قابل أهل العدل والمهتمون بتحقيقه، وكذلك المتعاطون مع مرفق القضاء، وبشكل خاص في النطاق الجنائي من التقاضي، ما تم نشره من فرض رسوم من قبل وزارة العدل على خدمات التقاضي من خلال منصة التقاضي، وهي تشمل 500 جنيه اشتراكاً سنوياً، ومبلغ 500 جنيه مقابل الحضور في جلسة أمام محكمة الجنايات عن بعد، ومبلغ 100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس، هذا بخلاف مبلغ عشرة جنيهات مقابل تصوير كل صفحة من صفحات القضية.
فهل بهذه الرسوم سيتم تحقيق نموذج مُحدَث من التقاضي، أم أن الأمر يدخل ضمن خانات كثيرة في مطولة زيادات الرسوم القضائية المتكررة، والتي بدأتها الدولة من خلال زيادة الرسوم المقررة في أنواع التقاضي المدني، ثم جاء الدور على التقاضي الجنائي من خلال هذا المنفذ التحديثي، فهل يتحمل المواطن قيمة تحديث نسق التقاضي، أو تطوير نموذج التقاضي عن بعد؟ أم أن الأمر يدخل ضمن سلسلة طويلة من إجراءات التحصيل المالي على كل خطوات الحياة، وهو الأمر الذي طال مرفق العدالة في أنواع التقاضي المختلفة، حتى لم يسلم منه قضاء الأحوال الشخصية، أو ما يطلق عليه قضاء الأسرة، حتى ما تم الطعن عليه من هذه القرارات، وقضت محاكم القضاء الإداري بإلغاء تلك القرارات، إلا أن تلك الأحكام لم تكن شفيعة لوقف استمرار صدور قرارات جديدة من ذات الجهات القضائية.
وإذ إن الحق في التقاضي يعد هو حامي الحقوق والحريات، وهو الذي يعيد الحقوق إلى من انتهكت عليهم ويردع ويعاقب من انتهك تلك الحقوق، ونصت على الحق في التقاضي المواثيق والقوانين الدولية، ومنها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص صراحة على حق الإنسان في التقاضي، وكذلك نصت عليه جميع القوانين الوطنية، كما أنه ملاذ المظلومين وملجأ المحرومين المنتهكة حقوقهم، وفي الغالب تكون هذه الفئة ضعيفة ولا تستطيع مواجهة خصومهم الذين يكونون نافذين وأقوياء، لذلك نصت القوانين المنظمة لإجراءات التقاضي على ضمانات وحقوق تضمن للجميع اللجوء للقضاء، وفقاً لإجراءات شفافة وسهلة ومبسطة، يستطيع الجميع سلوكها وتضمن عدم اختلال الإجراءات أو انحرافها، وحيث إن الأمر يتعلق بضمانة العدالة ذاتها، لكون ممارسة كافة الإجراءات القضائية وعملية التقاضي ذاتها غايتها المثلى تقف عند حد تحقيق العدالة في كافة المنازعات القضائية، وهو ما يضفي قيمة فعلية على وجود القوانين كلها، وهو ما يعني أن تبذل الدولة بكافة أجهزتها ما يقتضيه الأمر من تسهيل طرق التقاضي وتذليل العقبات أمام الحق في المقاضاة، وتيسير الوصول للقضاء، وتسهيل أمر التقاضي بكافة إجراءاته، سواء كان ذلك الأمر مرتبطاً بزيادة عدد المحاكم أو زيادة أعداد القضاة، واستخدام كافة السبل التكنولوجية الحديثة لضمانه دونما أية قيود أو تعقيدات سواء كانت مالية أو إجرائية، لا يقف الأمر عند حد النصوص دون تفعيل حقيقي أو ممارسة فعلية.
فهل يجوز أن تتحول رقمنة العدالة إلى مصدر جديد لتحميل المتقاضين أعباء مالية جديدة، إذ إن الأمر في القضايا الجنائية لا يمكن النظر إليه، باعتباره مجرد وسيلة من وسائل تحصيل الرسوم، لأن ذلك يتعارض بشكل مطلق مع مفهوم العدالة الجنائية، إذ إن توفير الوسيلة الإلكترونية لا يبرر بالضرورة فرض مقابل مالي على ممارسة حق كان متاحاً دون هذا المقابل، خصوصاً إذا أصبح الاطلاع الإلكتروني هو الطريق العملي الوحيد أو الأساس لمباشرة الدفاع.
فهل أصبح الوصول إلى العدالة الجنائية مرهقاً مالياً لمن هم في حالة تماس مع القضاء الجنائي بشكل أخص؟ وهو الأمر الذي يتعارض مع الأصل الدستوري في حق الأفراد في الوصول إلى مرفق القضاء، وهل يجوز للسلطة التنفيذية استحداث أعباء مالية بقرارات إدارية، ثم تمثل عائقاً بين العدالة وبين المواطنين؟ وهل تصير هذه الرسوم حائلاً بين المواطنين وبين تحقيق حقهم في الدفاع عن أنفسهم فيما يُسند إليهم من اتهامات؟
وعلى الرغم من سبق أن وضعت المحكمة الدستورية ومن خلفها محاكم القضاء الإداري والإدارية العليا حدوداً دستورية لتحميل المتقاضي رسوم رقمنة جديدة للعدالة ورسوم اطلاع وتصوير، وهو ما يشكل إعادة إنتاج العبء الذي سبق للقضاء التدخل لحمايته.
ذلك على الرغم من أن الدستور المصري قد عالج الحق في التقاضي في نصوص عديدة منه، كفلت جميعها ذلك الحق بحسبه حقاً لا يجب أن تقف أمامه العوائق أو توضع له الحدود، بحسبه هو الحامي لجميع حقوق المواطنين وحرياتهم، فنص في المادة 53 منه على أن المواطنين أمام القانون سواء، وبحسب كونه من الحقوق والحريات اللصيقة بالإنسان فلا يجوز الانتقاص منها أو تعطيلها بحسب نص المادة 92 من الدستور المصري، كما أن سيادة القانون هي أساس الحكم، هذا بخلاف التزام الدولة بما أبرمته من اتفاقيات حقوقية.
كما أن الدستور قد أقام من استقلال القضاء وحصانته ضمانين أساسيين لحماية الحقوق والحريات فقد أضحى لازماً- وحق التقاضي هو المدخل إلى هذه الحماية- أن يكون هذا الحق مكفولاً بنص صريح في الدستور، كيلا تكون الحقوق والحريات التي نص عليها مجردة من وسيلة حمايتها بل معززة بها لضمان فعاليتها، وحيث إنه إذا كان ذلك وكان الالتزام الملقى على عاتق الدولة، وفقاً للنصوص والمبادئ الدستورية، فإن ذلك يقتضي تمكين كل متقاضٍ من النفاذ إلى القضاء نفاذاً ميسراً لا تثقله أعباء مالية ولا تحول دونه عوائق إجرائية، وكان هذا النفاذ، بما يعينه من حق كل فرد في اللجوء إلى القضاء، وهذا ما تؤكده نصوص الدستور في حرصها على أن لكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي قد دل على أن هذا الحق في أصل شرعته هو حق للناس كافة لا يتمايزون فيما بينهم في مجال اللجوء إليه، وإنما تتكافأ مراكزهم القانونية في سعيهم لرد العدوان على حقوقهم دفاعاً عن مصالحهم الذاتية.
كما تمثل الزيادة المتكررة في الرسوم القضائية سواء كانت رسوم رفع الدعاوى أو رسوم مباشرة بعض الإجراءات من الأمور التعجيزية التي تثقل من مباشرة حق التقاضي ذاته، وتشكل حائلاً بين غالبية المواطنين المصريين والولوج لمرفق القضاء لاقتضاء حقوقهم عبر السبل الشرعية المرسومة بموجب الدستور، وفي ظل المتغيرات الشديدة والمتلاحقة التي تمر بها الدولة المصرية، خاصة في السنوات الأخيرة والشعور بعدم الاستقرار وفقدان الإحساس بالأمان، فإن القضاء المصري المحمل بالمشاكل والهموم المتمثلة في البطء الشديد في التقاضي والفصل في الدعاوى، وازدحام المحاكم وزيادة عدد القضايا وقلة عدد القضاة، فتمثل قرارات زيادة الرسوم عبئاً جديداً على عاتق المواطن، يجعل من التفكير في حلقات التقاضي للبحث عن العدالة واقتضاء الحقوق بشكل مشروع وسيلة غير مأمونة، سواء من حيث زيادة الرسوم بداية، أو من خلال الرسوم التي تفرض بعد الفصل في الدعاوى.
إذن الأمر برمته في حوزة السلطة التنفيذية بكل فروعها، وكل ما هو مرتبط بتحقيق سبل العدالة، وعليها أن تحقق الرقمنة ومسايرة التطورات الحداثية العالمية، بما لا يمس حقوق المواطنين في الوصول لمرفق القضاء واقتضاء حقوقهم بوسيلة مشروعة، ولا يمس قدراتهم المالية أو يؤثر اقتصادياً على مستواهم المالي أكثر مما هو عليه.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "




