرة، تشمل تحسين حساسية الإنسولين، وخفض ضغط الدم والدهون، وتحسين الكبد الدهني وآلام المفاصل، وتقليل خطر الإصابة بالسكري، حتى دون الوصول إلى الوزن المثالي.
واختتم الدكتور مدني حديثه، بالتأكيد على أن أكثر الأخطاء التي يقع فيها المرضى تتمثل في اتباع الحميات القاسية، أو الاعتماد على الرياضة دون تعديل النظام الغذائي، وإهمال النوم وإدارة التوتر، واستخدام الأدوية أو المكملات دون إشراف طبي، مؤكدًا أن النجاح في علاج السمنة يبدأ بتغيير نمط الحياة بشكل متوازن ومستدام.
لا علاقة لها بكمية الطعام
في رأي استشارية التغذية الإكلينيكية الدكتورة شوق العشملي، السمنة بين النساء لا تزال تمثل تحديًا صحيًا رغم تزايد الوعي وتوسع برامج الوقاية والعلاج، فالنساء من أكثر الفئات تأثرًا، خصوصًا بعد الحمل والولادة ومع التقدّم في العمر وانقطاع الطمث.
وأوضحت أن السمنة تنتج عن تداخل عوامل متعددة، تشمل قلة النشاط البدني، والاعتماد على الوجبات مرتفعة السعرات، واضطراب النوم، والضغوط النفسية، والحمل المتكرر، وبعض المشكلات الصحية والأدوية، مؤكدة أن المشكلة لا ترتبط بضعف الإرادة بقدر ارتباطها بعوامل بيولوجية وسلوكية وبيئية.
وأضافت أن زيادة الوزن لا ترتبط بكمية الطعام فقط، بل بنوعية الغذاء ونمط الحياة، لافتة إلى أن المشروبات المحلاة والوجبات الخفيفة قد تضيف سعرات مرتفعة دون الإحساس بالشبع، فيما يسهم النشاط البدني، خاصة تمارين المقاومة، في الحفاظ على الكتلة العضلية وتحسين الصحة حتى مع بطء نزول الوزن.
تهدّد الخصوبة وترفع مخاطر الحمل
أكد استشاري مساعد النساء والولادة بمستشفى الملك فيصل التخصصي، الدكتور سعيد بارضوان أن السمنة تؤثر بشكل مباشر في الصحة الإنجابية للمرأة، إذ تؤدي إلى اضطراب التوازن الهرموني نتيجة زيادة مقاومة الإنسولين وارتفاع مستويات هرمون الإستروجين، ما ينعكس على عملية التبويض وانتظام الدورة الشهرية، ويزيد من احتمالية تأخر الحمل والإجهاض ومضاعفات الحمل والولادة.
وأوضح أن هناك علاقة وثيقة بين السمنة ومتلازمة تكيس المبايض، إذ تسهم زيادة الوزن في تفاقم اضطرابات التبويض وارتفاع هرمون الذكورة وعدم انتظام الدورة الشهرية، مشيرًا إلى أن فقدان ما بين 5 و10% من وزن الجسم قد يحسّن انتظام الدورة ويزيد فرص التبويض.
وأشار إلى أن السمنة تُعد من أبرز العوامل القابلة للتعديل التي تؤثر في الخصوبة، إذ تقلل فرص الحمل الطبيعي، كما ترتبط بانخفاض معدلات نجاح علاجات الإخصاب المساعد وارتفاع احتمالية الإجهاض، مؤكدًا أن تحسين الوزن قبل البدء بعلاجات الخصوبة يسهم في رفع فرص النجاح.
وأضاف أن السمنة أثناء الحمل تزيد من خطر الإصابة بسكري الحمل، وارتفاع ضغط الدم وتسمم الحمل، والجلطات، والولادة القيصرية، كما ترفع احتمالية الإجهاض والولادة المبكرة وولادة أطفال ذوي أوزان مرتفعة، فضلًا عن زيادة خطر بعض التشوهات الخلقية.
تخلصوا منها قبل الحمل
الدكتور بارضوان لفت إلى أن السمنة تُعد من أهم عوامل الخطورة للإصابة بسرطان بطانة الرحم، كما تزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي بعد انقطاع الطمث، نتيجة ارتفاع مستويات هرمون الإستروجين الذي تنتجه الأنسجة الدهنية، موضحًا أن خطر الإصابة بسرطان بطانة الرحم يزداد بشكل ملحوظ مع ارتفاع مؤشر كتلة الجسم.
واختتم الدكتور بارضوان حديثه، بالتأكيد على أن فقدان الوزن قبل التخطيط للحمل يعد من أهم الخطوات الوقائية، إذ يحسّن الخصوبة، ويقلل مضاعفات الحمل والولادة، ويعزّز صحة الأم والجنين، مشدّدًا على أن الهدف هو تحقيق تحسّن صحي مستدام من خلال اتباع نمط حياة متوازن، وليس السعي إلى فقدان الوزن بسرعة.
الامتناع عن النشويات.. هل يفيد؟
أشارت الدكتورة شوق العشملي، إلى أن من أكثر المفاهيم الخاطئة شيوعًا الاعتقاد بضرورة الامتناع التام عن النشويات، أو أن الحميات القاسية تحقق نتائج أفضل، أو وجود منتجات تحرق الدهون، مؤكدة أن فقدان 5 إلى 10% من وزن الجسم كفيل بتحقيق تحسن ملحوظ في ضغط الدم، ومستويات السكر والدهون، وجودة الحياة.
وأكدت أن السمنة تزيد خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والكبد الدهني، كما ترتبط علميًا بارتفاع احتمالية الإصابة بعدد من السرطانات، أبرزها سرطان بطانة الرحم، وسرطان الثدي بعد انقطاع الطمث، وسرطان القولون.
واختتمت العشملي بالتأكيد على أن الوقاية تبدأ باتباع نمط حياة متوازن، يشمل غذاءً صحيًا، ونشاطًا بدنيًا منتظمًا، ونومًا كافيًا، وتقليل الجلوس، والمتابعة الطبية المبكرة عند الحاجة، مشدّدة على أن السمنة مرض مزمن يحتاج إلى خطة علاجية مستدامة، وليس حلولًا سريعة أو حميات مؤقتة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "


