عن تجربة شخصية حديثة، بل بالغة الحداثة، بما أنه لم يمضِ عليها أكثر من أسبوع، فإن خصوم جمال عبد الناصر والدور والفكرة هم أكثر من يمنحون الرجل وتجربته أسباب البقاء، وأسرار الاستمرار. قبل أن أحكي مجريات هذه التجربة، وقبل الشروع في تقصي نماذج التجني المذهبي والطبقي الرجعي والمتصهين على ناصر والناصرية، كما وعدت في ختام مقالي السابق هنا، فإني أكرر مرة أخرى بتركيز شديد معتقداتي السياسية الشخصية، كما أوردتها في المقال المذكور، وهي أن نظام يوليو في مرحلته الناصرية سقط في يونيو 1967، وأن هذا النظام بوصفه ممثلاً لدائرة انتخابية واحدة هي المؤسسة العسكرية سقط بثورة 25 يناير، وأن الاستمرار رغم السقوط الأول جاء؛ بسبب غياب البديل المطالب أو المبادر، وأن استمراره أو بمعنى أدق عودة الروح إليه بعد السقوط الثاني، كان بسبب عدم كفاية البديل، سواء الإخواني أو المدني الديمقراطي، وأضيف هنا أنه لا أمل في تحول ديمقراطي، وبناء دولة مواطنة وقانون حديثة، ولو على مراحل، إلا بتجاوز التراث اليوليوي الناصري، ذلك التراث الذي تلخصه مقولة “الدائرة الانتخابية الوحيدة” لمقعد رئاسة البلاد والعباد، ممثلة في المؤسسة العسكرية، على النحو الذي شرحته آنفاً، وفي المقال السابق. أعود إلى التجربة الشخصية بالغة الجدة، التي تثبت كيف يساهم خصوم ناصر ويوليو في بث الحياة في الأسطورة، فقد نوهت منذ أيام على صفحتي على موقع فيسبوك برفضي المشاركة في برنامج وثائقي تنتجه فضائية عربية بترو دولارية شهيرة، بعد أن اكتشفت أن كل الأسئلة المطلوب إجابتي عليها، تلف وتدور حول عيوب الحقبة والسياسات الناصرية، وحول سلبيات الأداء الصحفي لجريدة “الأهرام” برئاسة الأستاذ محمد حسنين هيكل لتحريرها في تلك الحقبة، وذلك على الرغم من الجهد البحثي الواضح والذكي لفريق إعداد البرنامج في اختيار وصياغة الأسئلة، وكان منطقي في الرفض دون لحظة تردد هو أنني مستعد لانتقاد ناصر وهيكل والأهرام، ولكن لحساب مصر والمصريين، وليس لحساب جهات إقليمية، ولا بتمويل هذه الجهات، وتعجبت في منشوري على فيسبوك، من أن هذه الجهات لا تزال مشغولة برغبة أو دافع الثأر من ناصر وهيكل، برغم مرور 56 سنة على وفاته، وبرغم أنهم فعلوا وقالوا الكثير، وحرضوا وموّلوا الأقلام والألسن في مصر وفي كل الدول العربية، وفي أنحاء العالم لإخماد ذكر الرجل، أو على الأقل التركيز المبالغ فيه على سلبياته وأخطائه. بيت القصيد في التجربة أن ذلك المنشور على صفحتي على فيسبوك حصل على أكبر قدر من المشاهدات، بحيث اقترب من عشرين ألف مشاهدة، مع أني معتاد أن أكتب وأنشر بوستاتي غالباً في الصباح المبكر، حيث يقل عدد المتابعين أصلاً، وكذلك حصل المنشور على أكبر قدر من التفاعلات على مدار تاريخ الصفحة منذ إنشائها في أعقاب ثورة يناير 2011، وكانت التعليقات التي زادت على ألف تعليق مؤيدة لموقفي باستثناء تعليق واحد أو اثنين، وبالطبع لم يكن كل المعلقين والمتفاعلين ناصريين، بل أعرف من بينهم من يعادون الناصرية بالكامل، ومن المؤكد أن الأغلبية العظمى من هؤلاء لم يعايشوا الحقبة الناصرية، فإما أنهم كانوا أطفالاً عند وفاته، وإما أنهم ولدوا بعدها بقليل أو كثير من السنوات، ومنهم من كانوا مجرد صبية مراهقين في أيام ثورة يناير ومتتالياتها. المعادلة هنا بسيطة وهي أن استمرار الخصومة رغم الوفاة، ورغم الانقلاب الساداتي الكامل على التراث الناصري، ورغم جهود إدانة بل ووصم الحقبة والسياسات يعني عدم زوال أسباب تلك الخصومة على عكس المنطق، وما جرت به العادة والقوانين من انقضاء الخصومة بوفاة الطرف الرئيسي موضوع النزاع والاختصام. وهكذا فإن استمرار انشغالهم بالرجل وتجربته وبمحاكمته أو حتى إدانته كلما حلت ذكرى 23 يوليو، أو ذكرى 5 يونيو، أو ذكرى وفاته، أو كلما جاءت سيرته عرضاً… كل هذا لا يفعل سوى إبقاء شخصيته مهيمنة على الحاضر والمستقبل، وليس على الماضي فحسب، بمعنى أنه لم يأتِ بعد من يزيحه، ومعه كل الحقبة اليوليوية إلى ذمة التاريخ، بطبعاتها المختلفة، مثلما أزاح هو وتجربته الحقبة الملكية، وتجربة حزب الوفد وتراث ثورة 1919 إلى ذمة التاريخ، برغم هيمنة شخصية وزعامة سعد زغلول، التي كانت طاغية هي الأخرى، وخليفته مصطفى النحاس باشا على الحياة السياسية المصرية لمدة ثلاثة عقود. تفسيري الخاص- كما نوهت إليه في ختام المقال السابق- هو أن الخصومة مع التجربة الناصرية لا تزال مذهبية أكثر منها وطنية، كما هي حالة اليسار الراديكالي، والإسلام السياسي، أو رجعية طبقية كما هي حالة الأثرياء الجدد وورثة الإقطاعيين والأثرياء القدامى أو الطامحين للثراء والتميز الطبقي، أو رجعية إقليمية وهذه معروفة، وأشرنا إليها في واقعة البرنامج التليفزيوني، الذي رفضت المشاركة فيه، وأخيراً فهناك الجناح “المتعولم أو المتأمرك” من المثقفين ورجال الأعمال ووكلاء المصالح الأجنبية من المصريين والعرب، وهؤلاء بالذات لا يجدون غضاضة في التماس وتقاسم الرؤى والخطط والأهداف مع المشروع الصهيوني، واليمين الأمريكي والأوروبي، في أقبح تطبيقاته الاستغلالية والعنصرية. من هنا يصعب -للأسف- تسهيل مهمة العقل المصري الجمعي في تجاوز الهيمنة الناصرية على الحياة السياسية سلباً وإيجاباً، وإنتاج بديل يتجاوز هذه التجربة، ويُودِعها ذمة التاريخ، بما أن ما تطرحه النماذج السابق ذكرها تواً في الفقرة السابقة من بدائل إما غامضة مغامرة أو قاصرة، أو مشبوهة، فلا تلقى قبولاً جماهيرياً واسعاً. في المقال التالي، سوف أقدم نماذج من النقد المغرض وغير العلمي لدور وتجربة جمال عبد الناصر للأسباب سابقة الذكر أو بعضها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "



