في 31 يوليو 2026، أعلن «مجلس السلام» خارطة طريق مفصلة من 15 بندًا، صُممت لتشكل حجر الزاوية في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشاملة للسلام، وقد رحب ترامب بها بعد الإعلان كخطوة تمثل تقدما في مسار خطته، ووصفها بالرائعة .
واستندت الخارطة إلى معادلة تبادلية، تقوم على نزع سلاح تدريجي وموثق، تتولاه اللجنة الوطنية لإدارة غزة، تحت إشراف مباشر من مجلس السلام، مقابل انسحاب إسرائيلي مرحلي يتزامن مع انتشار “قوة الاستقرار الدولية”، وتعد تمهيدًا لتدفق المساعدات وانطلاق عملية إعادة الإعمار.
لكن هذا التصور يصطدم بموقف دولة الاحتلال؛ ففي 9 أغسطس 2026، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رفضًا قاطعًا للوثيقة، مؤكدًا أن المؤسسة العسكرية لن تنسحب إلى ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» قبل التفكيك التام والشامل لكافة القدرات التسليحية في القطاع.
من هنا تتبلور الإشكالية: هل يمثل الرفض الإسرائيلي لخارطة الطريق مجرد مناورة تكتيكية ومزايدة انتخابية، يخوضها نتنياهو لتعزيز موقفه السياسي قبيل انتخابات الكنيست، أم أنه انعكاس لعقيدة أمنية جديدة، تشكلت في أعقاب 7 أكتوبر 2023، وأصبحت تتجاوز نتنياهو وحكومته إلى توجه مؤسسي وشعبي عابر للأحزاب؟
وتؤكد القراءة المتأنية للمشهد، أن الحسابات الانتخابية تفسر جانبًا من الموقف الإسرائيلي وتوقيته، لكنها لا تكفي وحدها لتفسيره؛ إذ إن إسرائيل تمارس استراتيجية ضغط مركبة؛ تستهدف تكريس وجود مادي طويل الأمد في غزة، وإعادة هندسة جغرافيا الحدود وترسيخ مناطق عازلة، ضمن ما تسميه القيادة الإسرائيلية «النصر الحاسم».
ولا يقتصر هذا التوجه على غزة، بل يمتد إلى الجبهتين اللبنانية والسورية، بما يعزز فرضية أن الموقف الإسرائيلي أعمق من أن يكون مجرد «كلام انتخابات»، حتى مع وجود دوافع انتخابية واضحة لدى نتنياهو وحزب الليكود.
اختبار معادلة نزع السلاح مقابل الانسحاب
تقوم خارطة الطريق على إعادة صياغة المشهد الإداري والأمني في القطاع عبر تسليم الصلاحيات إلى «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، بوصفها هيئة تكنوقراطية غير حزبية، وفق مبدأ «سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد “وهو ما جاء في المادة السادسة”ذلك بالتزامن مع تفكيك البنية العسكرية للفصائل وإطلاق إعادة الإعمار.
وتبدأ عملية نزع السلاح بتفكيك الأسلحة الثقيلة والمنظومات الصاروخية وتدمير الأنفاق ومواقع التصنيع تحت إشراف لجنة تحقق دولية، بينما تخضع الأسلحة الشخصية والخفيفة للقانون الفلسطيني (المادة التاسعة)، فتتولى اللجنة تسجيلها وتنظيم تراخيصها وسحبها عند اللزوم. وهي ليست موجه للفصائل وحسب، لكن للعشائر وكافة حائزي السلاح، ويتصل بالمادة 11 والتي تنص على اتفاق سلام اجتماعي وفقاً للأعراف والقوانين الفلسطينية. ويتضمن التزامات بإنهاء العنف الداخلي فوراً، وتجنب الأعمال الانتقامية، واستعراضات القوة، والاستعراضات العسكرية، والمظاهرات المسلحة
بينما تحكم المادة (8) هذه المعادلة التبادلية، من خلال ربط التقدم في تفكيك البنية العسكرية للفصائل بالانسحاب المرحلي للقوات الإسرائيلية باتجاه «الخط الأصفر»، بالتزامن مع تنفيذ ذلك سيجري فتح المعابر وضمان تدفق المساعدات يوميًا، والانطلاق في خطط التعافي الشامل.
وتحدد المادة (12) مهام «قوة الاستقرار الدولية» في الفصل بين الجيش الإسرائيلي ومناطق سيطرة اللجنة الوطنية، ومراقبة وقف إطلاق النار، وتأمين المساعدات، وتدريب الشرطة المدنية الفلسطينية، دون الانخراط في مهام شرطية مباشرة داخل النسيج المجتمعي.
وبذلك تقوم الخارطة على معادلة واضحة: نزع سلاح تدريجي وإدارة فلسطينية تكنوقراطية، مقابل انسحاب إسرائيلي مرحلي تحل محله قوة استقرار دولية، بالتزامن مع الإغاثة وإعادة الإعمار.
وهنا تبرز نقطة الخلاف الأساسية؛ فإسرائيل تريد نزعًا كاملًا للسلاح قبل أي انسحاب، بينما تقوم الخارطة على التدرج وربط نزع السلاح بالانسحاب والإغاثة والإعمار.
حماس: مرونة تفاوضية دون تحول عقائدي
أظهرت حركة حماس والفصائل سلوكًا تفاوضيًا، يعكس فهمًا لديناميات القوة غير المتكافئة. وتجلى ذلك في قرار الحركة الصادر في 6 يوليو 2026 بحل «اللجنة الإدارية الطارئة» ونقل صلاحيات إدارة القطاع إلى اللجنة الوطنية، وهو ما يقترب من المادة الرابعة من الخارطة قبل أن تعلن، وهي تنص على “تسليم جميع وظائف الحكم المدني والأمن في غزة إلى المجلس الوطني لحكومة غزة، وفقًا لخطة ترامب للسلام”.
ويشير هذا السلوك، وفق تقديرات «المركز العربي في واشنطن»، إلى مناورة تكتيكية أكثر من كونه تحولًا عقائديًا؛ فالحركة، تحت وطأة القيود الهائلة في إدارة الحياة اليومية للسكان، تسعى من خلال التخلي عن الأعباء الخدمية إلى تخفيف الضغط الشعبي ونزع الذرائع الإسرائيلية لاستهداف البنية المدنية، دون المساس ببنيتها التنظيمية.
وفي المقابل، لا ترفض حماس مبدأ نزع السلاح من حيث المبدأ، لكنها ترفض تحويله إلى شرط أولي يسبق بقية عناصر التسوية، وتتعامل معه، باعتباره جزءًا من مسار تفاوضي، يرتبط بحجم الانسحاب والضمانات المقدمة لها.
وتشير تقديرات لمراكز أبحاث إسرائيلية إلى استمرار محاولات حماس والجهاد الإسلامي ترميم قدراتهما، بما يجعل ملف نزع السلاح ورقة مساومة مرتبطة بالانسحاب والضمانات، لا قرارًا منفصلًا عن التسوية.
إسرائيل: من الحساب الانتخابي إلى العقيدة الأمنية
لفهم الرفض الإسرائيلي لخارطة الطريق، يجب تفكيكه عبر مستويين متداخلين: المستوى التكتيكي المرتبط بالسياسة الداخلية، والمستوى الاستراتيجي المرتبط ببنية الدولة وعقيدتها الأمنية.
نتنياهو والانتخابات
مع اقتراب انتخابات الكنيست في 27 أكتوبر 2026، يواجه نتنياهو بيئة سياسية ضاغطة، مع تآكل في التأييد الشعبي لصالح غادي آيزنكوت عن حزب “يشار”.
ووفق استطلاعات معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، لا تتجاوز الثقة بشخص نتنياهو 31%، مقابل 73% للجيش الإسرائيلي.
يدفع هذا الخلل نتنياهو إلى تبني خطاب شديد الراديكالية، رافضًا أي صيغة توحي بالانسحاب، ومؤكدًا التزامه بمنع قيام أي كيان فلسطيني ذي سيادة، بما يضمن استقطاب أصوات اليمين واليمين الاستيطاني المتطرف.
لكن اختزال الرفض الإسرائيلي في شخص نتنياهو ومصالحه الانتخابية يظل مقاربة غير كافية.
ما بعد 7 أكتوبر: تحول في العقيدة الأمنية
تشير المعطيات إلى تحول في العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد 7 أكتوبر، من مبدأ «إدارة الصراع والردع» إلى منطق التحكم الشامل، وإلغاء التهديد استباقيًا، والبقاء الميداني.
وتظهر استطلاعات INSS لعام 2026 أن هذا التوجه لا يقتصر على جمهور الائتلاف؛ إذ يعارض 57% من الإسرائيليين انسحابًا كاملًا من جنوب لبنان، حتى لو التزم حزب الله بوقف إطلاق النار، وتؤيد نسبة 59% استمرار العمل العسكري، حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع إدارة ترامب. وحتى بين مؤيدي المعارضة، يرفض 48% الانسحاب ويدعم 55% استمرار العمليات العسكرية.
كما يعبر 57% من الجمهور عن قلق أمني دائم، ويتجلى توافق واسع بين الائتلاف والمعارضة على رفض عودة أي قوة فلسطينية مسلحة لضبط الحدود.
أما بشأن «اليوم التالي» ومستقبل الفلسطينيين، فيفضل 27% الانفصال الأحادي، و25% الضم الكامل للضفة الغربية دون منح حقوق مدنية للفلسطينيين، بينما تراجع التأييد لحل الدولتين إلى ما دون 25%.
وتشير هذه المعطيات إلى أن الرفض الإسرائيلي لا يمكن تفسيره بالكامل بالحسابات الانتخابية لنتنياهو، بل يعكس توجهًا أمنيًا أوسع، يتجاوز الحكومة الحالية، يقوم على رفض وجود قوة فلسطينية مسلحة قادرة على تهديد الحدود.
وبالتالي، فإن هذا التوجه، سواء في غزة أو لبنان أو سوريا، سيشكل قيدًا أمام أي حكومة إسرائيلية قادمة، سواء شكلها آيزنكوت أو غيره، ويجعل قبول الانسحاب مرتبطًا بضمانات لتجريد القطاع من كافة مقومات القوة.
معضلة تعريف نزع السلاح
تكمن إحدى أعقد زوايا الأزمة في اختلاف تعريف «نزع السلاح». فتعريف مجلس السلام والوسطاء يقوم على تفكيك مؤسسي وموثق للأسلحة الثقيلة والبنية التحتية العسكرية، مع السماح بإدارة الأسلحة الخفيفة تحت سلطة شرطية فلسطينية مرخصة. أما التعريف الإسرائيلي فيتجه إلى تصفية كافة القدرات العسكرية، بما فيها الأسلحة الفردية والخفيفة، مع احتفاظ الجيش الإسرائيلي بالسيطرة الميدانية وحق التدخل العسكري والاستخباري داخل القطاع.
ومن هنا، لا يتعلق الخلاف بالسلاح وحده، بل بمن يملك السيادة الأمنية على غزة، ومن يحدد حدود الانسحاب الإسرائيلي وشروطه.
الوسطاء: فجوة في تعريف الحل
تتسم إدارة واشنطن للملف بالبراجماتية السريعة، التي تخدم أجندة ترامب، وهو ما يفسر التذبذب بين تبني المطالب الإسرائيلية ومحاولة طرح صيغ توافقية. في المقابل، تتمسك مصر بخطة شاملة ترتكز على رفض التهجير، والحفاظ على الوحدة السياسية بين الضفة والقطاع، وضرورة إعادة تفعيل السلطة الفلسطينية، بينما تدعم قطر وتركيا دمج حماس في مسار تحول سياسي مدني.
أما السعودية والإمارات، فتربطان ضخ الاستثمارات وتمويل إعادة الإعمار بضمانات فعلية ومثبتة لتفكيك القدرات العسكرية للفصائل.
وهكذا يواجه الوسطاء معضلة واضحة: واشنطن تريد إثبات قابلية خطة ترامب للتنفيذ، والدول العربية تريد إنهاء الحرب وبدء الإعمار، بينما تربط إسرائيل أي تقدم بتحقيق تعريفها الخاص للأمن ونزع السلاح.
وقد حمل وزراء خارجية 8 دول عربية وإسلامية، بينهم السعودية ومصر والأردن وباكستان وتركيا وقطر، إسرائيل مسؤولية عرقلة جهود السلام، مدينين رفضها خارطة الطريق لتنفيذ خطة ترامب لإنهاء الحرب، ورفضها إقامة الدولة الفلسطينية. وأكدوا أن موقفها يهدد تنفيذ الخطة ويقوض الجهود الرامية إلى تحقيق سلام عادل ودائم.
ورحبت “حماس” بالبيان المشترك الذي دعا لضرورة التنفيذ “الكامل والفوري” للخطة، ودعوا إلى استمرار الانخراط الأمريكي لضمان التزام الاحتلال بها والمضي في تنفيذ مرحلتها الثانية، ودعت الحركة إلى تحرك سياسي ودبلوماسي دولي مكثف للضغط على الاحتلال الإسرائيلي وإلزامه بتنفيذ “خريطة الطريق” الخاصة بقطاع غزة.
السيناريوهات المستقبلية للقطاع
في ضوء اختلال موازين القوى وتناقض المنطلقات بين الأطراف، يمكن استشراف أربعة مسارات رئيسية:
إعادة صياغة خارطة الطريق: التوجه إلى تعديل بعض البنود بلغة دبلوماسية تحتمل تأويلات متناقضة، بما يسمح لكل طرف بالادعاء بتحقيق أهدافه، مع انسحابات إسرائيلية محدودة وانتشار جزئي للشرطة الفلسطينية وقوات الاستقرار، وترحيل أزمة السلاح الخفيف إلى مراحل لاحقة.
تكريس الوضع الراهن: استمرار الجيش الإسرائيلي في السيطرة على أجزاء واسعة من القطاع، وحشر الإدارة المدنية للجنة الوطنية داخل مناطق سكانية متقطعة، بينما تتحول حماس إلى بنية أمنية موازية تحت الأرض، بما يبقي جذور الأزمة ويهيئ لانفجار جديد.
التصعيد: انهيار مسار التسوية وعودة المواجهات العسكرية، إما نتيجة قناعة إسرائيلية بأن الفصائل تستغل التهدئة لترميم بنيتها، أو نتيجة فشل الوساطات الأمريكية، خصوصًا بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة.
التحول السياسي الكامل: نزع سلاح شامل مقابل تحول الفصائل إلى قوى سياسية مدنية، ضمن مسار دولي ضاغط نحو حل الدولتين. ويظل هذا السيناريو الأقل احتمالًا في الظرف الراهن، في ظل رفض مكونات النظام السياسي الإسرائيلي، حكومةً ومعارضة، لأي صيغة تقود إلى قيام كيان فلسطيني ذي سيادة.
الخلاصة
تُظهر القراءة التحليلية لمسار خارطة طريق «مجلس السلام» أن الأزمة في غزة أعمق من خلاف على الترتيبات الإدارية أو التفاصيل التقنية لنزع السلاح. فالفصائل الفلسطينية وإسرائيل تبدوان متفقتين على مبدأ الإدارة المدنية للقطاع، لكن نقاط الخلاف الأساسية تتمثل في نزع السلاح والسيادة والحدود والانسحاب والوجود العسكري الإسرائيلي، فيما يظل الوضع الإنساني الكارثي رهينة لتعثر الإغاثة والإعمار.
ويتضح أن الرفض الإسرائيلي لخارطة الطريق لا يمكن اختزاله في المزايدة الانتخابية، رغم أن الحسابات الانتخابية تفسر جانبًا من حدته وتوقيته. لكنه يبدو في الوقت نفسه ترجمة لتحول أوسع في التوجهات الأمنية الإسرائيلية، جعل من «التحكم الأمني المادي» شرطًا حاكمًا لأي ترتيبات قادمة في القطاع، بمعزل عن هوية رئيس الوزراء.
وبالتالي، تبدو احتمالات الانسحاب الكامل، وقيام إدارة فلسطينية ذات سيادة فعلية، وبدء إعادة الإعمار، بعيدة حتى بعد انتخابات الكنيست، ما لم تتغير معادلة الضغط على إسرائيل.
وطالما استمرت خطط السلام الدولية في محاولة التوفيق بين منطقين متناقضين، أحدهما فلسطيني يستند إلى الحقوق والشرعية والسيادة، والآخر إسرائيلي يستند إلى التحكم الأمني والاستباقي، ستظل خارطة الطريق تدور في دائرة التعثر والتأجيل.
وعليه، فإن تجاوز المأزق يتطلب ضغطًا دوليًا وإقليميًا واضحًا على إسرائيل، مع ضمانات فعلية لتنفيذ خارطة الطريق، وإنهاء الأزمة الإنسانية، وبدء الإعمار والانسحاب من القطاع، بدلًا من استمرار إعادة التفاوض حول شروط التنفيذ كلما اقترب المسار من الانتقال إلى مرحلته التالية.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


