مصطفى بن خالد - مستشار سابق في الخارجية اليمنية
قراءة في حوار يتجاوز السيرة الشخصية إلى سؤال الدولة والقومية وفلسطين ومستقبل العرب
لم تكن مقابلة النائب والإعلامي مصطفى بكري مع صحيفة «بحر العرب» مجرد رحلة في ذاكرة صحفي وسياسي أمضى عقوداً في قلب المجال العام المصري.
بل بدت، كلما امتد الحوار واتسعت أسئلته، أشبه بفتح صندوق فكري كامل لرجل يريد أن يشرح من أين جاء، ولماذا اختار مواقفه، وما الذي بقي ثابتاً لديه بعدما تغيرت أنظمة، واندلعت حروب، وسقطت عواصم، وتبدلت تحالفات.
وانتقل العالم نفسه من زمن إلى آخر في الحوار تحدث بكري عن نفسه، لكن ما بين السطور كان أكبر من السيرة الشخصية.
كان يتحدث عن مصر التي يريدها، والعروبة التي يؤمن بها، وفلسطين التي لم تغادر وجدانه، والدولة الوطنية التي تحولت لديه إلى فكرة مركزية، والصحافة التي لم يرها مهنة محايدة عن قضايا المجتمع، والشباب الذي يخشى أن تسرقه حروب الوعي الجديدة، وعالم يتشكل أمام أعيننا تحت ضغط التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتحولات موازين القوة.
ولهذا فإن قراءة مقابلة مصطفى بكري لا تبدأ بالسؤال التقليدي: من هو الرجل؟
بل بالسؤال الأعمق: ما الذي بقي من مصطفى بكري الأول داخل مصطفى بكري اليوم؟
والإجابة التي يتركها الحوار واضحة: تغير العالم كثيراً، لكن الرجل يقول إن بوصلته الأساسية لم تتغير.
قبل البرلمان كان هناك قلم، وأول ما تكشفه المقابلة أن البرلمان، رغم حضوره الكبير في مسيرة بكري، لا يفسر الرجل كاملاً.
مفتاح الشخصية يوجد في مكان أقدم.. «الصحافة».
يستعيد بكري سنواته الأولى، حين كان طالباً يكتب صحف الحائط ويصنع مطبوعات بدائية، ويتحدث عن حلم مبكر بأن يصبح صحفياً.
وفي هذه التفاصيل الصغيرة نجد البذرة التي ستكبر لاحقاً: لم يكن يريد الصحافة لمجرد أن يكتب، وإنما لأنه رأى فيها قدرة على التعبير عن مشكلات الناس وهمومهم والدفاع عن الوطن، وهذه نقطة مهمة في قراءة مسيرته.
فالسياسة لم تأخذ صحفياً وحولته إلى سياسي بقدر ما حمل الصحفي معه تصوره عن السياسة إلى البرلمان.
ولهذا ظل مصطفى بكري، حتى وهو نائب، يتصرف في كثير من الأحيان بعقل الصحفي.. يبحث عن الملف، يدخل المعركة، يرفع السؤال، يصطدم، يكشف، ويدافع عما يراه قضية عامة، وهي طبيعة جعلته حاضراً في الجدل المصري بصورة مستمرة، حضوراً يختلف الناس حوله، لكنه نادراً ما كان حضوراً باهتاً.
الصحفي والسياسي.. حين ينتقل القلم إلى قلب المشهد
وهنا تبرز واحدة من أكثر الزوايا حساسية في تجربة بكري: العلاقة بين الصحفي والسياسي داخل الرجل نفسه.
فالصحفي يحتاج إلى مسافة تمكنه من السؤال والنقد والمراقبة، بينما السياسي يدخل بطبيعته إلى مساحة الموقف والانحياز والمشاركة، وفي تجربة بكري، لم ينفصل المساران تماماً.
لم يترك الصحافة عندما دخل البرلمان، ولم يتخلَّ عن السياسي عندما ظل يحمل معه عقل الصحفي، وهذه الازدواجية يمكن أن تُقرأ من زاويتين.
