مخطئ من يتصور أن الحرب الأمريكية الإيرانية ستحسمها فقط أو أساساً القوة العسكرية، وستشهد نهاية تُرفع فيها الرايات البيضاء واستسلام إيران، أو تُعلن أمريكا أنها هُزمت وفشلت في تحقيق انتصار “ساحق” في هذه الحرب.
الأمر المؤكد، أن الحرب ستنتهي اضطراراً، وربما دون رغبة المتحاربين، وأن ثمن رفع الراية البيضاء وانهيار النظام الإيراني تعرف أمريكا أثمانه جيداً بعد فشله في أفغانستان والعراق، ومن الواضح، أنها لن تكرره مرة أخرى في إيران.
لقد أسقطت الولايات المتحدة حكم طالبان في أفغانستان منذ نحو ربع قرن، واستوردت نخبة جديدة تبدو “شيك” فرضتها على المجتمع الأفغاني، وانتهت بسقوطها على يد حركة طالبان بعد 20 عاماً من الاحتلال الأمريكي.
أما العراق فقد أسقطت القوات الأمريكية نظام صدام حسين، وتصورت أنها حملت معها نخبة حديثة ستجلب الديمقراطية للمنطقة، وفق تصور وزيرة الخارجية الأمريكية الأسبق “كونداليزا رايس”، وفشلت المحاولة فشلاً ذريعاً، واختفت النخبة التي جاءت مع القوات الأمريكية، وشهد العراق هيمنة إيرانية فاقت تأثير الولايات المتحدة التي صنعت التغيير هناك، وعرفت البلاد سنوات طويلة من الفوضى والعنف والإرهاب، سقط فيها مئات الآلاف من الضحايا، حتى تعافت مؤسسات الدولة مؤخراً، وبدأت في محاولات حصر سلاح التنظيمات المسلحة في يدها، وتقليص دور الميليشيات التابعة لإيران.
إن فشل إسقاط النظم القائمة بالقوة وتصنيع نخبة بديلة، كان حاضراً في ذهن الإدارة الأمريكية، وهي تعلن الحرب على إيران، ولذا لم تسعَ لتنفيذ هذا الخيار أو لم تستطع، رغم تحريض الحكومة الإسرائيلية عليه، لأنها تعلم من تجاربها السابقة في أفغانستان والعراق حجم الأخطار التي يمكن أن تصيب المنطقة من إرهاب وفوضى وخراب شامل في حال سعت لتكرار هذا الخيار، وهو لا يفرق مع إسرائيل، ولكنه ليس في صالح أمريكا.
والحقيقة أن العقوبات “القصوى” التي أعلنها وزير الخزانة الأمريكي أول أمس، تقول إن واشنطن ترغب في ممارسة أقصى درجات الضغط الاقتصادي على إيران بغرض تأليب الرأي العام الداخلي، في ظل معاناة أغلب الإيرانيين من تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، بما يعني أن هناك رغبة أمريكية في إحياء فكرة الضغوط الاقتصادية والحصار والعقوبات التي تُفرض على دولة بغرض خضوعها للشروط الأمريكية.
وإذا كان من غير المتوقع أن تنجح هذه الخطوة في دفع الشعب الإيراني للاحتجاج ضد النظام القائم، إلا أنها ستعقد وضعه الداخلي، كما أنها من ناحية أخرى تمثل رسالة، بأن الولايات المتحدة باتت تراهن على الداخل الإيراني؛ لكي يحدث التغيير المطلوب بصرف النظر عن نجاحها في ذلك من عدمه.
أما إيران فهي بدورها ماطلت بمهارة في المفاوضات مع أمريكا واخترعت من العدم ورقة مضيق هرمز، التي تعرف أنها ستتنازل عنها آجلاً أم عاجلاً، ولكن في مقابل مكاسب استراتيجية أخرى، وهي بذلك تستهدف أيضاً الداخل الأمريكي وانتخابات التجديد النصفي للكونجرس في شهر نوفمبر المقبل، وترغب في أن تُعقِد فيها وضع الجمهوريين والرئيس ترامب بالتأثير في الداخل الأمريكي.
إن فشل أمريكا في هندسة نخبة جديدة تدّعي تمثيل الشعب الإيراني من خارج الحدود، كما فعلت في تجارب سابقة، أو تكرار ما جرى في غزة، حين وجدنا حضور الطرفين الأمريكي والإيراني مع الوسطاء لحظة التوقيع على مذكرة التفاهم، وهو على عكس ما جرى مع حماس حين وقّع تقريباً الجميع على خطة ترامب في شرم الشيخ، ما عدا حركة حماس رغم أنها الطرف الثاني المباشر في حرب غزة، بما يعني إقراراً أمريكياً بقبول النخبة الإيرانية التي حاربتها في البقاء في حكم البلاد والضغط عليها اقتصادياً وسياسياً؛ من أجل تطويع سلوكها وتوجهاتها، بعد أن ثبت فشل معادلة النخبة المصنعة في الخارج في تجارب سابقة.
سيبقى أن المعارضين والمؤيدين للنظام الإيراني هم نتاج الواقع، الذي أفرزته الثورة منذ نحو 47 عاماً، فهم إما جزء من منظومة المرشد التي تحكم البلاد منذ نجاح الثورة الإيرانية بأدواتها في الداخل وتدخلاتها في الخارج، وهم أيضاً المعارضون الإصلاحيون الذين فجروا “ما سُمي” بالثورة الخضراء في 2009 ودعموا أيضاً الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، الذي أجهضت منظومة المرشد مشاريعه الإصلاحية، وهناك المحتجون والمعارضون للنظام الذين استمروا في التظاهر منذ مقتل الشابة مهسا أميني في 2022 وحتى اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
من هنا، فإن أمريكا لم تعد راغبة، وربما غير قادرة على تصنيع نخبة جديدة تحكم إيران؛ لأنه بالحتم سيلفظها المعارضون قبل المؤيدين، لكنها تحاول أن تفتح الطريق أمام تحرك مستقل أو شبه مستقل لقوى الداخل الإيراني؛ لكي تضغط على النظام من خلال العقوبات والحصار، وفي نفس الوقت ستترك لهم حرية الحركة، وربما تقبل منهم معارضة أمريكا ولو بقدر وبصورة لا تؤثر على صورتها وصورة ترامب، ولا على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط.
معركة التأثير في الداخل بدون سلاح وبدون استخدام الطرق القديمة في التدخل المباشر ستكون سلاح البلدين في معركتهما في الأسابيع القادمة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "

