- الخبير الاقتصادي محمد أنيس: غلق باب المندب «سيناريو الخراب المطلق»
- أنيس: الاقتصاد المصري غير قادر على امتصاص صدمة الغلق الكامل لـ«باب المندب»
- أستاذ العلاقات الدولية حامد فارس: المنطقة دخلت مرحلة «كسر قواعد الاشتباك» بالتصعيد الأمريكي الإيراني
- فارس: الدولة المصرية تتعامل مع تطورات الأزمة بقدر كبير من الحكمة
تتزايد المخاوف من اتساع دائرة الحرب الإيرانية الأمريكية بالمنطقة إلى الممرات البحرية الاستراتيجية، عقب إعلان جماعة الحوثي فرض حظر على الملاحة البحرية السعودية في مضيق باب المندب، سبقها بأيام طلب إيراني للحوثيين بالاستعداد لغلق مضيق باب المندب حال تعرض طهران لهجمات.
وتحظى تلك التطورات الخطرة باهتمام مصر، لاسيَّما وأن باب المندب يمثل البوابة الجنوبية لقناة السويس، ما يعني أن أي اضطراب في حركة الملاحة قد ينعكس على إيرادات القناة، أحد أبرز مصادر النقد الأجنبي، إلى جانب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والواردات، بما قد يزيد الضغوط على الاقتصاد المحلي.
ومع استمرار التصعيد، تبرز تساؤلات حول السيناريوهات المحتملة للحرب بالمنطقة؟ وما مدي إمكانية تحول باب المندب إلى ساحة مواجهة مباشرة؟ وانعكاس ذلك على مصر من الناحية الاقتصادية والساسية على حد سواء في حال تطورت الأحداث لتعطيل جزئي أوكامل للملاحة بالمضيق؟
حظر ملاحي
21 يوليو الجاري، أعلنت جماعة الحوثي، فرض حظر على الملاحة السعودية بالمضيق، وجاء في بيانهم: «حظر الملاحة البحرية على العدو السعودي المجرم وفق معادلة الحصار بالحصار، وسيدخل حيز التنفيذ من لحظة إعلان هذا البيان»، ردًا على ما وصفوه بحصار المملكة «الظالم والغاشم على شعبنا العزيز».
وقبل ذلك بأيام، تحديدًا في 16 من يوليو الجاري، طلب طهران من الحوثيين في اليمن الاستعداد لغلق مضيق باب المندب في البحر الأحمر، في حال شنَّت الولايات المتحدة الأمريكية هجومًا على البنية التحتية لشبكة الكهرباء في إيران، وهو ما يشكل تهديدا جديدا خطيرا لإمدادات الطاقة العالمية، حسب مصدران إيرانيان في تصريحات لوكالة «رويترز».
وأفادت «رويترز»، أن الفكرة نوقشت داخل قيادة الجمهورية الإسلامية، وتم إبلاغ الحوثيين المتحالفين مع إيران بها، وفق مصادر إيرانية ومصدر آخر من دول المنطقة.
ولوَّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، برد حاسم على أي تهديد لحركة الملاحة في مضيق باب المندب، مؤكدًا أن الولايات المتحدة سبق أن اتخذت إجراءات قوية ضد جماعة الحوثي لمدة تقارب 45 يومًا ولم تواجه بعدها أي مشكلات، مشددًا على أن واشنطن «ستتعامل مع الأمر» إذا شهد البحر الأحمر أي تصعيد جديد.
أهمية باب المندب
يقع مضيق باب المندب بين اليمن على الجانب العربي من البحر الأحمر وجيبوتي وإريتريا على الجانب الأفريقي. وتمر خلاله السفت القادمة المحيط الهندي وخليج عدن للوصول إلى قناة السويس، ويمر عبر المضيق يوميًا نحو 5 ملايين برميلًا من النفط من دول الشرق الأوسط وآسيا والمتجهة إلى الغرب، وفقًا لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية.
خروج السفن من مضيق هرمز لا يعني أنها وصلت أوروبا، ولكن عليها العبور من مضيق باب المندب، والذي يعبر خلاله 22 ألف سفية سنويًا، ما بين 12% لـ15% من التجارة العالمية، و7% من إمدادات النفط، و8% من الغاز المسال، ما يعني أنه شريانًا حيويًا لإمدادات الطاقة العالمية، عقب غلق مضيق هرمز.

علاقته بقناة السويس
ونظرًا للارتباط الوثيق بين مضيق باب المندب وقناة السويس، فإن أي اضطراب أو غلق للمضيق ينعكس مباشرة على حركة الملاحة بالقناة، والتي تعد من أكثر المتضررين من أي تصعيد بالبحر الأحمر، وسبق وتجسد ذلك بوضوح عقب هجمات جماعة الحوثي على السفن التجارية في أواخر عام 2023 عقب أحداث 7 أكتوبر، واضطرت عددًا من شركات الشحن -آنذاك- إلى تحويل مسار سفنها بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة السويس بسبب المخاطر الأمنية، ما أدى إلى تراجع إيرادات القناة خلال عام 2024 بنحو 61%، بخسائر قدرت بنحو 6 مليارات دولار، كما انخفض عدد السفن العابرة إلى نحو 13 ألف سفينة، مقارنة بأكثر من 26 ألف سفينة في عام 2023.
