الذكاء الاصطناعي العام: بين وعد التفوق وواقع سباق التكاليف
يتردد اليوم حديث متصاعد عن “الذكاء الاصطناعي العام”، بوصفه الهدف الأبعد الذي تتسابق نحوه المختبرات الكبرى؛ أي أنظمة قادرة على أداء طيف واسع من المهام المعرفية بمستوى يضاهي الإنسان، لا الاقتصار على وظيفة واحدة كما هو حال الأدوات المتاحة اليوم. غير أن الحكم على مدى قرب هذا الهدف أو بُعده يستدعي أولاً النظر في الصورة الفعلية لصناعة الذكاء الاصطناعي وسباقها المحتدم بين واشنطن وبكين، إذ تكشف حجم الاستثمارات، وتفاوت الأسعار، ونتائج تصنيفات الأداء، عن مسافة لا تزال قائمة بين الطموح المعلن والواقع القابل للقياس.
لماذا يثير هذا الهدف كل هذا الجدل؟
يقوم نموذج الأعمال الذي تعتمده كبريات الشركات الأميركية على استثمار مليارات الدولارات في تطوير أقوى تقنيات الذكاء الاصطناعي، ثم تحصيل مبالغ مرتفعة من المستخدمين مقابل إتاحتها. وتقوم هذه الاستثمارات الهائلة في البنية التحتية على رهان مفاده أن هذه المنصات ستصبح تدريجياً جزءاً لا غنى عنه من بيئة العمل، ما يمنح الشركات مجالاً لرفع الرسوم على المستخدمين بشكل كبير. وهنا يبرز جوهر الانقسام بين المتفائلين والمتشككين:
-
المتفائلون يراهنون على أن استمرار ضخ الاستثمارات في القدرة الحاسوبية، وتسارع تبني الذكاء الاصطناعي في قطاعات كاملة كالتصنيع والخدمات اللوجستية والتجارة، سيقرّب الأنظمة تدريجياً من أداء أكثر شمولاً واتساعاً.
-
المتشككون يشيرون إلى أن لا أحد يستطيع حتى الآن الجزم بموعد وصول الإيرادات إلى مستوى يغطي هذا الإنفاق الضخم، أو ما إذا كانت الشركات ستنجح في ذلك أصلاً، وهو ما يجعل الوعود الكبرى مرهونة باختبار السوق لا بالخطابات التسويقية.
واقع السباق: كفاءة صينية مقابل تفوق أميركي معلن
يوضح واقع المنافسة الحالية أن التفوق التقني مساران متوازيان لا خط واحد. فبينما تواصل “أوبن إيه آي” و”أنثروبيك” و”جوجل” تقديم أفضل نماذج الذكاء الاصطناعي أداءً من حيث حجم المعلومات التي يمكن معالجتها في التفاعل الواحد ومستوى تطور الإجابات، فإن ذلك يتطلب تشغيل عدد أكبر بكثير من “الخلايا العصبية”، وبالتالي استهلاك قدرة حاسوبية أكبر وتكلفة أعلى.
في المقابل، ركز مطورون صينيون مثل “ديب سيك” و”علي بابا غروب هولدينغ” و”مون شوت” على تقنية “مزيج الخبراء”، التي تفعّل شبكات فرعية متخصصة فقط بدلاً من تشغيل الشبكة العصبية بالكامل. فلا يعمل في أي لحظة سوى نحو 3% من معايير نموذج “ديب سيك في 4 برو”، بينما يستخدم نموذج “كيمي كيه 3” أقل من 4% من معاييره في كل مرة. وقد دخل هذا النموذج ونموذج “كوين 3.8 ماكس” ضمن أفضل ثمانية نماذج عالمياً وفق تصنيف “لايف بنش”، مع فارق سعري كبير: فحتى 15 أغسطس، بلغت تكلفة نموذج “جي بي تي-5.6 سول” من “أوبن إيه آي” 30 دولاراً لكل مليون رمز مخرجات، أي أكثر بنحو عشرة أضعاف تكلفة نموذج “في 4 برو” من “ديب سيك” البالغة 3.96 دولار لكل مليون رمز خلال ساعات الذروة.
هذا التقارب في الأداء مقابل فارق كبير في الكلفة هو ما يغذي الجدل: هل يعني اقتراب أداء نموذج أرخص كثيراً من نموذج مكلف أن الفجوة التقنية تضيق فعلياً، أم أن مقاييس الأداء الحالية لا تكفي وحدها للحكم على أي تقدّم نحو ذكاء أعم وأشمل؟
مؤشرات من قلب الصناعة
|
المؤشر |
ما ورد في المحتوى المصدر |
|---|---|
|
اتهامات التقطير |
اتهمت “أنثروبيك” “ديب سيك” و”مون شوت” و”ميني ماكس” باستخدام 24 ألف حساب احتيالي لاستخراج قدرات نموذج “كلود” بصورة غير قانونية |
|
تعاون أميركي مشترك |
تتعاون “أنثروبيك” وأوبن إيه آي و”جوجل” للتصدي لهذه الممارسات |
|
رد فعل “ميتا” |
كشفت عن نموذج “ميوز غليمر” القابل للتنزيل، مع خطط لإتاحة أوزانه للجمهور |
|
رفع الأسعار الصيني |
رفعت “ديب سيك” اعتباراً من 16 أغسطس أسعار نماذج “في 4” إلى أكثر من أربعة أمثال مستوياتها السابقة |
يقول مارك زوكربيرغ، في مقال رافق الإعلان عن نموذج “ميتا” الجديد: “ينبغي أن يكون هدفنا أن تكون النماذج الأميركية مفتوحة المصدر الأفضل في العالم”، وهي عبارة تعكس إدراك الشركات الأميركية الكبرى لحجم الضغط القادم من النماذج الصينية الأرخص.
من يتحمل كلفة السباق؟
الضغط لا يقتصر على الجانب الأميركي وحده. فشركة “ميني ماكس” الصينية تنفق مبالغ كبيرة من السيولة لشراء القدرة الحاسوبية من “علي بابا”، كما تفعل الشركات الأميركية الكبرى. وفي مؤشر على أن الشركات الصينية بدأت هي الأخرى تشعر بضغوط لتحقيق عوائد أكبر، أطلقت “علي بابا” هذا العام منصات مغلقة ومملوكة لها إلى جانب نماذجها مفتوحة الأوزان، بينما تستعد “ديب سيك” لطرح عام أولي محتمل.
وفي هذا السياق، قال روبرت ليا، كبير المحللين لدى “بلومبرغ إنتليجنس”: “لن تستخدم الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة نموذج ديب سيك بأي طريقة رسمية. لكن في وقت تتزايد فيه الضغوط لخفض التكاليف، إذا كان ديب سيك يوفر 90% من قدرات جي بي تي، فقد ينظر المستهلكون إليه بشكل مختلف عن الحكومات”. هذه الملاحظة توضح أن جدل الذكاء الاصطناعي العام لا ينفصل عملياً عن جدل أكثر واقعية حول من يملك القدرة على تحمّل كلفة الوصول إلى هذا الهدف.
في الختام، يبقى الذكاء الاصطناعي العام هدفاً بعيد المدى، بينما تدور المعركة الحقيقية في ساحة اقتصاد التكنولوجيا حول من يقدّم الأداء الأفضل بالكلفة الأقل. فهل ترى أن تقارب الأداء بين النماذج المكلفة والأرخص خطوة حقيقية نحو ذلك الهدف، أم مجرد سباق تجاري يُستخدم فيه مصطلح كبير لتبرير إنفاق أكبر؟





