أخبار عاجلة
إعلان متجاوب

بالبلدي: «قاهرة الخديوي».. بيوت النجوم والباشوات تروي حكايات لا يعرفها أحد

بالبلدي: «قاهرة الخديوي».. بيوت النجوم والباشوات تروي حكايات لا يعرفها أحد
بالبلدي: «قاهرة الخديوي».. بيوت النجوم والباشوات تروي حكايات لا يعرفها أحد

القاهرة القديمة ليست مجرد شوارع تتقاطع وميادين تحمل أسماء الباشوات، ولم تكن مبانيها مجرد أحجار وأسقف وشرفات تطل على المارة. فخلف كثير من تلك الواجهات حكايات لا تزال حاضرة حتى اليوم، هنا شقة سكنتها نجمة من أشهر نجمات السينما المصرية، وهناك مقهى كان ملتقى الوزراء والفنانين، وفي مبنى آخر عاش أثرياء وأجانب وباشوات، بينما تحولت عمارة رابعة إلى بطلة لرواية وفيلم سينمائي.

وعلى امتداد أكثر من قرن، صنعت هذه العمائر وجهاً مختلفاً لمصر، وجه القاهرة التي أراد لها الخديوي إسماعيل أن تصبح مدينة حديثة تنافس العواصم الأوروبية، فاستعان بمعماريين أجانب، وظهرت عمائر تجمع بين التأثيرات الفرنسية والإيطالية والإنجليزية وبين اللمسات المصرية. وتصف محافظة القاهرة تلك المرحلة بأنها واحدة من أبرز النهضات العمرانية التي شهدتها العاصمة، بعدما ظهرت المباني السكنية والإدارية والتجارية والبنوك والقصور في نسيج عمراني واحد.

واليوم، وبينما تتواصل مشاريع إحياء القاهرة الخديوية، تعود هذه العمائر إلى الواجهة باعتبارها أكثر من مبانٍ قديمة، إنها صفحات مفتوحة من تاريخ مصر.

الإيموبيليا.. مدينة النجوم خلف واجهتين

إذا كان هناك مبنى واحد يستطيع اختصار علاقة السينما المصرية بعمائر القاهرة القديمة، فهو الإيموبيليا.

شُيدت العمارة عام 1938، وصممها المهندسان ماكس أذرعي وجاستون روسي على الطراز الفرنسي، وأقيمت على مساحة واسعة بلغت نحو 5444 متراً مربعاً.

لكن أرقام المبنى ليست أكثر ما يثير الدهشة. فالعمارة تتكون من برجين، وتضم نحو 370 شقة و27 مصعداً، كما كانت من أوائل المباني في مصر التي ضمت جراجاً للسيارات تحت الأرض، في وقت كانت فيه فكرة الجراجات الخاصة داخل العمائر أمراً شديد الحداثة.

ثم جاءت الأسماء: ليلى مراد، وأنور وجدي، ومحمد عبد الوهاب، ونجيب الريحاني، ومحمد فوزي، ومحمود المليجي، وماجدة الصباحي وغيرهم من نجوم الفن الذين ارتبطت أسماؤهم بالمبنى، إلى جانب شخصيات سياسية بارزة. ولهذا لم تعد الإيموبيليا مجرد عمارة، وإنما أصبحت في الذاكرة المصرية «مدينة النجوم».

واللافت أن العمارة لم تكن مخصصة للفنانين وحدهم، فقد عكست في ذروة مجدها تركيبة المجتمع المصري في ذلك الزمن، إذ سكنها رجال سياسة وقانون وأثرياء ونجوم الفن.

وبعد تأميمها عام 1961 تغيرت تركيبتها تدريجياً، لكن المبنى احتفظ بواحد من أثمن الأشياء التي يمكن أن يمتلكها عقار: ذاكرته.

يعقوبيان.. العمارة التي أصبحت بطلة رواية

في شارع طلعت حرب تقف عمارة أخرى لا تحتاج إلى تعريف طويل، يكفي أن يقال اسمها حتى يتذكر المصريون الرواية والفيلم. إنها: عمارة يعقوبيان.

شُيدت عام 1934 على يد جاكوب يعقوبيان، أحد أبرز أبناء الجالية الأرمنية في مصر، وتحولت مع مرور السنوات إلى عنوان أدبي وسينمائي بعدما حملت رواية علاء الأسواني الاسم نفسه.

لكن المفاجأة التي لا يعرفها كثيرون أن العمارة الحقيقية لم تكن هي المبنى الذي صُورت فيه أحداث الفيلم. فصناع العمل اختاروا مبنى آخر للتصوير، بعدما رأوا أن العمارة الأصلية لا تتطابق مع الصورة التي رسمتها الرواية.

والأكثر إثارة أن المبنى نفسه شهد تحولات اجتماعية عميقة، فقد كان في بداياته عنواناً للطبقة الثرية، ثم تغيرت تركيبة سكانه بعد ثورة يوليو 1952، بينما تحولت بعض غرف السطح التي كانت مخصصة للخدم والخدمات إلى مساكن لفئات أقل دخلاً.

وهكذا أصبحت العمارة، في الواقع كما في الرواية، مرآة لتحولات المجتمع المصري.

جروبي.. عندما كان المقهى عنواناً للأناقة

في ميدان طلعت حرب، تبدو عمارة جروبي وكأنها تحفظ في جدرانها تاريخاً كاملاً للحياة الاجتماعية في القاهرة.

شُيد المبنى عام 1924، وصممه المعماري جوزيبي مازا، ويضم بدرومًا وطابقاً أرضياً وأول وأربعة طوابق متكررة. لكن شهرة المبنى ارتبطت قبل كل شيء بما يوجد في طابقه الأرضي: «جروبي».

أسس السويسري جاكومو جروبي نشاطه في مصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر، وتحول اسمه تدريجياً إلى علامة مرتبطة بالأناقة والحلويات والمقاهي والحفلات. ولم يكن المكان مجرد مقهى.

كانت تقام فيه الحفلات الراقصة، وتُستقدم الفرق الموسيقية، وشهدت حدائقه عروضاً سينمائية، كما أصبح محطة للوزراء والوجهاء والطبقات الراقية. ولهذا فإن استعادة جروبي اليوم ليست مجرد إعادة افتتاح محل قديم، فمحافظة القاهرة تتابع بالفعل مشروع إعادة إحياء وتشغيل المحل والمبنى في إطار مشروع تطوير القاهرة الخديوية.

بهلر.. قطعة من باريس في القاهرة

لو وضعت صورة لعمارة بهلر أمام شخص لا يعرف القاهرة، فقد يخمن أنها في باريس أو لندن. لكنها في قلب القاهرة.

تعود العمارة إلى عام 1937، وصممها المعماري الفرنسي ليو نافليان على طراز الأرت ديكو، وتتكون من ستة مبانٍ شبه منفصلة، تضم نحو 130 شقة، إلى جانب محال تجارية في الطابق الأرضي.

وكان ممر بهلر أشبه بنسخة مصغرة من ممرات باريس الشهيرة، وضم عشرات المحال التي عرضت الملابس والسلع الفاخرة، إلى جانب صالات للفنون.

وهنا تكمن إحدى مفارقات القاهرة القديمة، فأنت تستطيع أن تمشي في شارع واحد فتنتقل بصرياً من باريس إلى روما ثم تعود إلى القاهرة دون أن تغادر العاصمة المصرية.

ليبون.. عمارة «هوانم الزمالك»

في الزمالك قصة أخرى. فهناك عمارة ليبون، التي كانت واحدة من ثلاث عمائر اشتهرت بلقب «هوانم الزمالك الكبار»، إلى جانب عمارات اليونيون وعلي لبيب جبر.

شُيدت ليبون عام 1929 بتصميم المهندس المصري أنطوان سليم نحاس، وتضم 14 طابقاً وأكثر من 100 شقة. لكن الاسم نفسه يحمل قصة أقدم من العمارة. فالعائلة التي ارتبط بها اسم ليبون كانت من المستثمرين الأجانب الذين عملوا في مصر منذ القرن التاسع عشر، وأسست شركة ارتبطت بإضاءة شوارع الإسكندرية، ثم حصلت على امتياز إنارة شوارع القاهرة.

ومع مرور السنوات أصبحت العمارة عنواناً لطبقة اجتماعية وفنية كاملة، وسكنها عدد من أبرز نجوم السينما والغناء، بينهم فاتن حمامة، وليلى فوزي، وفريد الأطرش، وسامية جمال ومحرم فؤاد، إلى جانب الكاتب الصحفي علي أمين.

صيدناوي.. عمارة تطل على ذاكرة الميدان

ليست كل الحكايات مرتبطة بالنجوم. فهناك عمائر ارتبطت بالتجارة وأسماء الأسر التي صنعت جانباً من الحياة الاقتصادية في القاهرة. ومن بينها عمارة صيدناوي المطلة على ميدان طلعت حرب وشارع قصر النيل.

وتتميز العمارة بشرفاتها الكثيرة وإطلالتها على الميدان، وتظهر ضمن مجموعة المباني التي شكلت المشهد العمراني المميز لوسط القاهرة في القرن العشرين.

وجودها في هذه المنطقة ليس تفصيلاً عابراً، فميدان طلعت حرب نفسه أصبح واحداً من أهم مراكز القاهرة التجارية والاجتماعية، وتحولت مبانيه إلى خلفية ثابتة في صور وذكريات أجيال متعاقبة.

تريستا وترينج وبنك مصر.. القاهرة التي كانت تعمل طوال اليوم

لم تكن القاهرة الخديوية مدينة للسكن الفاخر فقط. وتوضح محافظة القاهرة أن مباني المنطقة تنوعت بين السكني والإداري والتجاري والمصرفي، ومن النماذج التي تذكرها: عمارة الإيموبيليا، وعمارة تريستا، وترينج، ومبنى بنك مصر بشارع محمد فريد.

وهذا التنوع هو أحد أسرار بقاء وسط القاهرة حياً حتى اليوم. ففي المبنى نفسه أو بجواره كان يمكن أن تجد مكتباً، ومتجراً، ومقهى، وشقة لعائلة ثرية، وشركة أجنبية، وبنكاً، وفندقاً، ومسرحاً. كانت القاهرة القديمة مدينة تعمل وتعيش في الوقت نفسه.

عمارات عماد الدين.. عندما كان الشارع مصنع النجوم

وإذا كانت الإيموبيليا عمارة النجوم، فإن شارع عماد الدين كان تقريباً شارع النجوم. فالمنطقة ارتبطت لعقود بالمسرح والسينما والفن، وكانت العمائر المحيطة بها جزءاً من المشهد الذي شهد صعود أجيال من الفنانين.

وتشير محافظة القاهرة إلى أن العمارات الخديوية بشارع عماد الدين جاءت ضمن النهضة العمرانية التي شهدتها العاصمة المصرية، مع مشاركة معماريين أوروبيين في تشكيل وجه المنطقة الجديدة.

وهنا تصبح العمارة جزءاً من قصة أكبر: قصة شارع كان الفن فيه نشاطاً يومياً، وليس مجرد صناعة ترفيهية.

القاهرة الخديوية.. كيف وُلدت «باريس الشرق»؟

لفهم هذه العمائر، يجب العودة إلى المشروع الذي غير وجه القاهرة. فقد كان الخديوي إسماعيل يريد عاصمة حديثة تستلهم المدن الأوروبية، خصوصاً باريس، واستعان بمهندسين أوروبيين للمشاركة في التخطيط والبناء.

ومع اقتراب افتتاح قناة السويس عام 1869، تسارعت عمليات البناء في وسط القاهرة لاستقبال الزوار والضيوف، فظهرت الشوارع الواسعة والميادين والعمائر الجديدة، وتداخلت فيها التأثيرات الفرنسية والإيطالية وغيرها مع البيئة المصرية.

ولم تكن النتيجة مجرد مبانٍ منفردة. فلقد نشأت مدينة جديدة داخل القاهرة. وانتشرت واجهات مزينة بالأعمدة والكرانيش والشرفات والقباب والتماثيل والزخارف النباتية، ومبانٍ تحمل ملامح أوروبية لكنها تقف في قلب مدينة مصرية عريقة.

ومن القاهرة إلى الإسكندرية.. حكاية أخرى

لكن حكاية العمارة القديمة في مصر لا تنتهي عند القاهرة. فالإسكندرية تحمل بدورها طبقات هائلة من العمارة والتاريخ، وإن كانت قصتها مختلفة، فالمدينة التي تأسست عام 331 قبل الميلاد ظلت لقرون مركزاً مهماً في البحر المتوسط، وتعاقبت عليها الحضارات حتى تركت مزيجاً استثنائياً من التأثيرات المصرية واليونانية والرومانية والأوروبية.

وفي أحيائها القديمة، خصوصاً مناطق محطة الرمل والمنشية والأزاريطة وشارع فؤاد، يمكن قراءة فصل آخر من تاريخ مصر الحديثة من خلال المباني والشرفات والواجهات التي تشكلت في فترات ازدهار المدينة التجاري والثقافي.

لكن الإسكندرية لا تحتاج إلى تقليد القاهرة كي تكون مثيرة، فهي تمتلك قصة مستقلة عنوانها مدينة المتوسط.

قصور ليست عمائر.. لكنها تكمل الحكاية

وإلى جوار العمائر السكنية والتجارية، تركت مصر مجموعة هائلة من القصور التي تكشف الجانب الآخر من الحياة في تلك العصور.

في القاهرة هناك قصور مثل عابدين، وفي الإسكندرية قصور رأس التين والمنتزه وأنطونيادس وغيرها.

وفي القاهرة التاريخية نفسها تقف قصور أقدم تعود إلى عصور مختلفة، ومنها قصر الأمير طاز، الذي شُيد في العصر المملوكي ثم أعيد استخدامه وتعديله عبر عصور لاحقة، قبل أن يخضع للترميم ويفتح أمام الزوار.

وهنا تظهر الحقيقة الأهم: مصر لا تمتلك طبقة واحدة من التراث المعماري، وإنما مدينة فوق مدينة، وزمن فوق زمن.

مبانٍ تتغير.. لكن الذاكرة لا تختفي

المشكلة في هذه العمائر أن الزمن لا يتعامل معها برفق. فالواجهات تتآكل، واللافتات التجارية تغطي الزخارف، والشرفات تتغير، وبعض الشقق تتحول إلى مكاتب، وتختفي تفاصيل كانت ذات يوم جزءاً من التصميم الأصلي.

ولهذا تركز مشاريع إحياء القاهرة الخديوية الحالية على تحسين الصورة البصرية، والحفاظ على واجهات المباني، وإزالة التشوهات وتنظيم لافتات المحال بما يتناسب مع الطابع التاريخي للمنطقة. كما انطلقت مرحلة جديدة من المشروع تستهدف استعادة الرونق الحضاري للمباني والشوارع وتحويل المناطق ذات القيمة التاريخية إلى مقاصد ثقافية وسياحية.

ليست حجارة قديمة.. إنها ذاكرة مصر

ربما لهذا السبب تعود الإيموبيليا ويعقوبيان وجروبي وبهلر وليبون وغيرها إلى الأخبار كلما ظهر مشروع ترميم أو إزالة أو تغيير في أحد مبانيها. فالحديث هنا لا يدور عن عمر عقار. إنه حديث عن من عاشوا داخله. عن ليلى مراد وهي تصعد درجات الإيموبيليا، وعن فريد الأطرش في ليبون، وعن رواد جروبي وهم يجلسون في المقهى قبل عقود من ظهور المقاهي الحديثة، وعن الطبقة الأرستقراطية التي سكنت يعقوبيان، وعن التجار الذين ملأوا محال بهلر، وعن القاهرة التي كانت تستقبل كل صباح موظفيها وفنانيها ووزراءها وتجارها وطلابها في شوارع واحدة.

كل عمارة من هذه العمائر كانت ذات يوم عنواناً لحياة كاملة. ولهذا فإن الحفاظ عليها لا يعني تجميد القاهرة في الماضي، وإنما إبقاء جزء من قصتها حاضراً بينما تمضي المدينة إلى المستقبل. فإذا اختفت الواجهة، قد يبقى الشارع. وإذا تغيرت الشقة، قد يبقى اسم صاحبها. لكن إذا اختفت العمارة نفسها، فقد تختفي معها صفحة كاملة من ذاكرة مدينة لا تتوقف عن الكتابة.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" جريدة عكاظ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: سعر الدولار في البنوك والسوق السوداء اليوم الخميس 27 - 8 - 2026
التالى بالبلدي : الاستقلال يحسم سباق التزكية النسائية ويشعل معركة اللائحة الجهوية بالبيضاء

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا