ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة وضيفنا في هذه السطور الأديب الروائي أحمد رفاعي والذي أهدي بوابة الجمهورية والمساء احدث ابداعاته في ثياب القصة القصيرة، تحت عنوان “نهاية وبداية”..
???? نهاية وبداية..
لطالما أحببتُ السير منفرداً، فهو وسيلتي المثلى لطرد الهموم والتخلص من تبعات ضغوط الحياة. وما أكثرها! ولولا المشي الذي أُسَرِّي به عن نفسي لضقتُ بالدنيا ومشكلاتها التي لا تكاد تنتهي لتبدأ من جديد، فذلك من طبيعتها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
في صباح يوم صيفي أسلمتُ نفسي لقدمَي في جولةٍ حول الحي الذي أسكنُ فيه لينتهي بي المطاف في حديقةٍ صغيرةٍ أمام محطة القطار وقد نال مني الجهد والعطش، فانحرفت إلى كشكٍ أنيقٍ لأبتاعَ لنفسي زجاجةَ عصير أروي بها عطشي. كان من الطبيعي أن أتخذَ مجلسي في الحديقة لكن ذلك لم يحدث، ولسبب أجهله حتى الآن وجدتني مدفوعاً بإرادة خارجة عنّي إلى محطة القطار، فاجتزتُ بوابتها الرئيسية حيث البهو الكبير الذي يضم عربة الخديوي إسماعيل الأثرية، وقطعتُه بخطًى سريعة كأنني على سفر يكاد يفوتني قطاري ودلفتُ من البوابة الثانية ثم ملت إلى جهة اليسار وجعلتُ أتمشى على الرصيف نمرة واحد. ولإن القطارات المتجهة إلى العاصمة تقف على هذا الرصيف فقد وجدته مزدحماً لا موضع فيه لقدم، ولكن بدلاً من الرجوع على عقبي وجدتُني أتابعُ السيرَ حتى بلغتُ نهاية الرصيف فعثرتُ على بقعة شبه خالية من المسافرين.
أقول (شبه خالية) لإنه لم يكن فوق المقعد الرخامي القابع في تلك البقعة سوى مسافر واحد كان يجلس متكوراً حول نفسه دافناً رأسه بين رجليه متخذاً وضع الجنين. جلستُ وأنا ألقي عليه السلام فرفع رأسه مذعوراً كأنه مطارَد عثر عليه مطارِدوه، ولوهلةٍ هالني منظره. كان مراهقاً في مقتبل العمر، لم يكدْ يتجاوز مرحلة البكالوريا لكن شحوبَ وجهه وغَور عينيه وتشقق شفتيه الجافتين يوحي لناظره أنه كهلٌ تعيسٌ على مشارف الهلاك. استغرقه الذهول والذعر لحظات قبل أن يفيق ويرد تحيتي ثم أنزل حقيبته على الأرض ليُفسح لي مكاناً لأجلس، ثم لاذ بالصمت فلم ينطق بكلمة، ووجدتني مدفوعاً بغريزة الفضول لأفاتحه الحديث فهممتُ أن أسأله عن وجهته لكنه نهض فجأةً لينصرفَ فخشيتُ أن أكون ضايقته فقلت معتذراً:
– أنا آسف لو ضايقتك.
ونهضتُ وأنا أقول:
– خلك في مطرحك. سأمشي.
فابتلع ريقه وقال بصوت متحشرج لا يكاد يبين:
– لا أبداً .. كنت سأغادر على أي حال.
وهمَّ أن يحمل حقيبته فإذا به يفقدُ توازنه حتى كاد يسقط من فرط الإعياء، فاندفعت لأمسك بجسده النحيل فإذا بورقةٍ مطويةٍ تسقط من يده على الأرض. أجلسته برفق وقد أخذتني به شفقةٌ أبوية عارمة وانحنيت لألتقط الورقة فإذا بأول سطرٍ يطالعني رغماً عني كمطرقةٍ سقطت على جمجمتي .. طالعني السطرُ الكئيبُ بجملةٍ قاسيةٍ أرتعَشَتْ لها أناملي. كانت الكلمات مرتعشة غير متوازنة: (سامحيني يا أمي .. سامحني يا أبي .. سامحني يا أخي .. أنا لا أستحق الحياة).
“يا إلهي! ما كل هذا الألم؟”
هكذا غمغمتُ وأنا ألتقطُ الورقة ثم أدفنها في جيبي أمام ناظري الشاب الذي بدا بلا حولٍ ولا قوةٍ وقد اعتراه خجلٌ ممزوجٌ بخوف، وتبادلنا نظرةً طويلةً قلتُ بها كلاماً كثيراً لم يملك أمامه إلا أن يرتد بعينيه إلى الأرض في حزنٍ مقهور!
ولوهلةٍ تملكتني حيرةٌ شديدة. ماذا أقول؟ وكيف أتصرف؟ ماذا عساي أن أفعل في هذا الموقف الذي لم أكن لأتمناه لألد أعدائي؟ هل أتجاهل الموقف وأعطيه الورقة ثم أنصرف أم أتدخل؟ هل لو تدخلتُ أكون على صواب أم قد أكون سبباً لتأكيد ضَعفِه وهوانِه على نفسه وعلى الناس؟ إنها والله لمجازَفة خطيرة! ولم أجد أمامي سوى الله أستعين بحوله فهتفتُ بقلبي أن يا رب أعنِّي ووفقني لأتصرف على الوجه الذي يرضيك .. يا رب أجري على لساني ما ينجد هذا المسكين اليائس.
وخطوتُ تجاهه واتخذتُ مجلسي بجواره ولم أدَعْ فراغاً يفصله عني كأنني بشعورِ الأب أردتُ ألا يبتعد عني قيد أنمله. وجعلتُ أطالعُه برحمةٍ صادقة حتى لكأن الدنيا تحولت في نظري إلى مسرح صغير لا يقف على خشبته سوانا وكأنني أسمع بأذني أحزن الألحان يتردد صداها من حولنا. وقلتُ له بصوتٍ خفيضٍ جاهدتُ نفسي ليبدو واثقاً:
– اسمي عبد الرحمن .. هلّا تعدني بحسبة الوالد وتفتح لي قلبك؟
وصمتَ فلم يرد واكتفى بحركات تنم عن توتره فجعل يفرك كفيه ويهز رجليه بسرعة، فوضعت يدي على كفيه فتوقف عن فركهما. ثم بحثتُ في قاموس لغتي عن أنسب ما أقوله له فلم أجد إلا كلمتين اثنتين لم أُثلِّثهما. قلتُ له بحنوٍ:
– أشعرُ بك.
لم أقل سوى هاتين الكلمتين لينهار جبل الحزن والتعب والخوف الذي كان يحمله فوق كتفيه، ولن أستطيع مهما أسعفتني الكلمات أن أصف ما كان منه. فما كادت الكلمتان تغادران شفتي حتى انفجر الولد باكياً كأن سداً منيعاً فُتح فوق مصب نهر جارف. بكى بقوة وجعل دمعه يجري على خديه ويسقط على الأرض حتى بلل به الثرى. وتركته يُفرغ ما به من إنكسار وألم ولم أقاطعه حتى شعرتُ أنه اكتفى أو كاد، فقلتُ وابتسامة هادئة ترتسم على محياي، حاولتُ جاهداً أن أجعلها مُطَمْئَةً:
– احكي لي يا بني وفضفض عما يثقل كاهِلَك واعتبرني أباك أو أخاك أو صديقك.
تردد هنيهةً ثم استجمع قواه وحرك شفتيه المرتعشتين وكان أول ما نطق به:
– اسمي (ك) .. طالب ثانوي .. أو المفروض أنني أنهيت دراستي ..
تلعثم قليلاً قبل أن يستطرد:
– بالأمس ظهرت النتيجة و ….
ولم أكُن في حاجة لأسمع بقية حكايته فقد خمنتها بسهولة. طبعاً لم أحرمه لذة الفضفضة وإنزال وجعه بين يدي ليتخفف من آلام روحه ونفسه، بل تركته يحكي وعيناي لا تفارقانه حتى أنني كنتُ أتابع خلجات وجهه ورقص عينيه الصغيرتين في محجريهما، بل وكنتُ أحس بخفقان قلبه الحزين يرتجف تحت طيات قميصه الباهت المغطَّى بالتراب. يا إلهي .. كيف لهذا القلب الصغير أن يحمل في جوفه كل هذا الوجع وهذا الخوف؟ من هزال جسده حزَرْتُ أنه لم يأكل جيداً منذ أيام، ومن ضعف صوته خمنتُ أنه لم يتحدث مع مخلوق منذ فترة، ومن التراب الذي غطى أماكن متفرقة من قميصه الذي كان في الأصل أبيضاً فهمتُ أنه نام على الأرض. تركته يتحدث فلم أقاطعه، لكنني كنت قد أدركتُ حجم مصيبته من أول جملة.
وراحَ يحكي وهو يبكي حتى بلغ من حكايته الموضع الذي التقيته فيه. علمتُ أنه عاش أصعب أيام حياته خلال العام الدراسي لكثرة الضغوط التي تعرض لها، وزادت قسوة أيامه في الامتحانات فلقد تملكه الخوف والارتباك وحاصرته العيون المتسائلة ترجوه أن يحقق أملها فيه، عيون أبيه وأمه وأخيه الأصغر الذي يعده قدوته. ولما ظهرت النتيجة كانت القسوة التي لم يتحملها. نجح ولكن نجاحاً باهتاً لم يكن ليرتقي للمستوى الذي تمناه لنفسه ولا تمنته له أسرته وأحبابه. نجح نجاحاً أمرَّ من رسوب الفاشلين. هكذا قال لي بالحرف الواحد وهو يدفن وجهه بين كفيه ويجهش بالبكاء.
ثم رفع إليّ وجهه وطالعني بعينيه الدامعتين وهو يقول:
– ربما كنتُ سأتحمل هذه الصدمة رغم قسوتها، لكن ما لم أستطع تحمله هو أن أكون سبباً في انكسار أبي.
وهتفتُ مستفسراً:
– ماذا حدث؟
قال كأنه يحدث نفسه:
– لقد كسرته .. نعم كسرته .. ليس مرة واحدة .. بل مرات! كسرته وأنا أجبره على أن يعمل بالنهار وبالليل ليكفي احتياجاتي، وكسرته مرة أخرى وأنا أحطم أمله فيَّ ساعة النتيجة، وكسرته الثالثة -وكانت أكبرها- حين فررتُ خارج البيت وأنا أراه ينهار فوق الكنبة وهو يمسك بقلبه ويهتف “لا أستطيع أن أتنفس .. أريد هواءً”.
تمتمتُ:
– أصيب بجلطة.
فهز رأسه وهو يقول بحسرة:
– أجل .. هكذا علمتُ من صديقي الذي اتصلت به.
ودفن وجهه مجدداً وجعل يسح الدموع سحاً، فوجدتني أربتُ على كتفه وأنا أقول له:
– إنها فعلاً تجربة مؤلمة .. ولكنك يا بني لم تكسر أباك بعد.
فرفع إلي وجهه في ذعر، وتابعتُ كلامي قبل أن ينطق بكلمة فقلت:
– نعم .. أنت لم تكسر أباك المسكين بعد .. رغم كل ما حدث لم تكسره .. ولكنك ستكسره ألف مرة بهروبك أو بإيذائك لنفسك.
ولمحتُ في عينيه طلب المزيد من حديثي، فقلتُ بنبرة حانية:
– يا بني، هذه ليست نهاية الدنيا .. من قال لك أن نتيجة الثانوية العامة هي نهاية الرحلة؟! بالعكس .. إنها بدايتها .. نعم والله إنها بدايتها .. ألا فاعلم يا بني أن الخيرة فيما يختاره الله لك، المهم ألا تيأس، واعلم أنك يوم تتوقف عن السعي والطموح تكون قد قتلت نفسك وكسرت أهلك. وأمامك الأمثلة كثيرة.
فضحكتُ ضحكة خفيفة وقلت:
– مِثلُك أنا، كانت عندي أحلام كبيرة حطمتها نتيجة الثانوية، ولكن بفضل الله وتوفيقه لم أستسلم، دخلت كلية متوسطة واجتهدت حتى كرمني الله بخير مما كنت أتمنى. كنت أتمنى أن أكون طبيباً واختار الله لي أن أكون أستاذاً في الجامعة. يا بني .. أنت تريد وأنا أريد، والله يفعلُ ما يريد. احفظها جيداً.
فقال وقد كف عن البكاء لِما آنس من حديثي:
– وهل أنت سعيد؟
فسألته:
– وما السعادة في نظرك؟
قال:
– أن يكون عندك كل شيء، المال والنجاح والشهرة.
فقلت وأنا أنظر في عينيه الصغيرتين لأثبِّتَ كلماتي:
– ليست السعادة في أن يكون عندك الكثير جداً .. وإنما السعادة في أن تحب الدنيا والناس، وأن تواتيك الفرصة لتأخذ بنصيبٍ معقولٍ من خيراتها، ولن يحدث ذلك إلا عندما ترضى .. ترضى عن نفسك وعن ربك .. فأما رضاك عن نفسك فيكون بتقبلها وإرغامها على تقبل ما قُسِم لها، وأما رضاك عن ربك فبشكرك لعطائه وتقديرك لمنحه ورضاك بقدره.
ولمحت انفراجة وجهه ولمعان السكينة في عينيه فأكملتُ:
– يا بني .. إن القليل الذي تحبه خير مائة مرة من الكثير الذي لا تحبه. حذار أن تتخلى عن دوافعك وآمالك وأخلاقك، فإذا أخفقتَ اليوم فاعلم أنك ناجحٌ غداً، بشرط أن ترضى بما كتب الله لك.
وأدركتُ أنه منتبه لي فتابعت قائلاً:
– حذار أن تُفقدك هذه المِحنة إيمانك بنفسك .. حذار أن تفقد دوافعك .. فالدوافع هي الحياة .. إنها الرصيد الذهبي لكل المكاسب الورق .. إنها الرصيد المتجمد في خزينة كل إنسان نفك منه كل يوم الرغبات التي نعيش بها .. يا بني .. الدوافع في قلوبنا هي حرارة حياتنا الحقيقية .. بدونها تتجمد قلوبنا ونموت .. الدوافع هي الترجمة الحقيقية لكلمة روح .. عندك دوافع معناها عندك روح .. معناها عندك أمل .. طموح .. حب .. شغف .. شهية .. رغبة .. باختصار معناها عندك كل أسباب السعادة.
وأشرق وجهه فحمدتُ الله في سري ثم قلتُ مختتماً كلامي:
– يا بني خذها مني نصيحة أخيرة .. قبل أن تشرع في التخطيط لرحلة حياتك، عليك أولاً أن تدرك أنها رحلة شاقة مليئة بالتحديات التي لا تنفع معها توقعات أو حسابات أو رغبات غير مكدرة. الدنيا بكل ما فيها غير قابلة للتوقع، فما تحسبه ينفعك قد يكون هو الذي يضرك، وما تظن فيه الخير قد لا يأتيك الشر إلا من خلاله. ما عليك سوى التخطيط والسعي والأخذ بالأسباب مع تمام التوكل على الله ثم اترك النتائج على من يقول للشيء كن فيكون ووطن نفسك على الرضا بها كيف تكون.
ونهضتُ فنهضَ ممسكاً بيدي وفي عينيه البريئتين كل معاني الامتنان والشكر. وسرنا معاً على الرصيف باتجاه باب الخروج ولما احتوانا الشارع الواسع وطالعتنا غصون أشجار الحديقة المورقة أوقفتُ سيارة أجرة فركبنا وطلبتُ من السائق أن يأخذنا إلى مستشفى المجمع الطبي. ولما انطلقت بنا السيارة أتانا من الراديو صوت الشيخ المنشاوي الندي يتلو من القرآن الكريم قول الله تعالى: “وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ”.
-تمت-
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" almessa "














0 تعليق