بالبلدي: اللاجئون السودانيون: بين التضامن وخطابات التحريض

بالبلدي: اللاجئون السودانيون: بين التضامن وخطابات التحريض
بالبلدي: اللاجئون
      السودانيون:
      بين
      التضامن
      وخطابات
      التحريض

في حي فيصل بالجيزة وعين شمس بالقاهرة حيث تتكدس أسر سودانية هربت من حرب أهلية جديدة، بدأت إبريل 2023، في صراع على السلطة بين قوات الجيش وميليشيا الدعم السريع، وقع اللاجئون في خطر آخر: الشكوى من حملات توقيف وأخرى تحرض ضدهم على منصات التواصل الاجتماعي، وأزمة اقتصادية يعانيها المصريون، فضاق بهم الحال، وتراجع صبرهم وتقبلهم للآخر، وزاد ذلك من فرص تلقي دعاوى أن أزمتهم يقف خلفها ملايين اللاجئين.

هنا وجد العديد من السودانيين في مصر أنفسهم في مرمى غضب اجتماعي وتحريض، لا يخلو من وسم عنصري في الكثير من الحالات.

في هذا التقرير، نقاش حول طبيعة الأزمة، وعدد اللاجئين والموقف منهم، ومحاولة لتفكيك أسباب العنف الرمزي ضدهم بما في ذلك ما يظهر على منصات التواصل الاجتماعي، وهل هو انعكاس لأزمة اقتصادية خانقة يعانيها المصريون، أم أن جذوره خطاب عنصري، أم أنه نتاج أسباب متقاطعة وليست مصدرها سببا واحدا.

حجم الأزمة

وصل عدد السودانيين الذين فروا إلى مصر نحو 1.5 مليون شخص حتى 29 يناير 2026، وبحسب بيان مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين الصادر في أغسطس 2026، يشكلون المجموعة الأكبر من اللاجئين وطالبي اللجوء.

ويبلغ إجمالي المسجلين منهم 852 ألف شخص من أصل ما يفوق مليون لاجئ وطالب لجوء كلي، وغالبيتهم من النساء والأطفال.

هذه الإحصائيات توضح أن السودانيين أكبر شريحة لاجئين في مصر، وأنها أكبر دولة مستضيفة للفارين من الصراع، والأكثر جذبًا بين دول الجوار بما يفوق تشاد وإثيوبيا وليبيا.

لكن حجم التدفق بعد العام 2019 زاد وتضاعف منذ  الحرب الأهلية واندلاع الصراع في إبريل 2023 بمقدار 14 ضعفا، كما تقول المفوضية، والتي تصف حالة مصر بأنها تمر بمفترق طرق حرج، وتواجه التأثير التراكمي لعدة أزمات إقليمية، منها الصراع في السودان، وهو أكبر حالة نزوح في العالم، ومستمر على طول الحدود مما يزيد من الضغوط الاقتصادية.

هذا التدفق واجهته القاهرة بتشديد متدرج للقيود على دخول وإقامة وعمل السودانيين، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الاقتصادية محليًا، ما دفع فئات من المصريين المنهكين اقتصاديًا إلى البحث عن “كبش فداء” وسط تصاعد الإحباط وارتفاع معدلات التضخم.

أثر الأزمة على المصريين

وجود هذا العدد من اللاجئين السودانيين، خاصة في أماكن التركّز السكاني العالي للاجئين والوافدين شكل ضغطًا حقيقيًا لا يمكن التهوين منه، وحسب ورقة وقائع نشرتها مفوضية اللاجئين، يتركز في القاهرة الكبرى، والتي تضم الجيزة والقاهرة والقليوبية، ما يقارب 850 ألف سوداني غير مواطني دول  أخرى، بينها جنوب السودان وإريتريا وسوريا، وهذا يمثل ضغطًا مستمرًا على الخدمات والمرافق كشبكات الكهرباء والمواصلات، بالإضافة إلى القطاع الصحي والرعاية الطبية.

 وتشهد المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية، خصوصًا في المحافظات الحدودية مثل أسوان، وفي المدن الكبرى كما القاهرة ضغطًا، خاصة مع معاناة اللاجئين وحاجاتهم للخدمات الطبية الضرورية بعد خروجهم من أتون الحرب.

ورغم تمتع اللاجئين ببعض التسهيلات في العلاج الحكومي وتلقي الخدمات كما المصريين دون أي تمييز، إلا أن النقص في الأدوية المدعومة، وطول قوائم انتظار العمليات الجراحية، وارتفاع تكاليف الأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة كالضغط والسكري والفشل الكلوي، يضع أعباءً إضافية على النظام الصحي وعلى الأسر السودانية.

ويعمل مع المفوضية 12 شريكًا تنفيذيًا، بحسب دليل خدمات المفوضية والمقدمة للاجئين، وبين تلك المنظمات  التي تقدم خدمات كير مصر ومؤسسة الشهاب ومرسال وهيئة الإغاثة الكاثوليكية وهيئة إنقاذ الطفولة وبلان وغيرهم، التي تتركز  أعمالهم حول تقديم الدعم القانوني والنفسي وبعض الخدمات الصحية والتعليمية.

