أكد الدكتور محمد رفعت الإمام، العميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة دمنهور، أن قراءة الوثائق والتقارير السرية للشرطة والمخابرات البريطانية لعام 1999 تكشف عن أبعاد وتفاعلات معقدة بين الدول والولايات المتحدة بشأن القضية الكردية وتأثيراتها السياسية.
وأوضح الإمام في ندوة عقدها مركز اتون للدراسات، أن العملية أثارت غضبًا عارمًا لدى الحكومة الكينية لعدم إبلاغ الرئيس الكيني مسبقًا بها، مع وجود توجه لتقديم مذكرة احتجاج رسمية من السفيرين التركي والهولندي.
وأضاف أن الخارجية البريطانية تلقت توصيات عاجلة بتجنب التعليق العلني لمدة 48 ساعة للسيطرة على الوضع المتوتر والتنصيب مع شركاء الاتحاد الأوروبي، مع إعطاء الأولوية القصوى لحماية الرعايا والممتلكات البريطانية، خاصة بعد بروز مخاوف من مظاهرات كردية حاشدة أمام السفارة اليونانية في نيروبي.
تفاصيل الاعتقال والبرقية السرية من أنقرة
وكشف العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة دمنهور، أن أول برقية أرسلتها السفارة البريطانية في أنقرة إلى الخارجية في لندن كانت في تمام الساعة 9:47 صباحًا، حيث أبلغت الخارجية التركية الجانب البريطاني بإلقاء القبض على عبد الله أوجلان في نيروبي في الساعات الأولى من يوم 15 فبراير 1999 بواسطة عناصر تركية وبدعم استخباري وعملياتي مباشر من المخابرات الأمريكية (CIA) والموساد الإسرائيلي.
وأشار الإمام إلى أن السلطات التركية رفضت الكشف تفاصيل مكان أو كيفية الاعتقال لأسباب أمنية، ونقلت أوجلان مباشرة عبر طائرة عسكرية إلى إسطنبول ومنها إلى سجن جزيرة إمرالي.
ولفت العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة دمنهور أن رئيس الوزراء التركي آنذاك (ديميريل) وصف الاعتقال بأنه "أعظم انتصار في الحرب ضد الإرهاب"، وسط مطالب تركية للحصول على دعم دولي وتفهم لموقفها، مقابل قلق بريطاني من أن الاعتقال لن ينهي نشاط حزب العمال الكردستاني بل سيضعفه مؤقتًا فقط.
مرحلة "الضبط الناعم" وتصاعد الاحتجاجات في لندن
وأوضح الإمام أن الفترة الممتدة من 18 فبراير إلى 1 مارس 1999 شهدت ما أسماه بمرحلة "الضبط الناعم"، حيث صمتت الحكومة البريطانية ثلاثة أيام قبل صدور أول بيان الرسمي.
وقال إن هذا الموقف جاء بناءً على التقرير رقم 25 الصادر عن شرطة لندن بشأن المظاهرة الكردية الكبرى أمام السفارة التركية في ميدان (Belgrave Square)، والتي شارك فيها ما بين 4500 و5000 شخص، لتكون أكبر تجمع كردي في تاريخ بريطانيا حتى ذلك الوقت.
وبين أن المحتجين أغلقوا الميدان ورفعوا شعارات تتهم بريطانيا ببيع القضية الكردية مقابل صفقات تجارية بقيمة 8 مليارات جنيه إسترليني سنويًا، مشيرًا إلى حدوث محاولات لاقتحام بوابة السفارة وتضرر سيارة دبلوماسية تركية واعتقال 12 شخصًا بموجب قانون النظام العام.
توصيات الشرطة وبيان الخارجية البريطانية
وذكر العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة دمنهور، أن تقييم الشرطة البريطانية حذر من خطورة تصعيد الأوضاع إذا ما صدر حُكم بالإعدام على أوجلان، وأوصى الخارجية بضرورة إصدار بيان فوري لتهدئة الجالية الكردية، ورفع مستوى الحماية الدبلوماسية، والتواصل مع قادة الجالية لمنع التوتر.
وأفاد الإمام أنه بعد 6 ساعات من هذا التقرير، أصدر وزير الخارجية البريطاني آنذاك (روبن كوك) بيانًا رحب فيه باعتقال أوجلان وأدان أعمال حزب العمال الكردستاني، لكنه حث السلطات التركية في الوقت نفسه على ضمان محاكمة عادلة وفق المعايير الدولية وتطبيق سيادة القانون.
وعلّق الإمام بأن هذا البيان أظهر "توازنًا قاصرًا" سعى من خلاله النظام البريطاني للحفاظ على مصالحه الاقتصادية والاستثمارية الضخمة مع تركيا دون إغفال الخطاب الحقوقي.
تقرير المخابرات البريطانية وتحليل السياسة المزدوجة
كما تطرق الإمام إلى تقرير المخابرات البريطانية الصادر يوم 20 فبراير 1999 كان الوثيقة الأهم، إذ كشف الحسابات الاستراتيجية لحكومة توني بلير. وأوضح أن التقرير حذر من أن تنفيذ عقوبة الإعدام بحق أوجلان سيمس بالسلطة الأخلاقية لبريطانيا وسيضر بملف انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي وبالمصالح البريطانية في الشرق الأوسط.
وأشار الإمام إلى أن التقرير استخدم ازدواجية واضحة؛ عبر خطاب علني يُرضي تركيا والولايات المتحدة، وخطاب سري يُركز على التزامات حقوق الإنسان كأداة ضغط دبلوماسي.
وختم التقرير بعبارة لافتة مفادها أن "التاريخ سوف يحكم على موقفنا"، مما يعكس رغبة لندن في إيجاد غطاء قانوني لتصرفاتها وسياستها المعقدة.
تحقق التنبؤات الاستراتيجية للمخابرات البريطانية
وشدد د. محمد رفعت الإمام على أن التنبؤات الثلاثة الرئيسية التي وضعها تقرير المخابرات البريطانية قد تحققت جميعها مستقبلًا؛ أولها أن القضاء على أوجلان لن ينهي تمرد حزب العمال الكردستاني، وهو ما أثبته استمرار الصراع.
والتنبؤ الثاني أن أوجلان ستحول من سجنه إلى "زعيم روحي ورمزي" تتفاوض الأطراف حول أفكاره. أما التنبؤ الثالث فكان تحول الحزب من العمل العسكري الصرف إلى الطرح والفعالية السياسية، وهو ما تجسد لاحقًا في تأسيس حزب الشعوب الديمقراطي (HDP) عام 2012 وتطورات الأحداث في "روج آفا" ومبادرات السلام الأخيرة. واختتم الإمام تحليله بالتأكيد على أن المخابرات البريطانية أدركت مبكرًا أن "اعتقال جسد أوجلان كان يوازي إطلاق سراح فكرته" وتدويل القضية الكردية على نطاق أوسع.
وجاءت كلمة العميد الأسبق لكلية الآداب جامعة دمنهور، خلال ندوة مركز اتون للدراسات والبحوث ضمت كل من د. محمد رفعت الإمام عميد كلية الآداب بجامعة دمنهور الأسبق، ود. أحمد انبيوة، ود. طارق البرديسي خبير العلاقات الدولية، والتي ناقشت التحديات التي واجهت القضية الكردية منذ اختطاف الزعيم الكردي عبد الله أوجلان إلى الوقت الحالي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "





