في عمق الغابات الشمالية المعزولة، وعلى بعد مئات الأميال من أي حضارة حديثة، تحتفظ حلقات الأشجار العتيقة بسرٍّ مدفون منذ أكثر من ألف عام، سرٌّ تحول إلى صاعقة تفجّر أسس التاريخ الرسمي لاكتشاف العالم الجديد، وتطرح تساؤلات مرعبة حول الأسبقية الحقيقية لعبور المحيطات.
لطالما استقرت الرواية التاريخية الكلاسيكية على أن رحلة الإسباني كريستوفر كولومبوس الشهيرة عام 1492 هي نقطة الصفر الفاصلة التي ربطت العالم القديم بالأمريكيتين. غير أن هذا اليقين انهار تماماً مع اكتشاف مستوطنة «لانس أو ميدوز» في جزيرة نيوفاوندلاند الكندية عام 1960، والتي قدمت الدليل المادي الدامغ على أن بحارة الفايكنغ سبقوا كولومبوس إلى أراضي القارة الجديدة بقرون طويلة، محطمين كل المسلمات الأكاديمية حول جغرافيا الاكتشافات البشرية.
ولم يكن تحديد التوقيت الدقيق لهذا الحضور المبكر أمراً سهلاً على الباحثين، لتدخل الفيزياء الكونية على خط التحقيق عبر ظاهرة مذهلة تُعرف بـ«أحداث مياكي». ففي عام 993 ميلادية، تعرض كوكب الأرض لتدفق عارم من الجسيمات الفضائية عالية الطاقة جراء انفجار شمسي استثنائي، ترك خلفه ارتفاعاً حاداً ومفاجئاً في نسبة نظير الكربون المشع (الكربون-14) داخل الغلاف الجوي. هذه البصمة الإشعاعية التقطتها الأشجار الحية حول العالم وسجلتها بوضوح داخل حلقات نموها السنوية كشاهد أثري لا يقبل التزييف.
واستثماراً لهذا المفتاح الفلكي، انقضَّ فريق من العلماء على قطع خشبية عُثر عليها في موقع الفايكنغ الكندي تحمل ندوباً وآثار قطع واضحة بأدوات معدنية لم تكن معروفة لدى السكان الأصليين. ومن خلال عدّ حلقات النمو انطلاقاً من حلقة الانفجار الشمسي عام 993 وصولاً إلى القشرة الخارجية، خلصت دراسة ثورية نُشرت بمجلة «نيتشر» إلى تحديد عام 1021 ميلادية كتاريخ قطع تلك الأشجار، لتصبح أقدم وثيقة زمنية تثبت الوجود الأوروبي في الأمريكيتين.
لكن المفاجأة الكبرى التي قلبت الطاولة ظهرت حديثاً، إذ وجهت دراسة علمية نُشرت في مجلة «نيو فايتولوجست» ضربة قاسية لليقين المطلق لتلك التقنية. فقد حذر الباحثون من أن الأنواع المختلفة من الأشجار لا تتعامل مع الكربون المشع بذات الآلية البيولوجية، فضلاً عن وجود تفاوت إقليمي في امتصاص هذه الإشارات الكونية، مما يعني أن قراءة حلقات النمو قد تشوبها نسبة تشويش وخطأ تجعل التأريخ بسنة 1021 مجرد تقدير نسبي.
هذا التصدع العلمي أعاد فتح «صندوق البندورا» على مصراعيه، فإذا كانت بصمة الكربون-14 غير كافية لضبط التوقيت الميكروسكوبي، فهل يعني ذلك أن الفايكنغ وصلوا إلى شواطئ أمريكا الشمالية في حقبة أقدم بكثير مما ترصدها السجلات الحالية؟ وهل تخفي الغابات الكندية أسراراً لرحلات استكشافية منسيّة سبقت حتى عام ألف ميلادي؟ وحدها الأشجار الصامتة في مهب الريح الشمالي تدرك الحقيقة الكاملة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "

