أعاد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن انطلاق جولة جديدة من المفاوضات مع إيران، بالتزامن مع حديثه عن وجود تفاهمات تتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني، تسليط الضوء مجدداً على مسار بالغ التعقيد تتداخل فيه الحسابات العسكرية والاقتصادية والسياسية.
وبينما تؤكد واشنطن، وفق تصريحات ترامب، اقتراب فرص التوصل إلى تفاهم، تنفي طهران وجود مفاوضات مباشرة، وتؤكد أن الاتصالات الجارية عبر سلطنة عُمان تقتصر على ملف الملاحة في مضيق هرمز. وفي المقابل، تتابع إسرائيل هذه التطورات بحذر، وسط مخاوف من أن تفضي أي تسوية إلى اتفاق لا يحقق مطالبها الأمنية.
مضيق هرمز... ورقة تفاوضية رئيسية
يرى رئيس المنتدى الخليجي للأمن والسلام، فهد الشليمي، خلال حديثه إلى "الظهيرة" على "سكاي نيوز عربية"، أن مضيق هرمز انتقل من كونه أحد تداعيات الصراع إلى ورقة تفاوض رئيسية استطاعت إيران من خلالها إضفاء أبعاد دولية على الأزمة.
ويعتبر الشليمي أن الولايات المتحدة تمكنت، تدريجياً، من تقليص أهمية هذه الورقة عبر ترتيبات بديلة أسهمت فيها سلطنة عُمان، وهو ما جعله يعتقد أن إيران تدخل أي مفاوضات وهي تمتلك "نصف ورقة" فقط، بعدما فقد المضيق جزءاً من قدرته على ممارسة الضغط.
كما يرى أن واشنطن استفادت، بصورة غير مباشرة، من تداعيات أزمة المضيق، بينما تحملت دول المنطقة، إلى جانب أوروبا والصين، جزءاً كبيراً من الكلفة الاقتصادية، مضيفاً أن الإدارة الأميركية اعتمدت، بحسب تقديره، أسلوباً تفاوضياً يقوم على تقديم وعود لم تُنفذ لاحقاً، ما أفقد إيران بعض أوراقها التفاوضية.
وأشار الشليمي إلى أن دول الخليج لعبت دوراً في احتواء التصعيد رغم تعرضها سابقاً لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، معتبراً أن تشجيع التيارات الإيرانية المنفتحة على التفاوض يبقى أكثر جدوى من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة.
واشنطن... ضغوط عسكرية وقنوات دبلوماسية
من جانبه، قال الباحث في المجلس الوطني للعلاقات العربية الأميركية، فادي حيلاني، إن إدارة الرئيس ترامب اعتمدت منذ البداية مسارين متوازيين؛ الأول يقوم على الضغوط العسكرية، والثاني يحافظ على قنوات دبلوماسية مفتوحة، مؤكداً أن هذه القنوات لم تنقطع حتى خلال الضربات الأخيرة.
ويرى حيلاني أن محدودية الضربات الأميركية وعدم مشاركة إسرائيل فيها يعكسان رغبة واشنطن في إبقاء الباب مفتوحاً أمام الحلول السياسية، لكنه يستبعد أن تكون طهران قد حسمت موقفها بشأن تسوية نهائية تتعلق بمضيق هرمز.
ولفت إلى وجود تباين داخل المؤسسة الإيرانية بين تيار يتولى إدارة التفاوض وآخر أكثر تشدداً يمثله الحرس الثوري، الذي يعتقد أنه لا يزال يحتفظ بالكلمة الفصل في القضايا الاستراتيجية.
وأضاف أن الساعات التي أعقبت تصريحات ترامب شكلت اختباراً لمدى جدية المواقف الإيرانية، مشيراً إلى أن تجارب سابقة أظهرت تبايناً بين الخطاب السياسي والممارسات الميدانية، وهو ما يجعل احتمال استخدام طهران للمفاوضات بهدف كسب الوقت أو تجنب التصعيد العسكري احتمالاً قائماً.
كما يرى أن الولايات المتحدة تراهن بدرجة أكبر على الضغوط الاقتصادية والحصار البحري باعتبارهما وسيلتين أكثر فاعلية لانتزاع تنازلات من إيران، مع استمرار تمسكها بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة ومعالجة الملف النووي.
جدل حول سياسة الردع الأميركية
واعتبر الشليمي أن أسلوب ترامب القائم على التهديد ثم العودة إلى التفاوض يثير تساؤلات بشأن فعالية الردع الأميركي، مشيراً إلى أن تكرار التهديدات التي لا يعقبها تنفيذ قد يضعف صورة الولايات المتحدة، رغم اعتقاده أن ترامب يفضل التفاوض وفق أسلوب مستمد من خبرته في عالم الأعمال، يقوم على ممارسة الضغوط قبل طرح التسويات.
ويتفق حيلاني مع هذا التقييم إلى حد بعيد، مشيراً إلى أن الانتقادات داخل الولايات المتحدة طالت ما يُعرف بسياسة "TACO"، التي تعكس الانطباع بأن ترامب يتراجع في اللحظات الأخيرة بعد إطلاق تهديداته.
لكنه يميز بين الجدل حول أدوات الردع وبين وضوح الهدف الأميركي، المتمثل، بحسب تقديره، في منع إيران من امتلاك سلاح نووي ومنعها من فرض سيطرة كاملة على مضيق هرمز.
ويرى حيلاني أن غياب ردع أميركي أكثر حسماً منح إيران فرصة لتنفيذ بعض تهديداتها أو إعادة بناء جزء من قدراتها العسكرية خلال فترات الهدوء.
إيران: هرمز أولوية أمنية
أما الباحث في الشؤون الإقليمية والدولية، حكم أمهز، فيؤكد أن الرواية الإيرانية تنفي وجود مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن الاتصالات الحالية تقتصر على الوساطة العُمانية المتعلقة بمضيق هرمز.
ويصف أمهز المضيق بأنه الورقة الأقوى التي تمتلكها إيران، معتبراً أنها لن تتخلى عنها لأنها تمثل، من وجهة نظرها، ضمانة أمنية قبل أن تكون ورقة اقتصادية.
وأضاف أن الاهتمام الإيراني لم يعد يتركز على فرض رسوم على السفن، بل على إدارة الملاحة بما يحقق، وفق رؤيته، اعتبارات أمنية تمنع تحرك القطع العسكرية الأميركية والإسرائيلية من دون رقابة.
ويرى أن التوصل إلى تفاهم بشأن هذه النقطة قد يفتح الباب أمام حلول أوسع، بينما سيبقي استمرار الخلاف الأزمة مفتوحة.
إسرائيل تراقب بحذر
بدوره، قال الدبلوماسي الإسرائيلي السابق، مئير كوهين، إن تل أبيب قبلت بقيادة الولايات المتحدة لمسار التعامل مع إيران، لكنها تنظر بحذر إلى أي ضغوط أميركية قد تفضي إلى اتفاق يتضمن تخفيفاً للعقوبات من دون ضمانات كافية بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وأضاف أن إسرائيل تحاول التأثير في مسار المحادثات، مع احتفاظها، بحسب قوله، بحرية التحرك العسكري إذا رأت أن أي تسوية لا تلبي متطلباتها الأمنية، مستشهداً بتصريحات مسؤولين إسرائيليين أكدوا استمرار هذا الخيار.
ويرى كوهين أن جانباً من القلق الإسرائيلي يعود إلى وجود تباين بين الرؤية الأميركية والإسرائيلية لنهاية المواجهة مع إيران، موضحاً أن واشنطن تراعي أيضاً اعتبارات داخلية، من بينها الانتخابات النصفية في الكونغرس، إلى جانب تراجع التأييد الشعبي الأميركي لأي انخراط في حرب واسعة، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحاً في حال تعثر المفاوضات.
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "



0 تعليق