لكن هناك نقصا في تمويل الخدمات، وانخفض النصيب المتاح للاجئ من التمويل من 11 دولارًا شهريًا إلى 4 دولارات فقط، في وقت ارتفع فيه إجمالي عدد اللاجئين في مصر إلى أكثر من 1.1 مليون لاجئ حتى نهاية إبريل 2026، وهو ما دفع المفوضية إلى التحذير من نقص التمويل وما قد ينشأ عنه من مشكلات ضمن مطالبتها بتمويل إضافي.

أسباب اقتصادية أم عنصرية؟

وجود ضغط اقتصادي على المجتمع المصري، وما يترتب عليه من ارتفاع في الإيجارات وضغط على الخدمات، يتقاطع مع أزمة أخرى تتعلق بكيفية النظر إلى اللاجئين السودانيين، وطبيعة التفاوت في التعامل معهم.

وفق دراسات ميدانية، فإن طرق التعامل مع اللاجئين تعددت، وأسباب التعدد متنوعة، وتغيرت بتغير السياق. يشير تقرير معهد التحرير للسياسات بالشرق الأوسط والصادر مطلع العام 2026 إلى الانتقال من الترحيب الأولي إلى التحفظ، وتاليًا تعرض بعض السودانيين لأزمات بينها الحملات الأمنية، وقد شملت عمليات توقيف، واستهدافًا للمناطق التي يقطنها اللاجئون، إضافة إلى عمليات ترحيل عبر الحدود البرية.

هذا المسار أسفر عن خمس حالات وفاة داخل مقار الاحتجاز بين أغسطس 2025 وفبراير 2026، وتضمن التوقيف حالات التفتيش ومراجعة وضع الإقامة القانوني وكيفية العبور لمصر.

ظهرت الأزمة مع تدفق السودانيين إلى مصر مع حرب 2023، لكن أزمة وضع اللاجئين أقدم، ففي دراسة ميدانية أجرتها الباحثة كارين جاكوبسن بالشراكة مع مركز دراسات الهجرة واللاجئين بالجامعة الأمريكية على عينة 565 لاجئًا سودانيًا، تظهر تعرض 18% للاحتجاز من الشرطة خلال عام.

السوشيال ميديا: مساحة للكراهية وللتضامن

بحسب دراسة الباحثة غادة عبد الله ضمن مركز دراسات الهجرة واللاجئين بالجامعة الأمريكية في القاهرة (يناير 2025)، تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى الحاضنة الأكبر لخطاب الكراهية، وقد رصدت على تويتر– منصة إكس هاشتاجات متعلقة باللاجئين تتضمن نبرة رفض، من بينها ما يدعو إلى “ترحيل السودانيين من مصر” و”طرد السودانيين من مصر” و”إلغاء تأشيرة دخول السودانيين لمصر”، إضافة إلى هاشتاجات أعم مثل “غلق المفوضية وطرد اللاجئين”.

وتبدو أبرز الشكاوى المتكررة من مصريين تتعلق بمخاوف من “التوطين القسري” وتذويب الهوية الثقافية المصرية، ومخاوف اقتصادية حول استنزاف الموارد، بجانب مخاوف أمنية مرتبطة بارتفاع الجريمة.

بينما شكّلت التغريدات المضادة التي ترد على خطاب الكراهية نسبة أقل بالنسبة لتلك الرافضة للسودانيين، في حين كانت المخاوف الصحية المرتبطة بانتشار الأمراض محدودة.

هذا يوضح أن الهاجس الثقافي ومسألة الهوية يتصدران خطاب الكراهية الرقمي، ما يعني أن الخطاب المناهض للاجئين في الفضاء الإلكتروني لا يرتبط وحسب ببعد اقتصادي.

الوجود السوداني في مصر

ثمة أشكال تعايش ودعم تستند على أطر عدة، فبموجب “اتفاقية الحريات الأربع” الموقعة بين مصر والسودان عام 2004، يُفترض أن يتمتع السودانيون بحقوق إقامة وعمل وتملك.

كما يتيح اتفاق ثنائي بين البلدين التحاق أبناء اللاجئين بالمدارس الحكومية المصرية، إلى جانب مدارس مجتمعية أنشأتها الجاليات السودانية نفسها، وإن كانت تعاني اكتظاظًا وضعف بنية تحتية.

ويقدر عدد أعضاء الجالية السودانية في مصر بحوالي 6 ملايين سوداني، وتشير الإحصائيات إلى أن هناك 382 شركة سودانية تعمل في مصر برؤوس أموال تبلغ حوالي 433 مليون دولار، وتتنوع الاستثمارات حسب القطاعات الاقتصادية، حيث تأتي الصناعة في المقدمة بـ90 شركة باستثمارات تبلغ 42 مليون دولار، يليها  القطاع التمويلي بنحو 21 مليون دولار في 7 شركات.

