حصلت النبأ على مستندات رسمية ومذكرة لهيئة الرقابة الإدارية تكشف تفاصيل قضية شديدة التعقيد، تدور حول أرض زراعية بمنطقة كفر حكيم في الجيزة، تعود جذور بعض مستندات ملكيتها إلى محمد إدريس المهدي السنوسي، ملك المملكة الليبية المتحدة، قبل أن تدخل الأرض في مراحل متعاقبة من الإصلاح الزراعي والنزاعات القضائية والطلبات المتعلقة بالملكية والتعويض.
وتقول مذكرة هيئة الرقابة الإدارية، التي أحيلت إلى النيابة العامة، إن التحريات كشفت عن شبهة اصطناع ملف دعوى قضائية وأحكام ومستندات رسمية وتوكيلات، ثم استخدام تلك المحررات في إجراءات للتصرف في الأرض، التي قدرت الهيئة قيمتها السوقية بنحو نصف مليار جنيه.
وتتناول القضية أربعة متهمين، وفق أمر الإحالة الصادر في 26 يوليو 2026، مع اختلاف المراكز القانونية لكل منهم.
من «ملك المملكة الليبية» إلى الإصلاح الزراعي
حسب مذكرة الرقابة الإدارية، تعود جذور الأرض محل الفحص إلى مستندات مشهرة في خمسينيات القرن الماضي، ففي 3 ديسمبر 1955 أُشهرت قائمة إنهاء وقف أهلي رقم 763 لسنة 1955 القاهرة، وكان موضوعها إنهاء وقف منسوب إلى محمد إدريس المهدي السنوسي، ملك المملكة الليبية المتحدة، على أطيان تقع بالحوض الرمل الغربي ناحية كفر حكيم بمركز إمبابة في الجيزة.
كما تضمنت المستندات عقد هبة رسميًا مشهرًا في 21 مايو 1955، صادرًا عن محمد إدريس المهدي السنوسي بصفته ملك المملكة الليبية المتحدة لصالح عدد من الأشخاص الوارد ذكرهم في الأوراق.
وبعد سنوات، دخلت الأرض في نطاق إجراءات الإصلاح الزراعي، لتبدأ معها سلسلة طويلة من المنازعات حول الملكية والتعويض والانتفاع.
الاستيلاء على الأرض وبداية النزاع القانوني
تشير الأوراق إلى أن الهيئة العامة للإصلاح الزراعي قامت في 3 أبريل 1962 بالاستيلاء على مساحات من الأراضي بناحية كفر حكيم، ومن بينها مساحة مرتبطة بالأرض محل الفحص.
وتكشف المستندات عن إجراءات إشهار لاحقة لمساحات الاستيلاء، فضلًا عن تصرفات تمت في أجزاء من الأرض، بينما ظلت أجزاء أخرى مملوكة للهيئة العامة للإصلاح الزراعي.
وفي الوقت نفسه، نشأت نزاعات قضائية بين بعض الورثة والجهات الحكومية، تضمنت مطالبات بالأرض والتعويض عن الاستيلاء وريع الانتفاع.
دعاوى قضائية امتدت لسنوات
تضمنت مذكرة الرقابة الإدارية عددًا من الدعاوى المرتبطة بالأرض، من بينها الدعوى رقم 2267 لسنة 1994 مدني كلي الجيزة، التي أقامها ورثة ضد جهات حكومية للمطالبة بالأطيان وعدم نفاذ بعض التصرفات.
كما تناولت الأوراق الدعوى رقم 56 لسنة 2008 تعويضات كلي شمال الجيزة، والتي صدر فيها حكم بإلزام وزير المالية، وفق ما ورد بالمذكرة، بأداء مبلغ 5 ملايين و825 ألف جنيه تعويضًا عن قيمة الأطيان ومقابل الانتفاع.
وتضمنت الأوراق كذلك الدعوى رقم 3882 لسنة 2021 مدني شمال الجيزة، التي صدر فيها حكم في يناير 2025 بإلزام وزير المالية بمبلغ 750 ألف جنيه مقابل الانتفاع عن نصيب في الأطيان محل النزاع، مع استمرار نظر الاستئنافات حسب المستندات.
هنا ظهر ملف الدعوى رقم 5972 لسنة 2011
وسط هذا التاريخ الطويل للأرض، ظهرت في التحقيقات دعوى صحة توقيع حملت رقم 5972 لسنة 2011 أمام محكمة البساتين الجزئية.
وبحسب أمر الإحالة، قالت النيابة إن هذا الملف جرى اصطناعه على غرار الملفات القضائية الصحيحة، وشمل الحكم ومحاضر الجلسات ورول القضايا وحافظة المستندات ومسودة الحكم ونماذج أخرى.
والأخطر، وفق الاتهام، أن المستندات حملت توقيعات منسوبة إلى رئيس الدائرة وأمين السر، إلى جانب بصمات خاتم شعار الجمهورية، رغم أن التحقيقات وتقارير الفحص الفني قالت إن تلك التوقيعات والخاتم ليست صحيحة.
