بالبلدي: السعودية.. حين يبلغ الصبر منتهاه

بالبلدي: السعودية.. حين يبلغ الصبر منتهاه
بالبلدي: السعودية.. حين يبلغ الصبر منتهاه
whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

ليست القوة أن تكون الأسرع إلى السلاح، كما أن الحكمة ليست أن تصبر بلا نهاية. وبين الاثنين تُعرف هيبة الدول: أن تعرف متى تمنح السلام فرصته كاملة، ومتى يصبح استمرار الصبر بعد استنفاد تلك الفرص رسالة خاطئة لمن لا يفهم إلا حدود القوة.


وهذه ليست لغة طارئة على السعودية، ولا موقفاً ولّدته أحداث الأيام الأخيرة. إنها مدرسة دولة منذ عبدالعزيز. فقد وحّد الملك المؤسس هذه البلاد على كلمةٍ جمعت الدين والوطن، وبعزيمةٍ أقامت للدولة أركانها، وحكمةٍ عرفت للسلم قدره وللحزم موضعه؛ فعرف متى يصبر، ومتى يعفو، ومتى يفاوض، ومتى يحسم. وتُنسب إليه عبارة شديدة الدلالة في معناها: «أتمادى في الصبر حتى يرميني القريب والبعيد بالجبن والخوف، حتى لم يبقَ للصبر مكان؛ ضربت ضربتي وكانت القاضية». وسواء أخذنا العبارة بلفظها المتداول أو بمعناها، فإنها تختصر شيئاً عميقاً في مدرسة الحكم السعودية: الصبر ليس عجزاً، والحكمة ليست تردداً، والسلام لا يعني التنازل عن حق الدولة في حماية أرضها وشعبها.


ولم يبقَ هذا المعنى في الأيام الماضية في كتب التاريخ أو في ذاكرة المواقف؛ فقد أعادته الأحداث إلى حاضرنا بصورة مؤلمة. فعندما تمتد يد الاعتداء إلى المدن والمدنيين والمقدرات، يصبح الصبر نفسه موضع اختبار، ويصبح على الدولة أن توازن بين حرصها على إبقاء أبواب السلام مفتوحة وواجبها الأول في حماية شعبها. وفي يوم الثلاثاء، استهدفت ميليشيا الحوثي أعياناً مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وطالت الهجمات منشآت ومرافق للطاقة في المنطقة الجنوبية، وأسفرت عن إصابة 73 مدنياً من المواطنين والمقيمين، بينهم نساء وأطفال، إلى جانب أضرار مادية وتعطل مؤقت لبعض العمليات التشغيلية. كما تزامن ذلك مع استمرار استهداف السفن التجارية وتهديد الملاحة في البحر الأحمر.


وهنا تتجاوز المسألة مجرد التصعيد السياسي أو العسكري. فحتى الحرب ليست مساحة بلا قانون. حماية المدنيين والأعيان المدنية، والتمييز بينها وبين الأهداف العسكرية، ليست ترفاً أخلاقياً، بل من صميم قواعد القانون الدولي الإنساني. ولهذا فإن خطورة ما حدث لا تُقاس بعدد الصواريخ والمسيّرات وحدها، بل بطبيعة ما استُهدف وبمن أُصيب. وقد أكدت المملكة حقها المشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها وحماية مواطنيها والمقيمين على أراضيها، وفق قواعد القانون الدولي.


وهذا الحق ليس خطاباً سياسياً استثنائياً فرضته اللحظة. فالنظام الدولي، مع قيامه أصلاً على حظر استخدام القوة، يعترف بحق الدولة في الدفاع عن نفسها عند تعرضها لهجوم مسلح. والمعنى هنا بالغ الأهمية: السعي إلى السلام لا يلغي حق الدفاع، وضبط النفس لا يسقطه، وطول الصبر لا يحوّل الاعتداء إلى أمر مشروع.


ومنذ تأسيس المملكة كان الأمن أحد أعظم الوعود التي قامت عليها هذه البلاد: أن يأمن الإنسان على نفسه وأهله وماله، وأن تكون أرض المملكة أرض استقرار. وفي المقابل، لم تُبنَ السياسة السعودية على الاعتداء على الجار أو البحث عن الحروب، بل على احترام السيادة وتغليب الحكمة متى بقي للحكمة مجال. لكنها في الوقت ذاته لم تجعل من حرصها على السلام قيداً على واجبها الأول في حماية شعبها وأرضها ومقدراتها.


وهنا يقع أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه الخصم: ليس أن يجهل قوة السعودية، بل أن يسيء تفسير صبرها. فالدولة التي تختار التهدئة وهي قادرة على غيرها لا تفعل ذلك ضعفاً، وإنما لأنها تعرف كلفة الحرب وقيمة السلام. لكن حين يُقرأ ضبط النفس إذناً بمزيد من الاعتداء، وتُقابل التهدئة باستهداف المدن والمدنيين والمقدرات، تتغير المعادلة؛ لأن حماية الوطن عندئذ لا تعود خياراً سياسياً بين خيارات، بل مسؤولية دولة.


وهذه المدرسة لم تتغير بتغير الملوك. من عبدالعزيز إلى سلمان، بقي أمن الإنسان السعودي وسيادة هذه الأرض في صميم مسؤولية الدولة. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، جاءت السياسة السعودية في منطقة شديدة الاضطراب على المعادلة ذاتها: بناء القوة والقدرات، والتحرك دبلوماسياً لخفض التصعيد، والعمل في الوقت نفسه على أن تستمر حياة المواطن واقتصاد وطنه وتنميته بأكبر قدر من الأمن والاستقرار.


ولذلك، حين تبلغ الخصومة منتهاها، لا يعود السؤال كم تستطيع الدولة أن تصبر، بل كم يملك المعتدي من الحكمة قبل أن يستنفد مساحة الصبر التي مُنحت له.


السعودية لا تحتاج أن تثبت لأحد أنها دولة سلام؛ مواقفها ومساعيها تقول ذلك. كما أنها لا تحتاج أن تثبت قدرتها على حماية نفسها؛ تاريخها وقدراتها يقولان ذلك أيضاً. وبين الاثنين تقف قاعدة أقدم من الأزمة الراهنة: لا نعتدي، ولا نطلب الحرب، ولا نغلق باب الحكمة، لكن أمن الإنسان السعودي وسيادة أرضه ومقدرات وطنه ليست ثمناً يُدفع لإبقاء ذلك الباب مفتوحاً.


هذه بلاد عبدالعزيز الذي وحّد الأرض وأرسى الأمن، وسلمان الذي صان الأمانة، ومحمد بن سلمان الذي يبني قوة الحاضر ومناعة المستقبل. ثلاثة أجيال، وأمانة واحدة: أن تبقى السعودية آمنة عزيزة، وأن يبقى السعودي آمناً في وطنه. تغيرت الأزمنة والأدوات، ولم يتغير العهد مع هذه الأرض. نصبر لأننا نعرف قيمة السلام، ونحزم حين يصبح الحزم واجباً؛ فإذا بلغ الصبر منتهاه، لم تكن السعودية قد تخلت عن حكمتها، بل تكون الحكمة نفسها قد قالت كلمتها.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" جريدة عكاظ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : رسميًا| موعد قرعة حج الجمعيات الأهلية 2027 لإعلان أسماء الفائزين
التالى بالبلدي : ضابط إسرائيلي يعترف: قتلنا مدنيين في قطاع غزة بلا رحمة

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان