تابع قناة عكاظ على الواتساب
في الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام، يحدث شيء يتجاوز الاحتفال بتاريخ على التقويم؛ يستعيد السعوديون حكاية وطنهم من بدايتها، ثم ينظرون حولهم ليروا إلى أين وصلت. ومع الأعوام، لم يعد اليوم الوطني مجرد ذكرى لوطن توحّد، بل أصبح كرنفال حب لوطن يتجدّد؛ يوماً تلتقي فيه ذاكرة عبدالعزيز بطموح جيل يعيش تحوّلاً لم تعرفه البلاد بهذا الاتساع من قبل. وبين الذاكرة والطموح، يبرز سؤال يستحق أن نسأله كل عام: ما الذي يجعل اعتزاز السعودي بوطنه يكبر كلما كبر الوطن؟
في اليوم الوطني لا نحتفل بتاريخٍ مضى بقدر ما نحتفل بدولة أثبتت، جيلاً بعد جيل، قدرتها على أن تحفظ أصلها وهي تتقدّم، وأن تصون هويتها وهي تتغيّر، وأن تجعل من الأمن قاعدةً للعمران لا غايةً تقف عندها. وربما هنا تحديداً تكمن خصوصية التجربة السعودية: ثبات في الأصل، وجرأة في البناء، ودولة تعرف من أين بدأت وإلى أين تريد أن تصل.
حين وحّد الملك عبدالعزيز هذه البلاد، لم يكن يجمع أرضاً متفرقة تحت راية واحدة فحسب؛ كان يؤسّس دولة تستمد مرجعيتها من شرع الله، وتعيد للناس الأمن بعد الفرقة، وتجمع الكلمة، ثم تأخذ بأسباب عصرها كلما كان فيها ما يقوي الدولة ويحسّن حياة الناس. لم يرَ المؤسس في التحديث خصماً للهوية، ولا في المحافظة على الأصل عذراً للتوقف. فالملك المؤسس لم يبنِ دولةً تعيش على أمجاد ماضيها، بل دولةً تعرف أصلها وتفهم زمانها؛ ثابتةً في دينها وهويتها، متحركةً في أدواتها، وكان الأمن فيها بداية العمران لا نهايته.
ومضت الدولة على هذه القاعدة. تغيّر الملوك، وتغيّر العالم، واتسعت المدن، وتعقد الاقتصاد، وتبدلت أدوات الحكم والإدارة، لكن الأمانة بقيت واحدة: دين ووحدة وأمن وإنسان ودولة لا تتوقف عن التطوير. وحمل أبناء عبدالعزيز تلك الأمانة جيلاً بعد جيل، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي صان إرث الدولة، وفي عهده انطلقت بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان واحدة من أوسع مراحل التحوّل في تاريخ المملكة الحديث.
وفي محمد بن سلمان تجلت هذه القاعدة السعودية بصورة جديدة؛ فلم يكن الإرث في رؤيته ماضياً يُصان فحسب، بل قوةً يُبنى بها المستقبل. ولعل ما يميز شخصيته القيادية أنه لا ينظر إلى الطموح بوصفه أمنيةً للمستقبل، بل مسؤوليةً تبدأ من قرار اليوم؛ يرفع السقف، ثم يدفع مؤسسات الدولة والمجتمع إلى بلوغه. وفي طريقته في القيادة شيء من عدم الرضا بالاكتفاء بما تحقق؛ فالسؤال عنده لا يقف طويلاً عند أين وصلنا، بل ينتقل سريعاً إلى: أين ينبغي أن نصل؟
رفع سقف الطموح السعودي، وأعاد تشكيل الاقتصاد، وفتح قطاعات، وبنى صناعات، واستقطب استثمارات، ودفع بالتقنية والسياحة والثقافة والرياضة إلى قلب المشهد الاقتصادي والاجتماعي، ووسع مساحة حضور المرأة والشباب في التنمية، وفي الوقت نفسه أعاد رسم موقع المملكة في السياسة والاقتصاد الدوليين. لم يعد المستقبل بالنسبة للسعودي شيئاً ينتظره؛ أصبح يرى وطنه يذهب إليه.
ولعل بعض التحوّلات الكبرى لا تستطيع الأرقام وحدها قياسها؛ لأن شيئاً مهماً تغيّر داخل السعودي نفسه. تغيرت الطريقة التي ينظر بها إلى وطنه، والطريقة التي ينظر بها العالم إلى السعودية. أصبح السعودي حين يحمل اسم بلاده خارجها يعرف أن خلفه دولة حاضرة في القرار السياسي والاقتصاد والاستثمار والطاقة والثقافة والرياضة؛ دولة لا تبحث عن مكان على الطاولة، بل أصبح وجودها جزءاً من تشكيل كثير مما يدور حولها.
لكن الدول لا تُختبر في سنوات الرخاء وحدها
وهذا العام تحديداً أعطانا معنى آخر للفخر بالدولة. ففي إقليم شهد توترات ومواجهات وتهديدات، وعاشت فيه مجتمعات قريبة على وقع الإنذارات وتعطل بعض الرحلات واضطراب الحسابات، بقيت الحياة في المملكة تمضي. ذهب الناس إلى أعمالهم، والأبناء إلى مدارسهم، وعملت المطارات والأسواق، واستمرت المشاريع، وتحرك الاستثمار، ومضت خطط التنمية. لم يكن ما حولنا هادئاً؛ لكن السعودية بقيت ثابتة.
ولعل ما يستحق التوقف عنده أيضاً أن هذا الثبات لم يكن في مؤسسات الدولة وحدها، بل ظهر في وعي المجتمع السعودي، وشبابه على وجه الخصوص. ففي أوقات الأزمات تُختبر المجتمعات كما تُختبر الدول؛ بالشائعة، والخبر المضلل، ومحاولات إثارة الخوف أو التشكيك. وفي كل مرة يثبت الشاب السعودي أنه أكثر وعياً بوطنه مما يظن به من يراقبه من بعيد؛ يعرف متى يتحدث، ومتى يتحقق، ومن أين يأخذ خبره، ويدرك أن الاصطفاف خلف قيادته عند الخطر ليس انفعالاً عابراً، بل مسؤولية وطنية. ومن الصغير إلى الكبير، تشكلت في المملكة عبر السنين علاقة بين المواطن ودولته قوامها أن الاختلاف في تفاصيل الحياة ممكن، لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الوطن وسيادته، تصغر المسافات وتصبح السعودية هي الموقف.
وهذه ليست مصادفة، ولا ينبغي أن نقرأ الأمن باعتباره مجرد غياب للخطر. خلف اليوم العادي الذي يعيشه المواطن دولة تعمل حتى يبقى يومه عادياً؛ مؤسسات تحمي، وقيادة تستشرف، ودبلوماسية تخفض التصعيد، وقدرات تُبنى، واقتصاد لا يُسمح للأزمات بأن توقف مساره. وهنا يصبح الأمن إنجازاً لا نراه دائماً، لأن أجمل صوره أن يعيش الإنسان حياته من دون أن يشعر بحجم ما بُذل لحمايتها.
وللاستقرار أيضاً قيمة اقتصادية لا تقل عن قيمته الإنسانية. فالاستقرار أصل اقتصادي. رأس المال يحسب المخاطر قبل الأرباح، والمستثمر طويل الأجل يريد دولة يستطيع أن يثق بمسارها، والمشروعات الكبرى لا تُبنى حيث يصبح المستقبل رهينة للأزمة التالية. ولذلك فإن قدرة المملكة على حماية استقرارها بينما تمضي في تحولها ليست منفصلة عن نجاحها الاقتصادي؛ بل هي أحد أهم شروطه.
وهنا أفهم عبارة «عزّنا في حكّامنا» هذا العام بمعنى أكبر من شعار مناسبة. العز ليس في الكلمات، بل في أن يكون لك وطن يعرف كيف يحمي وهو يبني، وكيف يصنع السلام من موقع القوة، وكيف يتغير من دون أن يفقد هويته، وكيف يجعل المواطن محور التنمية وغاية الأمن معاً.
عزّنا في عبدالعزيز الذي وحّد الأرض وأرسى الأمن، وفي أبنائه الملوك الذين حملوا الأمانة من بعده، وفي سلمان الذي صان الإرث، وفي محمد بن سلمان الذي أخذ هذا الإرث إلى زمن جديد، ورفع سقف الممكن أمام جيل سعودي شاب لم يعد يرى نفسه متلقياً لمستقبل وطنه، بل شريكاً في صناعته.
وفي يومنا الوطني، لا نحتفل فقط بوطن مضى على تأسيسه عقود؛ نحتفل بفكرة دولة أثبتت قدرتها على التجدد. دولة بدأت بوحدة الأرض، ثم بنت الإنسان والمؤسسة والاقتصاد، وها هي اليوم تبني المستقبل من دون أن تفقد أصلها.
ومن عبدالعزيز الذي عرف أصل الدولة وفهم زمانه، إلى سلمان الذي صان أمانتها، إلى محمد بن سلمان الذي وسّع أفقها وأعاد للسعودي شعوراً كبيراً بمكان وطنه في العالم؛ تتغير المنطقة، وتتبدل موازين العالم، وتتسارع الأحداث، ويبقى الثابت أن لهذه البلاد قيادة تعرف قيمة ما ورثت، وشعباً يعرف قيمة ما يملك.
ولهذا نقولها في يومنا الوطني، لا كشعارٍ عابر، بل كمعنى عاشه السعوديون جيلاً بعد جيل:
عزّنا في حكّامنا... ثباتُ وطن وعزيمةُ دولة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "



