بأي معيار سياسي صحيح فقد سقط نظام ٢٣ يوليو ١٩٥٢ مرتين، ولكنه استمر في السلطة لأسباب بنيوية لا تزال فاعلة في حياة مصر السياسية حتى يومنا هذا، ولا أمل في نظام جديد إلا بتجاوز هذه الأسباب.
المرة الأولي التي سقط فيها النظام اليوليوي، كانت الهزيمة العسكرية المشينة في عام ١٩٦٧، لكن النظام استمر بسبب غيبة البديل المبادر لتسلم السلطة في لحظة انهيارها، وقبل إعلانها للمواطنين في خطاب التنحي الشهير، ولو من داخل القوات المسلحة، بوصفها كانت ولا زالت الدائرة الانتخابية الحقيقية الوحيدة لمنصب الرئيس منذ دستور عام ١٩٥٦ على الأقل، وهو ما أتاح لجمال عبد الناصر تجديد شرعيته بمطالبة جماهير ٩ و١٠ يونيو ١٩٦٧ في مصر أساسا، وفي أنحاء أخرى من العالم العربي ببقائه، واستئناف القتال.
الشاهد الأهم هنا، هو استخلاص عبد الناصر نفسه أن شرعية النظام سقطت، وأن مصر في حاجة إلى نظام جديد، وأشير هنا إلى محاضر المراجعات في اللجنة التنفيذية العليا التي نُشرت، وكُتب عنها الكثير، وخلاصتها إطلاق التعددية الحزبية وحرية الانتخابات، ولكن بعد معركة إزالة آثار العدوان، كما أشير إلى وصفه هو شخصيا للنظام قبل الهزيمة، بأنه كان دولة مخابرات ومراكز قوى، وذلك في خطابات جماهيرية عامة.
وبالطبع، سيكون من قبيل السفسطة النظرية التساؤل عما إذا كان عبد الناصر سيلتزم بهذه الوعود (لو بقي حيا وقاد هو حرب أكتوبر)، وأهمها إعادة الأمر للشعب بعد المعركة، كما التزم في رسالته التي عدل فيها عن قرار التنحي إلى البرلمان، وكان يعرف وقتها باسم مجلس الأمة، أم تكون المعركة سببا في تفويض شعبي جديد أكثر قوة له، كما حدث مع خليفته أنور السادات، التي كانت حرب أكتوبر مصدرا جديدا، ليس لشرعيته الشخصية فحسب، ولكن أيضا لنظام يوليو بالمعنى الذي سبق شرحه، وهو اعتماد المؤسسة العسكرية بوصفها الدائرة الانتخابية الوحيدة لمقعد الرئاسة.
على أية حال، كان مقتضى السقوط في يونيو ١٩٦٧ هو نزع شرعية احتكار تلك الدائرة الانتخابية لحق اختيار الرئيس، أو على الأقل وضعها موضع التساؤل والشك، خاصة في سنوات السادات الأخيرة، مع تزايد التوترات الاجتماعية، ومن ثم، الصراعات السياسية حول سياسة الانفتاح الاقتصادي ونتائجها المعيشية والطبقية، الأمر الذي حاول الرئيس احتواءه بإطلاق التعددية الحزبية المقيدة، ولكن دون المساس بجوهر الاحتكار السلطوي عن طريق الاحتفاظ بنظام الاستفتاء على المرشح الرئاسي الوحيد، وإخراج الانتخابات النيابية، وفقا لسيناريو موضوع سلفا لإبقاء الأغلبية في جيب الرئيس.
وهنا يحسب للرئيس السادات بصفة شخصية، أنه بادر مرتين بوعي كامل إلى إنهاء وصاية جيل ورجال يوليو على النظام والدولة، ففي المرة الأولى بعد وفاة جمال عبد الناصر بقليل، رفض مبادرة من قدامى أعضاء مجلس الثورة السابق لإحياء المجلس بسلطاته القديمةّ برئاسته، أي برئاسة السادات، وفي المرة الثانية اختار لخلافته ضابطا من جيل أكتوبر على حد تعبيره، هو حسني مبارك، وأخرج كل من تبقى من رجال يوليو من السلطة.