الطب الشرعي يفحص الملف
أظهرت ملاحظات النيابة، استنادًا إلى تقرير مصلحة الطب الشرعي لأبحاث التزييف والتزوير، أن القاضي أبو المجد عبد الرحمن أبو المجد وأمين السر أحمد عمر متولي لم يحررا التوقيعات المنسوبة إليهما على الحكم ومحضر الجلسة والرول ومسودة الحكم ونماذج أخرى.
كما خلص الفحص، وفق المستندات، إلى أن بصمات خاتم شعار الجمهورية لمحكمة البساتين الجزئية مقلدة باستخدام قالب مصطنع.
وامتد الفحص إلى التوكيل الرسمي العام رقم 357 حرف ب لسنة 2010 ومحضر الإيداع رقم 123 حرف أ لسنة 1996 المنسوبين إلى مكتب توثيق دمنهور، حيث أفادت النتائج الواردة بالأوراق بأن بصمات الخاتم المثبتة عليهما مقلدة كذلك.
صفحة واحدة تكشف محاولة إخفاء الواقعة
لم تتوقف شبهة التزوير عند ملف الدعوى، وإنما وصلت إلى دفتر قيد القضايا والأحكام.
ووفق تقرير الطب الشرعي، فإن الصفحة التي تحمل بيانات الدعوى رقم 5972 لسنة 2011 جرى نزعها من دفتر آخر مناظر وإقحامها داخل الدفتر محل الفحص.
وكشف الفحص عن اختلافات في نوع الورق والدرجة اللونية والخط المستخدم مقارنة بباقي صفحات الدفتر.
كما أوضحت النيابة أن الاستعلام من قلم الحفظ المدني بمحكمة البساتين أظهر أن التسلسل الفعلي لدعاوى صحة التوقيع في ذلك الوقت كان قد وصل إلى الرقم 5933 لسنة 2011، وهو ما جعل الرقم 5972 محل شبهة حسب التحقيقات.
لماذا كان الملف مهمًا؟
حسب ما ورد في مذكرة الرقابة الإدارية، لم يكن الهدف من اصطناع الملف مجرد إنشاء حكم غير صحيح، وإنما استخدامه ضمن سلسلة من المستندات لإثبات سند للملكية والتصرف في الأرض.
وتشير المذكرة إلى أن الدعوى المصطنعة تضمنت عقد بيع لأرض كائنة بناحية كفر حكيم، وأن الحكم المنسوب إلى المحكمة قضى بصحة توقيع على العقد.
ومن هنا انتقلت القضية من مجرد شبهة تزوير محرر قضائي إلى مسار يتعلق بإثبات سند ملكية ثم استخدام ذلك السند في إجراءات لاحقة.
التوكيلات القديمة تدخل على خط القضية
كشفت التحقيقات كذلك عن مستندات أخرى كان لها دور محوري في القضية، من بينها التوكيل الرسمي العام رقم 357 حرف ب لسنة 2010 ومحضر الإيداع رقم 123 حرف أ لسنة 1996.
وقالت التحقيقات إن تلك المحررات اصطُنعت على خلاف الحقيقة، ثم استخدمت كأساس لسلسلة من الإجراءات والتوكيلات اللاحقة.
وبحسب الاستعلامات التي أوردتها مذكرة الرقابة الإدارية، فإن البيانات الحقيقية للمحررات الموجودة في دار المحفوظات تختلف عن البيانات الواردة في المستندات محل الفحص.
دار المحفوظات تكشف المفاجأة
عند الرجوع إلى دار المحفوظات، وفقًا لما ورد في المذكرة، تبين أن المحرر الحقيقي ذي الرقم 123 حرف أ لسنة 1996 كان موضوعه توكيلًا عامًا في القضايا بين أطراف مختلفين عن الأطراف الواردة في المحرر المستخدم في الواقعة.
كما تبين أن التوكيل رقم 357 حرف ب لسنة 2010 كان له أطراف وموضوع مختلفان عن البيانات التي ظهرت في المستند محل التحقيق.
وبحسب المذكرة، عززت هذه النتائج شبهة اصطناع المحررات واستخدامها ضمن سلسلة التصرفات المتعلقة بالأرض.
من أوراق قديمة إلى توكيلات جديدة في 2025
تتبعت التحقيقات مسار استخدام تلك المحررات حتى عام 2025، حيث رصدت إجراءات توثيقية جديدة بشأن الأرض.
وتشير الأوراق إلى تحرير توكيلات رسمية حديثة، من بينها توكيل رقم 969 حرف س لسنة 2025 وتوكيل رقم 1150 حرف أ لسنة 2025.
وتقول النيابة إن هذه الإجراءات تمت بناءً على إقرارات ومستندات قالت التحقيقات إنها مزورة، بما أدى إلى إظهار واقعة غير صحيحة في صورة واقعة قانونية صحيحة.
الرقابة الإدارية تقدر قيمة الأرض بـ450 مليون جنيه
تضع مذكرة هيئة الرقابة الإدارية رقمًا ضخمًا في قلب القضية، إذ قدرت القيمة السوقية للمساحة محل المخطط بنحو 450 مليون جنيه.
وتشير المذكرة إلى أن المساحة محل الفحص تبلغ نحو 80 فدانًا و8 قراريط و13 سهمًا، ضمن مساحة أكبر بمنطقة كفر حكيم.
وتبرز هذه القيمة حجم الدافع الاقتصادي المحتمل وراء سلسلة الإجراءات التي تناولتها التحقيقات، إلا أن تحديد المسؤوليات النهائية وثبوت الجرائم من عدمه يظل من اختصاص القضاء.
شهادات موظفي المحكمة تدعم رواية التحقيقات
تضمنت قائمة أدلة الإثبات شهادة هاني حلمي سالم صادق، الأمين العام لمحكمة حلوان الابتدائية، الذي قال حسب الأوراق إنه اكتشف اختلافات في ملف الدعوى محل الفحص، وأنها لم تتطابق مع الملفات الصحيحة الصادرة عن الدائرة.
كما شهد أحمد عمر متولي، أمين السر السابق بالدائرة، بأنه لم يتسلم ملف الدعوى رقم 5972 لسنة 2011 من الجدول، وأن التوقيعات المنسوبة إليه وإلى رئيس الدائرة لا تخصهما.
وتضمنت القائمة شهادة ضابط هيئة الرقابة الإدارية محمد شرين مصطفى الجندي، الذي أفاد حسب المستندات بإجراء تحريات عقب ورود معلومات عن اصطناع الحكم والملف بهدف الاستيلاء على الأرض.
أربعة متهمين في أمر الإحالة
أمرت النيابة العامة بإحالة أربعة متهمين إلى محكمة الجنايات المختصة، وهم فرج عبد محمد غنيم، وإيهاب فؤاد أنيس يوسف، وإبراهيم محمد إبراهيم علي، وعمر بكري علواني أبوغليمة.
ووفق أمر الإحالة، فإن المتهم الأول محبوس، والثاني هارب، بينما أخلي سبيل الثالث والرابع.
وتنسب النيابة إلى المتهمين، كل حسب الدور المنسوب إليه في أمر الإحالة، اتهامات تتعلق بتقليد خاتم شعار الجمهورية وتزوير محررات رسمية واستعمالها، والاشتراك في اصطناع ملف الدعوى والتلاعب بدفتر القيد، إلى جانب الاتهامات المتعلقة بالأرض محل الواقعة.
قصة بدأت من «ملك المملكة الليبية» وانتهت أمام الجنايات
بين مستندات تعود إلى خمسينيات القرن الماضي تحمل اسم محمد إدريس المهدي السنوسي، ملك المملكة الليبية المتحدة، وإجراءات الإصلاح الزراعي والنزاعات القضائية الممتدة لعقود، تظهر في القضية طبقة جديدة من الوقائع التي قالت التحقيقات إنها بدأت باصطناع ملف دعوى قضائية، ثم امتدت إلى دفاتر المحكمة والتوكيلات والمحررات الرسمية.
وتكشف الأوراق عن مسار معقد تحاول النيابة من خلاله تحديد كيفية انتقال مستندات محل شبهة تزوير إلى إجراءات توثيق حديثة، وكيف أمكن إدخال ملف قضائي محل اتهام بالتزوير إلى غرفة حفظ المحكمة، وكيف ظهرت صفحة محل شبهة داخل دفتر القيد.
ويبقى السؤال الأهم: هل كان اصطناع الحكم والتوكيلات خطوة ضمن مخطط أكبر للتصرف في الأرض التي قدرت الرقابة الإدارية قيمتها بنحو 450 مليون جنيه؟
الكلمة الأخيرة للقضاء
مع إحالة القضية إلى محكمة الجنايات، تخضع الاتهامات وتقارير الطب الشرعي وتحريات هيئة الرقابة الإدارية وشهادات الشهود والاستعلامات الرسمية للمناقشة والفحص أمام المحكمة.
وتظل الوقائع الواردة في أمر الإحالة اتهامات قيد المحاكمة وليست حكمًا نهائيًا بالإدانة، كما يتمتع جميع المتهمين بكامل حقوق الدفاع التي كفلها القانون.
وتبقى الكلمة الأخيرة للقضاء في تحديد حقيقة ما جرى، والمسؤولية الجنائية لكل متهم، ومدى ثبوت الاتهامات من عدمه، في واحدة من القضايا التي تجمع بين تاريخ ملكية يعود إلى «ملك المملكة الليبية المتحدة»، وأراضٍ محل نزاعات قضائية، ومستندات رسمية وأحكام قالت التحقيقات إنها تعرضت للاصطناع والتزوير، وقيمة سوقية تقترب من نصف مليار جنيه.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "












0 تعليق