من جهة، أعطته الصحافة أدوات جعلت حضوره السياسي مختلفاً، فهو يعرف كيف يحول القضية إلى ملف، والملف إلى سؤال، والسؤال إلى معركة رأي عام.
ومن جهة أخرى، تطرح التجربة سؤالاً مشروعاً لا ينبغي أن تخشاه أي قراءة منصفة: ماذا يحدث للصحفي عندما يصبح جزءاً من المشهد السياسي الذي كان يراقبه؟
وهذا ليس اتهاماً للرجل، بل سؤال في صميم المهنة: هل يستطيع الصحفي، وهو داخل السلطة التشريعية والمشهد السياسي، أن يحتفظ بالمسافة النقدية نفسها؟
وهل يمكن للسياسي أن يبقى وفياً لوظيفة الصحفي التي تقوم على السؤال، حتى عندما يكون السؤال موجّهاً إلى المعسكر الذي يؤيده؟
هذه الأسئلة لا تنتقص من تجربة بكري، بل تجعلها أكثر أهمية.
فالدولة تحتاج إلى من يدافع عنها، لكنها تحتاج أيضاً إلى من يسأل باسم المواطن: لماذا؟ وكيف؟ وهل كان القرار صحيحاً؟ ومن دفع ثمنه؟
والصحافة القوية لا تكون في عدائها للدولة، كما أن الدفاع عن الدولة لا ينبغي أن يعني إغلاق باب النقد.
وهنا تحديداً تكمن إحدى المساحات الأكثر ثراءً في تجربة مصطفى بكري: ماذا يحدث عندما يحمل الصحفي قلمه إلى داخل السياسة، بدل أن يتركه عند بابها؟
عبد الناصر ليس صورة على الحائط
ثم نصل إلى المفتاح الثاني:
جمال عبد الناصر.
في المقابلة التي اجرتها صحيفة "بحر العرب"، مع بكري لا يُظهر عبد الناصر بوصفه رئيساً راحلاً يستحضره في مناسبة تاريخية، وإنما بوصفه أحد المكونات الأساسية لتكوينه الفكري.
منه يستمد الرجل مفرداته الكبرى: الاستقلال الوطني، الدولة، العدالة الاجتماعية، الانحياز إلى الطبقات البسيطة والمتوسطة، الوحدة العربية، مقاومة الهيمنة الخارجية، ومركزية فلسطين.
وهذا يفسر شيئاً مهماً في شخصية بكري: أن قوميته ليست موقفاً طارئاً ولدته أحداث السنوات الأخيرة.
إنها جزء من تكوينه القديم.
وحتى عندما يستعيد نكسة يونيو 1967، لا يتوقف فقط أمام الهزيمة العسكرية، بل يستحضر خروج الجماهير بعد إعلان عبد الناصر التنحي باعتباره، حسب قراءته، تعبيراً عن استمرار ثقة قطاع واسع من الشعب في المشروع رغم الهزيمة.
ومن هنا نستطيع فهم الرجل بصورة أفضل.
مصطفى بكري لا يقرأ عبد الناصر من الماضي فقط، إنه يقرأ الحاضر من خلال جزء من قاموس عبد الناصر.
لكن السؤال الأكثر عمقاً يبقى حاضراً:
هل الناصرية عنده مجرد حنين إلى زمن مضى، أم أنها منظومة أفكار يحاول إسقاطها على عالم تغيرت شروطه بالكامل؟
الحوار يميل إلى الإجابة الثانية.
فالرجل يستحضر من الناصرية ما يراه أفكاراً قابلة للحياة: الدولة، والاستقلال، والعدالة الاجتماعية، والقومية، والقرار الوطني، وفلسطين.
أما أدوات الزمن القديم، فلا يمكن ببساطة استنساخها في عالم تحكمه التكنولوجيا والأسواق العالمية وتغير موازين القوة.
وهنا لا يصبح عبد الناصر عند بكري مجرد ذكرى، بل مرآة يقيس بها الحاضر.
الدولة الوطنية.. الكلمة المفتاح
إذا كان عبد الناصر هو الجذر الفكري، فإن الدولة الوطنية هي الكلمة الأكثر حضوراً في البناء السياسي الذي يكشفه الحوار.
تكاد هذه الفكرة تجمع معظم إجاباته.
عندما يتحدث عن الإخوان، يعود إلى الدولة.
وعندما يتحدث عن 30 يونيو، يعود إلى الدولة.
وعندما يناقش الجيش والأمن القومي، يعود إلى الدولة.
وعندما يتحدث عن اليمن والسودان وليبيا وما شهدته المنطقة من انهيارات، يعود مرة أخرى إلى السؤال نفسه:
ماذا يحدث عندما تتصدع الدولة؟
هذه ليست تفصيلة لغوية.
إنها، في الحقيقة، مركز رؤيته السياسية.
فبكري يفرق بوضوح بين الدولة والحكومة.
الحكومات تتغير، والسياسات تُنتقد، والبرلمانات تتبدل، أما سقوط الدولة نفسها فيفتح، من وجهة نظره، أبواباً يصعب إغلاقها: الميليشيات، والانقسام، والتدخل الخارجي، والحرب الأهلية، وضياع السيادة.
وهنا تصبح تجارب اليمن والسودان وليبيا وغيرها في خطابه شواهد على ما يخشاه لمصر والعالم العربي.
ويمكن الاختلاف مع تفسيره لأسباب أزمات تلك الدول أو مع بعض استنتاجاته السياسية، لكن يصعب قراءة الحوار دون ملاحظة أن خوفه الأكبر ليس خسارة حزب للسلطة، وإنما خسارة المجتمع للدولة.
وهذه ربما تكون أهم جملة لفهم الرجل سياسياً.
لكن الدولة ليست الحكومة
وإذا كان الدفاع عن الدولة هو مركز رؤية بكري، فإن الإنصاف يقتضي التوقف عند سؤال آخر:
أين تنتهي الدولة وتبدأ الحكومة؟
فالدولة أوسع من أي حكومة، وأبقى من أي رئيس، وأشمل من أي حزب أو تيار.
والدفاع عن الدولة لا يعني أن كل قرار حكومي صحيح، ولا أن كل سياسة قابلة للنقد، ولا أن الاستقرار يلغي حق المواطن في السؤال والمحاسبة.
وهذه نقطة أساسية في أي نقاش جاد حول تجربة بكري.
فإذا كانت الدولة هي الإطار الذي يحمي المجتمع، فإن قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على الحسم، وإنما أيضاً بقدرتها على استيعاب الاختلاف، وتصحيح الأخطاء، وحماية الحقوق، وإقناع المواطن بأن المؤسسات تعمل من أجله.
ومن هنا فإن أقوى دفاع عن الدولة ليس أن نقول للمواطن: لا تنتقد.
بل أن نقول له:
انتقد، واسأل، واعترض، ولكن لا تهدم الإطار الذي يمكن من خلاله إصلاح الخطأ.
وهذه المسافة بين الدولة والسلطة هي واحدة من أهم القضايا التي تجعل تجربة مصطفى بكري قابلة للنقاش الفكري، لا مجرد التصنيف السياسي.
30 يونيو في عقل مصطفى بكري
ومن هذه الزاوية تحديداً يقرأ بكري الثلاثين من يونيو.
فهو لا يقدمها باعتبارها مجرد انتقال سياسي أو مواجهة مع جماعة الإخوان، وإنما بوصفها، في رؤيته، لحظة استعادة للدولة المصرية ومنع اختطاف مؤسساتها.
وهنا يظهر دفاعه الواضح عن تجربة الزعيم العربي عبد الفتاح السيسي، وعن دور القوات المسلحة والشرطة المصرية في مواجهة الإرهاب وحماية الدولة.
لكن القراءة المنصفة للمقابلة لا ينبغي أن تتوقف عند تأييده للسلطة، فالأكثر أهمية هو المنطق الذي يبرر به هذا التأييد.
إنه ينطلق من فكرة أن مصر كانت محاطة، ولا تزال، بقوس شديد الخطورة: غزة وإسرائيل في الشمال الشرقي، السودان وسد النهضة جنوباً، ليبيا غرباً، والبحر الأحمر وباب المندب في المجال الاستراتيجي والأمن القومي.
ومن ثم فإن الجيش القوي، في رؤيته، ليس مجرد مؤسسة عسكرية، بل ضمانة لردع التهديدات وحماية القرار الوطني.
هذه رؤيته، وهي قابلة للنقاش والنقد مثل أي رؤية سياسية، لكن قوتها في الحوار أنها تظهر كجزء من منظومة فكرية متصلة، لا كموقف منفصل فرضته لحظة سياسية.
وفي المقابل، يبقى السؤال الديمقراطي والحقوقي مشروعاً دائماً:
كيف تحافظ الدولة على قوتها وأمنها، وفي الوقت نفسه تحافظ على مساحة النقد والمساءلة والمشاركة؟
ليس هذا السؤال نقيضاً لفكرة الدولة، بل هو أحد أسئلتها الكبرى.
قومي عربي يرى اليمن من القاهرة
ولعل من أكثر جوانب المقابلة دلالة بالنسبة إلى قارئ "بحر العرب" أن حديث بكري عن الدولة الوطنية لا يتوقف عند حدود مصر.
عندما يصل الحوار إلى اليمن، يتحدث من موقع العربي الذي يرى في تمزيق أي دولة عربية خسارة تتجاوز حدودها.
وهو يستدعي اليمن تحديداً ليحذر الشباب من اللحظة التي يتحول فيها الخلاف مع السلطة أو النظام إلى هدم للدولة نفسها.
وهنا تلتقي التجربتان المصرية واليمنية داخل الحوار بصورة لافتة.
فالصحيفة التي تحاوره عربية الهوية، والرجل الذي يجيب مصري قومي التكوين، لكن السؤال الذي يجمع الطرفين واحد:
كيف نغيّر أوطاننا من دون أن نفقدها؟
إنه سؤال يتجاوز مصر واليمن إلى مأزق عربي كامل.
فالدول لا تُبنى بالخلافة الدائمة للحكومات وحدها، ولا بحسم الخلافات بالقوة، وإنما بقدرتها على تحويل الاختلاف إلى سياسة، والصراع إلى مؤسسات، والتعدد إلى شراكة وطنية.
ومن هنا فإن دفاع بكري عن الدولة يفتح سؤالاً عربياً أكبر:
كيف نحافظ على الدولة من التفكك، من دون أن نجعلها عصية على الإصلاح؟
وهذا ربما أحد أهم الأسئلة التي ينبغي أن تبقى مفتوحة.
فلسطين.. الاختبار الذي لم يتغير
وعندما ينتقل الحديث إلى فلسطين، يصبح صوت بكري أكثر اتصالاً بجذوره القومية.
فلسطين لديه ليست ملف سياسة خارجية، ولا قضية تضامن إنساني فقط، بل جزء من مفهوم الأمن القومي العربي.
ومن هنا نفهم لماذا يعود إليها من عبد الناصر إلى غزة، ومن الحديث عن التسويات السياسية إلى رفض تصفية القضية.
الأهم أن المقابلة تكشف أن موقفه من فلسطين ليس وليد الحرب الأخيرة.
إنه امتداد لمسار فكري قديم ارتبط بتكوينه الناصري والقومي.
ويقدم بكري في الحوار أيضاً روايته عن عروض واتصالات مالية وإعلامية قال إنه رفضها بسبب موقفه من إسرائيل والتطبيع.
وهنا، بعيداً عن قيمة الأرقام والتفاصيل، فإن أهميتها داخل شهادته تكمن فيما يريد الرجل أن يقوله عن نفسه:
إن القضية بالنسبة إليه ليست مادة خطابية، وإنما حد فاصل في منظومة الثوابت التي يعرّف بها تجربته.
وهذا تحديداً هو معنى الثبات عندما يصبح الموقف جزءاً من السيرة، لكنه ليس رجل الماضي.
المفاجأة المهمة في الحوار أن رجلاً تشكل وعيه في زمن عبد الناصر لا يتحدث فقط بلغة الخمسينيات والستينيات، فهو ينتقل فجأة إلى الذكاء الاصطناعي، والتزييف، والشائعات، وحروب الأجيال الجديدة، ومعركة الوعي، وهنا يصبح الحوار أكثر إثارة.
فبكري الذي عرف الصحافة الورقية يرى اليوم عالماً تستطيع فيه خوارزمية أن تصنع صوتاً لم يقله صاحبه، وصورة لم تحدث، وخبراً كاذباً يعبر القارات قبل أن تستيقظ المؤسسات لتكذيبه، وهو يدرك أن أمن الدول لم يعد يُخترق بالدبابات وحدها.
قد يبدأ الاختراق من هاتف، وقد تكون المعركة داخل عقل شاب لم تطأ قدمه يوماً ميدان حرب، ومن هنا تأتي واحدة من أهم خلاصات المقابلة:
حدود الدولة في القرن الحادي والعشرين ليست جغرافية فقط، هناك حدود للعقل والوعي والمعلومة ينبغي حمايتها أيضاً.
لكن حماية الوعي لا ينبغي أن تعني مصادرة العقل، بل تقوية قدرته على التمييز، وتوفير المعلومات الصحيحة، وبناء إعلام يتمتع بالمصداقية.
وهذه هي المعركة الأصعب، لأن المواطن الذي لا يثق في مصدر المعلومة سيبحث عنها في مكان آخر مهما أُغلقت أمامه الأبواب.
وهنا يعود الصحفي إلى الواجهة من جديد.
فالرجل الذي بدأ حياته بالكلمة يواجه اليوم عالماً أصبحت فيه الكلمة أسرع وأخطر وأوسع انتشاراً مما كانت عليه في زمن الصحافة الورقية.
الاقتصاد.. المنطقة التي لا تكفي فيها الشعارات
ولم يهرب بكري من السؤال الاقتصادي، تحدث عن الأزمات التي مرت بها مصر، وعن الاحتياطي النقدي، والبنية التحتية، والإرهاب، وجائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وغزة، والديون، و"حياة كريمة".
لكن اللافت أنه، رغم دفاعه الواضح عن مشروعات الدولة، يعود إلى مفهوم العدالة الاجتماعية، وهنا يظهر الناصري القديم مرة أخرى.
فالدولة القوية في رؤيته لا يكفي أن تمتلك الطرق والمدن والسلاح، يجب أن يشعر المواطن البسيط أن لهذه القوة نصيباً في حياته.
ولهذا جاء اعتراضه على جوانب من قانون الإيجار القديم من زاوية اجتماعية: البحث عن حقوق المالك دون تحويل المستأجر الضعيف إلى ضحية.
وهذه واحدة من النقاط التي تجعل قراءة بكري أكثر تعقيداً من وضعه في خانة "المؤيد" أو "المعارض".
فهو مؤيد للدولة، لكنه يريد أن يبقى داخل هذا التأييد صوتاً يتحدث، وفق رؤيته، عن الطبقات البسيطة التي شكلت جزءاً من وعيه الأول.
وهنا يظهر سؤال العدالة الاجتماعية بوصفه امتداداً طبيعياً للجذر الناصري في شخصيته، لا مجرد شعار انتخابي أو إعلامي.
وعندما تكلم عن أمه.. سقطت كل الألقاب، لكن أجمل لحظات المقابلة لم تكن سياسية.
كانت عندما تحدث مصطفى بكري عن أمه، هناك اختفى النائب، ورئيس التحرير، والإعلامي، والسياسي القومي، وبقي الابن.
استعاد المرأة الصعيدية البسيطة، بملابسها التقليدية، واعتزازه بالسير إلى جوارها، وذكرياته معها حتى رحيلها.
وفي تلك اللحظة القصيرة، أصبح ممكناً فهم شيء من الرجل لا تشرحه الخطب السياسية.
الصعيد عند بكري ليس عنواناً جغرافياً، إنه منظومة قيم: الأسرة، والأم، والوفاء، والكرامة، والبساطة، والانتماء.
وحين يتحدث عن المرأة بعد ذلك، يبدأ من أمه وزوجته قبل أن يصل إلى مشاركتها العامة والسياسية.
ربما يستطيع السياسي أن يختار مفرداته، لكن الإنسان حين يتحدث عن أمه يكشف شيئاً من جذوره لا تستطيع السياسة إخفاءه.
وفي هذه اللحظة تحديداً يصبح البورتريه أكثر إنسانية من كل العناوين السياسية.
ثمن الموقف.. حين لا تعود المواقف مجانية
ومن هنا نصل إلى عنوان المقال نفسه.. حين تصبح المواقف سيرة لا شعاراً.
فالموقف السياسي لا يكتسب معناه فقط من الكلمات التي تُقال، وإنما أيضاً بقدر ما يحتمله صاحبه عندما يصبح للكلمة ثمن.
ومسيرة بكري، كما يقدمها الحوار، مليئة بالمعارك والخصومات والمواقف التي وضعته في قلب الجدل.
وهنا لا يحتاج الإنصاف إلى القول إنه كان دائماً على صواب، ولا يحتاج إلى إنكار أن بعض مواقفه أثارت خلافاً واسعاً.
بل يحتاج إلى سؤال أكثر عمقاً: هل كان الرجل مستعداً لدفع ثمن الموقف الذي اختاره؟
هذه هي المسافة بين الموقف والسيرة، فالموقف يمكن أن يكون جملة في مؤتمر أو تصريحاً أمام كاميرا.
أما السيرة فهي ما يبقى عندما تنتهي الكاميرا، ولهذا فإن تجربة بكري تستحق القراءة لا لأن صاحبها لم يخطئ، ولا لأن كل مواقفه يجب أن تحظى بالقبول، وإنما لأن لديه مساراً طويلاً يمكن من خلاله اختبار فكرة الثبات نفسها.
ما الذي أنصفه الحوار؟
أنصفته المقابلة لأنها لم تطلب منه أن يدافع عن نفسه أمام لائحة اتهام، ولم تمنحه في المقابل منصة للمديح.
تركته يتحدث، وعندما يتحدث الإنسان طويلاً عن نفسه، تظهر تناقضاته مثلما تظهر ثوابته.
وما تكشفه هذة المقابلة الصحفية هو أن مصطفى بكري شخصية ثابتة شديدة الوضوح في انحيازاتها: ناصري التكوين، قومي عربي، مؤمن بأولوية الدولة الوطنية، مؤيد لمسار الثلاثين من يونيو، مدافع عن القوات المسلحة المصرية، منحاز إلى القضية الفلسطينية، رافض للتطبيع وفق ما يؤكده في شهادته، ومتمسك بمفهوم اجتماعي للسياسة يجعل الفقراء والطبقات الوسطى جزءاً من معادلة الدولة.
هذه المواقف تجعل الاتفاق معه واجباً، وتجعل اختزال الرجل في موقف عابر أو برنامج تلفزيوني أو معركة سياسية ظلماً لتجربة أطول وأكثر تركيباً.
والإنصاف هنا لا يعني أن نمنح الرجل صك براءة سياسياً، ولا أن نطلب من المختلفين معه أن يغيروا قناعاتهم.
الإنصاف أبسط وأصعب في الوقت نفسه، أن نقرأ الرجل كما هو، لا كما نحب أن يكون.
مصطفى بكري.. رجل الثوابت في زمن السيولة
بعد هذه المقابلة الطويلة، ربما يكون السؤال الصحيح ليس: هل كان مصطفى بكري مصيباً في كل معاركه؟
فلا يوجد صحفي أو سياسي عاش كل هذه العقود وكان مصيباً في كل شيء.
السؤال الأكثر عدلاً هو: هل نستطيع أن نجد خيطاً واحداً يصل مصطفى بكري الشاب الذي كان يستمع إلى عبد الناصر، بالصحفي الذي أسس "الأسبوع"، بالنائب الذي دخل البرلمان، بالإعلامي الذي يخوض معاركه اليوم؟
بعد الاستماع إليه طويلاً، أعتقد أن هذا الخيط موجود، اسمه: الدولة الوطنية والقومية العربية، ومن حوله تدور فلسطين، والجيش، والعدالة الاجتماعية، والصحافة، ورفض التدخل الخارجي، والخوف من تفكك الأوطان.
لكن الثبات لا يعني الجمود، وهذه نقطة مهمة في قراءة أي تجربة سياسية طويلة.
فالإنسان الذي يعيش عقوداً لا يمكن أن يبقى نسخةً من نفسه، الذي يتغير هي الأدوات والظروف والأسئلة، بينما تبقى بعض المبادئ الكبرى هي الإطار الذي يفسر اختياراته.
وفي حالة بكري، يبدو أن هذا الإطار، وفق شهادته، ظل أكثر ثباتاً من كثير من التفاصيل المحيطة به، وبين الثبات والمراجعة.. تبقى قيمة السؤال، ربما لا تكون قيمة التجربة في أن صاحبها لم يغيّر رأيه، وإنما في أن نستطيع أن نعرف ماذا غيّر فيه الزمن، وماذا لم يستطع الزمن أن يغيره.
وهنا تصبح تجربة مصطفى بكري مادةً تستحق الدراسة.
فالرجل الذي بدأ في صحافة الحائط وجد نفسه بعد عقود في عالم الذكاء الاصطناعي.
والذي تربى على خطاب قومي عربي في زمن الحرب الباردة يتحدث اليوم عن عالم متعدد الأقطاب.
والذي شاهد السياسة من صفحات الصحف أصبح جزءاً من المؤسسة التشريعية.
والذي حمل قضية فلسطين منذ شبابه وجد نفسه أمام حرب جديدة تعيد القضية إلى مركز المشهد الدولي.
إنها مسيرة طويلة بما يكفي لأن تكشف ليس فقط ثبات الرجل، وإنما أيضاً قدرته على نقل ثوابته إلى أسئلة جديدة.
وهنا يمكن أن يختلف القارئ معه، لكن الاختلاف يصبح أكثر قيمة عندما يأتي بعد فهم المنظومة التي أنتجت الموقف، لا قبلها.
رجلٌ يمكن نقده.. ولذلك يستحق أن يُقرأ
ليس المطلوب من قراءة منصفة أن تصنع من مصطفى بكري شخصية بلا خصوم أو أخطاء.
لقد أثارت بعض مواقفه السياسية والإعلامية جدلاً واسعاً، وسيظل تقييم تجربته مرتبطاًً باختلاف الناس حول الدولة والسلطة والمعارضة وحدود دور الإعلام وعلاقة الصحفي بالسياسة، وهذا طبيعي.
فالسياسي الذي يمضي عقوداً في المجال العام لا يمكن أن يخرج من كل معاركه بلا جدل، لكن النقد الجاد لا يبدأ من محو التجربة، بل يبدأ من الاعتراف بها ثم مساءلتها.
ويمكن أن نختلف مع بكري في موقفه من قضية، أو في قراءته لحدث، أو في قربه من السلطة، أو في طريقته الإعلامية، دون أن نلغي حقيقة أنه امتلك مساراً طويلاً وحضوراً مؤثراً في الصحافة والبرلمان والإعلام.
الإنصاف ليس أن نغلق باب النقد، الإنصاف أن نفتح باب النقد بعد أن نقرأ السيرة كاملة، من "بحر العرب".. لماذا كان هذا الحوار مهماً؟
ربما كان أهم ما منحته هذه المقابلة لمصطفى بكري أنها نقلته، ولو مؤقتاً، من صورة الرجل الذي يظهر في لحظة سياسية إلى مساحة أوسع تسمح بسماع الإنسان خلف السياسي.
فالصحيفة لم تكن تحاور نائباً مصرياً فحسب، كانت تحاور رجلاً يرى أن ما يحدث في مصر واليمن وفلسطين والسودان وليبيا ليس ملفات منفصلة، وإنما حلقات في سؤال عربي واحد:
كيف نحافظ على الدولة، ونحمي استقلال القرار، ونمنع تفكك المجتمعات، ونبقي القضية الفلسطينية حية، ونصنع مستقبلاً لا يكون فيه الشباب مجرد متفرجين على انهيار عالمهم؟
ومن هنا اكتسب الحوار معناه الأوسع، فهو لم يكن عن مصر وحدها، ولم يكن عن اليمن وحده، كان عن علاقة العربي بوطنه وأمته في زمن تتغير فيه خرائط القوة بسرعة مذهلة.
مصطفى بكري.. حين تصبح المواقف سيرة لا شعاراً
بعد هذه المقابلة، ربما لا يكون السؤال الصحيح: هل نؤيد مصطفى بكري أم نختلف معه؟
فهذا سؤال يختزل رجلاً عاش عقوداً في المجال العام داخل إجابة سياسية واحدة.
السؤال الأكثر عدلاً هو: ماذا قال الرجل عن نفسه؟ وما الذي يفسر مواقفه؟ وما الذي بقي معه عندما تغيرت الأزمنة؟
لا أحد يملك حصانة من النقد، ولا أحد ينبغي أن يُمنح شهادة دائمة بأنه كان على صواب، لكن هناك فرقاً بين نقد التجربة وبين إنكارها.
ومصطفى بكري يمتلك تجربة حقيقية: صحافة وبرلمان وإعلام ومعارك سياسية ومواقف قومية وحضور متواصل في المجال العام.
وهو ابن مدرسة سياسية يمكن مناقشتها، وصحفي يمكن نقد تجربته، وبرلماني يمكن محاسبته على مواقفه، ومدافع عن الدولة يمكن مناقشة حدود رؤيته للدولة، وقومي عربي يمكن مساءلة أدوات قوميته في عالم تغير كثيراً.
لكن كل ذلك لا يلغي حقيقة أساسية، أن الرجل لم يعش على هامش عصره، كان في قلبه خاصم، ودافع، وكتب، وتحدث، وخسر، وربح، وأثار الجدل، وبقي حاضراً.
وفي زمن أصبحت فيه المواقف عند البعض قابلة للتبديل مع كل تغير في اتجاه الريح، يصبح الثبات نفسه مادة تستحق الدراسة، لا مناسبة للتصفيق.
فليس معنى الثبات أن يكون الإنسان معصوماً من الخطأ، معناه أن تكون له بوصلة، وقد يختلف الناس حول اتجاه هذه البوصلة، لكنهم يستطيعون على الأقل أن يروا أنها موجودة.
ولهذا، بعد قراءة شهادته الطويلة في "بحر العرب"، يصعب اختزال مصطفى بكري في صورة واحدة.
إنه ابن صحافة حملت هموم السياسة، وسياسي لم يتخلَّ عن عقل الصحفي، وناصري يرى في الماضي أفكاراً تصلح لبعض أسئلة الحاضر، وقومي عربي يرى مصر في محيطها، ومدافع عن الدولة يرى في انهيارها خطراً يتجاوز سقوط الحكومات، وصوت منح القضية الفلسطينية موقعاً ثابتاً في خطابه، وإنسان بقيت أمه والصعيد والأسرة جزءاً من تكوينه مهما علت الألقاب.
قد تتفق معه، وقد تختلف معه، لكن الإنصاف يقتضي أن تفهم لماذا يقول ما يقول قبل أن تحكم على ما يقول.
وهنا ربما تكون القيمة الحقيقية لأي حوار صادق، أن يجعلك ترى الإنسان خلف الموقف، والفكرة خلف التصريح، والسيرة خلف الشعار.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الذي ستطرحه الأجيال المقبلة: كم مرة ظهر مصطفى بكري على الشاشة؟، ولا كم معركة خاضها؟
بل: عندما تبدل العالم من حوله، ماذا بقي منه؟
وتقول شهادته
بقيت مصر.
وبقيت فلسطين.
وبقيت فكرة العروبة.
وبقيت الدولة.
وبقي، قبل ذلك كله، القلم الذي بدأ به الطريق.
اقرأ أيضاً
مصطفى بكري: محاولة استهداف مكة المكرمة اعتداء على مقدسات المسلمين.. وما حدث لا يُغتفرمصطفى بكري: توافق كبير بين مصر والسعودية تجاه الأزمات الراهنة والسعي إلى خفض التصعيد
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "




