(CNN) -- تبدو للوهلة الأولى كخريطة مزدحمة بالتفاصيل، لكن كلما اقتربت منها بدأت رموز صغيرة وغريبة في الظهور.
لا يرسم الفنان البريطاني غاريث فولر خرائط من النوع الذي قد تجده في الأطالس. فهي ليست مرسومة وفق مقياس رسم محدد، ولا تتضمن أسماء الشوارع. ويطلق عليها اسم "الخرائط الذهنية"، وهي تمثيلاته الفنية للوقت الذي يقضيه في التجول سيرًا على الأقدام واستكشاف المدن.
وفي عصر خرائط "غوغل"، حيث يعتمد كثيرون على هواتفهم للتنقل في الأماكن الجديدة، يرى فولر أن الناس فقدوا حس الاكتشاف. لهذا بدأ في إنجاز هذه اللوحات الكبيرة بالحبر والقلم، التي يصفها بأنها "جغرافيته الشخصية".

في عمله عن واشنطن العاصمة، يظهر شعار صغير جدًا لشبكة "PBS"، لأنّ مقر هيئة البث يقع في عاصمة البلاد. وهناك أيضًا نمط مستوحى من الأسقف ذات الكتل الخرسانية المفرّغة المميزة لنظام مترو واشنطن، وزهور ترمز إلى المشتل الوطني، ونهر بوتوماك الذي يشقّ طريقه وسط كل هذه العناصر.
ويمكنك التحديق في هذه الخرائط الذهنية طوال اليوم، ورغم ذلك قد لا تكتشف كل تفاصيلها، وهذا تحديدًا ما يريده فولر.
وفي كل من لوحاته، يقضي شهورًا بل وأحيانًا سنوات، في استكشاف المدن قدر استطاعته سيرًا على الأقدام.
ويوضح أنّ الخرائط لا تقتصر على ما يراه فحسب، بل تستند أيضًا إلى الحكايات والمحادثات العفوية والتجارب الإنسانية التي يختبرها على طول الطريق. كما أنها ليست مفيدة إذا كنت بحاجة إلى خريطة فعلية؛ فالبنتاغون، على سبيل المثال، يقع في ضواحي ولاية فرجينيا، وليس داخل واشنطن العاصمة نفسها.
ويقول فولر: "تعكس الخرائط إلى حد كبير صورة وجدانية للمكان. ومن هذا المنظور، أشعر بامتياز كبير لكوني فنانًا. فالناس يرحّبون كثيرًا بالحديث معك عن المكان الذي يعيشون فيه، وما هو مهم بالنسبة إليهم، وقصصهم الشخصية، والأماكن التي أتوا منها. ويمكن أن يأخذ الحوار مسارات شتى".
ويشير فولر إلى أنّ حبّه للاهتداء إلى الطرق بدأ في طفولته. وقد نشأ في ريف ويلز، وانضم إلى الكشافة وتعلّم كيفية استخدام البوصلة والمصباح اليدوي ليجد طريقه إلى المنزل من دون خريطة.
وعندما انتقل إلى لندن في سن الرشد، تعرّف إلى تلك المدينة المحمومة والمتشابكة من خلال التجول فيها سيرًا على الأقدام. ومع تزايد اهتمامه بالفن، بدأ ينظر إلى خربشاته التي تصور الأماكن باعتبارها "حلًا للمشاكل باستخدام الحبر والخطوط".
لكن انتقاله إلى الصين هو ما جعل أعمال فولر تزدهر حقًا.

وكان أحد أصدقاء فولر يدرس في بكين، فحزم فولر دراجته، وأقام في شقة صديقه، وحاول تعلّم اللغة الصينية المندرينية.
ألهمته السنة التي قضاها، على فترات متقطّعة، في العاصمة الصينية لإنجاز أكبر أعماله حتى الآن. فخريطة بكين مليئة بالنوافير والمعابد ذات الطراز الصيني ومحطات الطاقة ورافعات البناء والزهور. وتظهر فيها أحياء "هوتونغ"، وهي الأزقة الجانبية الشهيرة التي تدور فيها تفاصيل الحياة اليومية في بكين، إلى جانب ناطحات السحاب العملاقة.

أما العنصر المركزي فهو جزء من سور الصين العظيم الذي يمتد ملتويًا عبر الخريطة كالأفعى، وفوقه دراجات هوائية. وهذا اختيار متعمد، إذ تعرّف فولر إلى المدينة أثناء تجوله فيها على عجلتين.
ويقول فولر: "أن تنتقل من مكان مثل لندن إلى مكان مثل الصين، وترى كيف تعمل مدينة صينية، وهي على أعتاب أفكار حديثة للغاية تتعلق بالمدن الذكية وما شابه ذلك، فضلًا عن الجانب الثقافي.. لقد قلب ذلك عالمي رأسًا على عقب. لا أريد أن أتعامل مع الثقافة الصينية بنظرة تبجيل مبالغ فيها، لكن بالنسبة إليّ بصفتي غربيًا، كانت تجربة تعليمية هائلة. كانت مثيرة".
والشخص الأكثر تأثرًا بأعمال فولر الفنية هو، بطبيعة الحال، فولر نفسه. إذ انتقل للعيش في الصين بصورة دائمة، وتزوج وأصبح أبًا. وأصبحت أعماله الحالية، التي لا تزال قيد الإنجاز، تُرى من خلال منظور طفل صغير بقدر ما تُرى من منظور رجل بالغ.

وإذا حاولت استخدام عمل فولر "بكين" بوصفه خريطة للتنقل في مدينة بكين، فلن يساعدك كثيرًا. لكن إذا استخدمته بوصفه مسارًا عاطفيًا لفهم مكان كبير ومعقد وديناميكي، فقد يساعدك على التعرف إلى المدينة كما لو كان صديقًا. وربما تكتشف مدينة مختلفة تمامًا عن تلك التي زارها هو؛ مدينة تتشكل وفق لقاءاتك العشوائية واكتشافاتك التي تحدث بالمصادفة.
يقول فولر: "لطالما فعلنا ذلك نحن البشر. نتنقل عبر البلدات والمدن والقرى، ونتحدث مع بعضنا، ونلتمس المأوى لدى بعضنا، ونثق ببعضنا".
وسرعان ما ستصل أعمال فولر إلى الولايات المتحدة ضمن معرض في جامعة ستوني بروك بولاية نيويورك.
وسيُقام معرض "المشي حول العالم: فن غاريث فولر في تصوير المكان" (Walking the World: Gareth Fuller’s Art of Place) في معرض "Skylight Gallery" بالجامعة، من 9 سبتمبر/أيلول حتى 18 ديسمبر/كانون الأول.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" cnnarabic "


















0 تعليق