ويأتي القطاع الخدمي في المرتبة الثالثة باستثمارات 11 مليون دولار، وتبلغ استثمارات  القطاع الإنشائي 6 ملايين دولار و47 شركة، تليها الاستثمارات السياحية ب 4 ملايين دولار.

 وهذا يعكس جانبًا من وجود السودانيين في مصر، فهي منذ عقود تمثل ملاذًا من أهم الملاذات الآمنة من التقلبات السياسية السودانية.

الدولة تنظم وضع اللاجئين

إزاء قضية تدفق اللاجئين إلى مصر وضغطها وتداعياتها، صدر في ديسمبر 2024 قانون اللجوء (رقم 164 لسنة 2024)، الذي أنشئت بموجبه “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين” تحت إشراف رئاسة الوزراء، بديلًا عن الدور الحصري الذي كانت تضطلع به مفوضية اللاجئين الأممية في تحديد صفة اللجوء.

وفي يونيو 2026، اتخذت الحكومة قرارات جديدة فيما يتعلق بملف لجوء وإقامة الأجانب على أراضيها، فقد أصدر مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، اللائحة التنفيذية لقانون لجوء الأجانب، ووضعت خريطة طريق واضحة ومحددة زمنيًا لتنظيم أوضاع المقيمين الحاصلين على بطاقات لجوء صادرة عن مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في مصر.

وفق اللائحة يستمر سريان البطاقات الحالية حتى انتهاء مدتها، أو لحين قيام “اللجنة الدائمة لشؤون اللاجئين” بإصدار الوثائق وبطاقات التسجيل القومية الجديدة أيهما أقرب، كما منحت اللائحة حماية مؤقتة للبطاقات التي تنتهي خلال الأشهر الستة الأولى من بدء العمل بالقانون، إذ تمتد صلاحيتها تلقائيًا طوال الفترة الانتقالية.

وألزم القرار جميع اللاجئين وطالبي اللجوء بتقديم مستنداتهم وبطاقاتهم الحالية إلى اللجنة الدائمة قبل شهر على الأقل من تاريخ انتهائها، في حين أُمهل أصحاب الوثائق المنتهية فعليًا فترة 6 أشهر من تاريخ نفاذ القرار لإخطار اللجنة وتوفيق أوضاعهم القانونية.

كذلك، تقرر إلزام اللجنة باستلام كافة قواعد البيانات الشاملة المتعلقة باللاجئين وطالبي اللجوء الذين سجلوا أنفسهم مسبقًا لدى المفوضية الأممية، وذلك خلال مدة أقصاها 6 أشهر.

وفي عددها رقم 37 «مكرر» الصادر في 14 سبتمبر 2026 نشرت الجريدة الرسمية قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2807 لسنة 2026 بشأن مد فترة توفيق أوضاع وتقنين إقامة الأجانب المقيمين في البلاد بصورة غير شرعية.

ونص القرار على مد فترة توفيق أوضاع وتقنين إقامة الأجانب المقيمين في البلاد بصورة غير شرعية، والمنصوص عليها بالمادة الثانية من قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3326 لسنة 2023.

وجاءت تلك الإجراءات بعد ضيق مصري من تداعيات الحرب في السودان على مصر، والذي أشار إليها الرئيس عبد الفتاح السيسي مرارًا، مشيرًا إلى أن مصر “تعاني صعوبات اقتصادية” ناجمة عن حرب أوكرانيا، وأنها حتمًا ستتأثر اقتصاديًا إذا ما استمرت في استقبال مزيد من الفارين من الحرب في السودان.

 وتكرر هذا المعنى في تصريحات لرئيس الوزراء مدبولي، بينها مشاركته في فعاليات للمنتدى الاقتصادي العالمي، الذي استضافته الرياض مايو 2024، قائلًا إن “الدولة المصرية تتحمل هذه التكلفة (استضافة اللاجئين) بالرغم من الأزمة الاقتصادية التي تجابهها”.

في النهاية، لم تنشأ حالة الاحتقان من فراغ؛ فهي نتاج تفاعل معقد بين أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها الأسر المصرية نتاج سياسات حكومية، وتأثرًا بتداعيات خارجية، وبين الارتفاع السريع في أسعار الإيجارات والضغط على المرافق الخدمية.

واستغلت تيارات مثل ما يُعرف بـ”الكمايتة” ومروّجو الشعارات العنصرية هذه الضغوط المعيشية لتغذية خطاب كراهية يلقي باللوم على الأجانب والملايين من اللاجئين في الأزمات الاقتصادية المحلية.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : شيكابالا: حسام حسن خسر كل شيء.. وقد أعود إلى الملاعب
التالى بالبلدي: مخطط يستهدف يهود مانشستر.. بريطانيا توجه الاتهام لإيرانيين

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay