(CNN)-- بدا المشهد اعتيادياً مع انطلاق التصوير في موقع داخل قبو بمدينة هينغديان، المعروفة بـ"هوليوود الصين" بفضل مجمّعها الضخم لاستوديوهات الأفلام.
وبين المصورين ومصممي الحركات وفريق الإكسسوارات، كان الممثلون، ومعظمهم بملابس قتلة مأجورين، ينتظرون أدوارهم وسط اللمسات الأخيرة من مصففي الشعر وخبراء المكياج.
لكن خلف هذه الفوضى المنظمة، كان واقع الصناعة يتغير بسرعة. فبعد ازدهار الدراما القصيرة في هينغديان ومراكز أخرى، بدأت مواقع التصوير تخفت مع اجتياح أدوات توليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي، القادرة على إنتاج الأعمال العمودية بتكلفة أقل بكثير.

ووفقاً لوسائل إعلام رسمية صينية، أُطلق أكثر من 120 ألف عمل درامي قصير خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كان 95% منها مولداً بالذكاء الاصطناعي، ما جعل القطاع نموذجاً واضحاً لتأثير التحول التكنولوجي على سوق العمل، بين وظائف تختفي وأخرى جديدة تظهر.
وفيما كانت تستعد لتصوير أحد المشاهد، تحدثت الممثلة جونلين عن "شتاء قاسٍ" يضرب القطاع، مشيرةً إلى أنها لم تعمل سوى سبعة أيام في يونيو/حزيران، مقارنة بنحو 25 يوماً شهرياً خلال الربيع.
زمن الازدهار
ازدهرت بلدة هينغديان الصينية مع صعود الدراما القصيرة، التي ظهرت خلال جائحة كورونا مستفيدةً من شعبية تطبيقات الفيديو القصير. وتتكون عادةً من حلقات لا تتجاوز 90 ثانية، تتكامل لتروي قصصاً قد تمتد بطول فيلم كامل.
وانتشرت هذه الأعمال بحبكاتها الميلودرامية عن الحموات الشريرات وتبدّل الهويات والبطولات الحربية والعشاق المظلومين، داخل الصين وخارجها، لتتحول إلى صناعة بمليارات الدولارات.

كما بلغت قيمة السوق الصينية العام الماضي نحو 15 مليار دولار، أي نحو ضعف سوق شباك التذاكر للأفلام الروائية، فيما تستعد السلطات لتشديد الرقابة عليها اعتباراً من سبتمبر/أيلول.
وقد أتاح ازدهار القطاع فرصاً واسعة أمام الشباب، حتى لمن لم يدرسوا التمثيل أو السينما. وجذب النجاح آلاف فرق التصوير إلى هينغديان، قبل أن تظهر مراكز إنتاج في تشينغداو وشيآن وتشنغتشو، تضم مواقع مصطنعة من قصور وقاعات اجتماعات وغرف طوارئ.
لكن النمو السريع ترافق مع ثمن باهظ؛ إذ عملت فرق الإنتاج 18 إلى 20 ساعة يومياً لإنجاز أعمال بطول الأفلام خلال نحو أسبوع، بينما تقاضى الممثلون الإضافيون أحياناً نحو 1.50 دولار في الساعة. ومع ذلك، ظل حلم الشهرة والثروة يجذب الشباب، وتحوّل بعض نجوم الدراما القصيرة إلى مشاهير يمتلكون ملايين المتابعين.
دخول الذكاء الاصطناعي
بعد عودتها إلى هينغديان في فبراير/شباط، أدركت الممثلة الصينية تشوانغ وينجيه أن الصناعة التي بنت عليها آمالها بدأت تنهار. فالشوارع أصبحت فارغة، فيما غمرت منصات التواصل أعمال مولدة بالذكاء الاصطناعي.

وجاءت أداة "سيدانس 2.0" من شركة "بايت دانس" لتقلب المعادلة، إذ أتاحت إنتاج دراما مدتها 120 دقيقة بفريق من خمسة أشخاص خلال نحو أسبوع، وبكلفة تقارب 2200 دولار، أي أقل من عُشر تكلفة الإنتاج التقليدي. وسرعان ما طرحت شركات تكنولوجية صينية أخرى، أدوات منافسة لتوليد الفيديو.
وعلى تطبيق "دويين" وحده، أُنتجت 220 ألف دراما قصيرة بالذكاء الاصطناعي خلال النصف الأول من العام، حصدت 500 مليار مشاهدة، فيما استخدم أكثر من نصف الأعمال منذ مارس/آذار تقنيات تحاكي أشخاصاً حقيقيين.
وفي أبريل/نيسان، غادرت الممثلة الصينية تشوانغ هينغديان مع موجة من العاملين في القطاع، بعدما انهارت الوظائف والأجور. وبات بعض الممثلين يقبلون 45 دولاراً يومياً لدور بطولة كان يدر الآلاف سابقاً، فيما اضطر آخرون إلى وظائف جانبية، مثل الممثل ليو يوتشان الذي أصبح يعمل سائق توصيل بعدما كان يحصل على أربعة أدوار شهرياً.

فقاعة الذكاء الاصطناعي
مع اختفاء فرص التمثيل، تحولت مجموعات التواصل إلى سوق جديد يبحث عن محرّرين ومبرمجين ومصمّمين وكتّاب سيناريو متخصّصين بالذكاء الاصطناعي.

ومن بينهم تان تشن، طالب جامعي شاب، أسس شركة ناشئة لتحويل الروايات والنصوص إلى دراما مولدة بالذكاء الاصطناعي. وبعدما كان فريقه يتقاضى 150 دولاراً للدقيقة، أدت المنافسة إلى هبوط الأسعار إلى نحو 20 دولاراً، ما دفع الشركة إلى إنتاج رسوم متحركة لتجنب استخدام صور تستند إلى وجوه ممثلين حقيقيين.
"إذا لم تستطع هزيمته، انضم إليه"
أصبح استخدام شخصيات مولدة بالذكاء الاصطناعي تشبه ممثلين حقيقيين من دون إذنهم إحدى أبرز قضايا القطاع. ومن بينهم الممثلة يو شوتيان، التي اكتشفت أن وجهها، بحسب اعتقادها، استُخدم ضمن شخصية مولدة بالذكاء الاصطناعي. ولصعوبة إثبات ذلك، لم تلجأ إلى القضاء، بل بدأت باستخدام التقنية مع انتقال جزء من اهتمامها إلى الإخراج.
قد يهمك أيضاً
ويطرح هذا التحول سؤالاً أساسياً: ما الدور الذي سيبقى للبشر في صناعة الترفيه؟ فمع قدرة الذكاء الاصطناعي على تقليص الحاجة إلى الاستوديوهات الضخمة ومواقع التصوير، يبقى مستقبل التعاون بين البشر والآلات في صناعة الفن غير محسوم.
ومع ذلك، لا يزال هناك طلب على الدراما التي يؤديها ممثلون حقيقيون، إذ تحتل مراكز متقدمة إلى جانب الأعمال المولدة بالذكاء الاصطناعي والرسوم المتحركة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" cnnarabic "