لكن ذلك كله كان أيضا إسقاطا لبعض مقومات نظام يوليو ١٩٥٢، أو بمعنى أصح، إقرارا ضمنيا بتجاوز الزمن والتطور لهذه المقومات، ومنها الأشخاص بذواتهم أو بحيثياتهم، كما قلنا توا، وكذلك منها التنظيم السياسي الواحد، مع بقاء جوهر الاحتكار السلطوي على حاله، أو كما روى الأستاذ أحمد بهاء الدين في كتابه محاورات مع السادات، فإن الرئيس كان يسخر من دعوى خروج الجيش من السياسة قائلا: “إن الأفندية المثقفين لا يفهمون أن الجيش باق في الحياة السياسية لمدة خمسين سنة على الأقل”.
من المفارقات، أن المرة الثانية التي سقط فيها نظام يوليو بالكامل، بمعنى أن المؤسسة العسكرية لم تعد هي الدائرة الانتخابية الحقيقية للمنصب الرئاسي، ولا هي مصدر الشرعية والقوة السياسية.. هذه المرة الثانية التي كانت يوم تنحي الرئيس حسني مبارك من الرياسة تحت ضغط جماهير ثورة يناير ٢٠١١، يمكن اعتبارها تحقيقا لنبوءة الرئيس السادات في حديثه للأستاذ بهاء، فقد جرى ذلك الحديث في عام ١٩٧٥ تقريبا، ومن ثم، فحين اندلعت ثورة يناير كان قد مر عليه قرابة ٤٠ عاما، وهي مدة تقترب من المدة التي توقعها السادات مع هامش اختلاف طفيف.
لكن لدينا هنا مفارقة أخرى تتفق مع النبوءة الساداتية من حيث تقدير الوقت اللازم لإنهاء وصاية المؤسسة العسكرية على السلطة والمجتمع، وتؤكد كذلك الحاجة الموضوعية لتجاوز نظام يوليو برمته، ونقصد مشروع توريث السلطة لجمال مبارك، الذي أجهضته ثورة يناير، فمن دلالات هذا المشروع الفاشل (والآثم أيضا)، أن نخبة المال والأعمال ونخبة حزب الأغلبية ومعهما قطاع من المثقفين والإعلاميين، كانوا يشعرون أن الوقت قد حان ليتولى رجل مدني منصب الرئيس، تعبيرا عن مصالح وأفكار هذه الجماعات، التي تناثرت التقارير عن تصادم المؤسسة العسكرية معها في اجتماعات مجلس الوزراء، وفي غيرها من المحافل.
أما المفارقة الثالثة هنا، فهي أنه ظهر بديل لنظام يوليو يطالب بالسلطة، بل نالها بعض الوقت، وهو جماعة الإخوان المسلمين، ولكنه كان بديلا من خارج بنية ومؤسسات الدولة وجهازها البيروقراطي والأمني بالكامل، وكلها أُسست ونُظمت وآمنت، بأن علة وجودها هو محاربة هذه الجماعة بالذات، (جنبا إلى جنب مع التنظيمات اليسارية حتى انهيار الشيوعية السوفيتية تقريبا)، إذن فالدرس الذي نختتم به هذا المقال هو أنه لتجاوز نظام يوليو يتحتم وجود بديل مدني مناسب للمشاركة الانتقالية مع بقايا دولة يوليو.. أقول للمشاركة وليس للتبعية أو الشكلانية الديكورية كما هو الوضع حاليا.
قبل أن نرى إمكانية تحقق هذا الشرط أتناول في المقال المقبل الأسباب، التي تبقي جمال عبد الناصر بالذات حيا في الذاكرة الشعبية والوطنية، وهي في رأيي التجني المذهبي على تجربته وعلى شخصه من ناحية، وكذلك التجني الطبقي الرجعي عليه وعلى حقبته، وأخيرا الحملات المتصهينة والمتأسلمة التي لا تنقطع على أعماله وسياساته وذكراه.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