وفي حال غلق المضيق، ستشهد قناة السويس تأثيرات مماثلة خلال أزمة جنوح سفينة الحاويات «إيفر جيفن» عام 2021، والتي تسببت في توقف الملاحة في القناة لعدة أيام، وحدوث اختناقات حادة بسلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلًا عن تأخر وصول النفط والغاز والعديد من السلع والبضائع إلى الأسواق العالمية.
مساعي للتهدئة
وتسعى مصر إلى التهدئة في البحر الأحمر ومنع التصعيد في باب المندب إقليميًا، في محاولة لعدم تحول المضيق إلى الساحة المقبلة للحرب الأمريكية الإيرانية، باعتباره أحد أكثر الممرات البحرية الأكثر حساسية بجانب البحر الأحمر، خصوصًا وأن هذا الملف يمس الأمن القومي المصري بصورة مباشرة، وفق تقارير إعلامية.
وخلال الأيام الماضية، كشفت مصادر مصرية مطلعة، عن تحركات القاهرة لإحياء قنوات اتصال مع الحوثيين باليمن، لاحتواء أي تصعيد قد يؤدي إلى غلق مضيق باب المندب أو تعطيل حركة التجارة الدولية، حسبما جاء في تقرير أذاعته قناة «العربي».
خراب مُطلق
غلق مضيق باب المندب يعتبر سيناريو «الخراب المطلق»، ورغم صعوبة تحققه إلا أنه يجب وضعه في الاعتبار عند تقييم المخاطر المحتملة، سواء في حال توقف الملاحة بالكامل، أو نتيجة سيطرة الحوثيين عليه أو بسبب تعرض السفن لهجمات شركات الملاحة إلى وقف العبور، حسب وصف الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أنيس في حديثه مع «النبأ الوطني».
ويوضح، أن هذا السيناريو ستكون تداعياته ضخمة لا تقتصر على مصر، وإنما تمتد إلى المنطقة بأكملها، والسعودية ستكون أولى الدول المتضررة، إذ تعتمد على تصدير ما لا يقل عن 7 ملايين برميل من النفط يوميًا عبر خط «شرق- غرب» إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، ثم عبر مضيق باب المندب، بعد تعطل المرور عبر مضيق هرمز.
هذه الكميات تمثل عاملًا رئيسيًا في الحفاظ على استقرار أسعار النفط العالمية، خصوصًا وأن الـ7 ملايين برميل عامل رئيسي في استقرار أسعار النفط رغم ارتفاعها، وبدونهم ستتخطى أسعار النفط الـ120 دولارًا للبرميل: «بالتالي لو مفيش ملاحة خالص في باب المندب يبقى مفيش تصدير لهذه الكميات»، وفقًا للدكتور محمد أنيس.
تحويلات المصريين بالسعودية
ويُشير أن تراجع صادرات النفط السعودية سيؤدي للتأثير سلبًا على مصر، فحدوث انخفاض كبير في إيرادات المملكة، سينعكس على اقتصادها في صورة اضطرابات اقتصادية وانكماش مالي، وتأثيره السلبي على مصر سيمتد إلى الـ7 ملايين مصري الذين يعملون داخل المملكة ويحولون جزءًا كبيرًا من دخولهم إلى مصر، وهو ما قد يؤثر على تحويلات المصريين العاملين بالخارج.
فيما تتمثل ثاني التداعيات، وفقًا لـ«أنيس»، في القفزة الكبيرة المتوقعة في أسعار النفط، في ظل احتمالية تخطي برميل النفط 120 دولارًا للبرميل، وبالتالي استهلاك ضخم للدولار، وعجز أكبر في الموازنة، وزيادة كبيرة في أعباء الدعم، وارتفاع معدلات التضخم، واستمرار أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة زمنية أطول.
ويؤكد الدكتور محمد أنيس، أن التركيز على تأثير إغلاق مضيق باب المندب على إيرادات قناة السويس فقط يعد نظرة قاصرة، لأن التداعيات ستكون أوسع بكثير، موضحًا: «الناس متخيلة إن التأثير هيكون على إيرادات قناة السويس بس، لكن لو وصلنا لسيناريو صفر ملاحة في مضيق باب المندب، فإيرادات قناة السويس هتبقى قريبة من الصفر، وبالتالي مصر هتخسر مليارات الدولارات من الإيرادات».
شد وجذب
ويضيف أن الأزمة لن تتوقف عند خسائر القناة، وإنما ستمتد أيضًا إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة، لاسيَّما المشروعات التي تستهدف المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والمناطق المطلة عليها، مثل السخنة وبورسعيد، موضحًا أن هذه الاستثمارات جاءت في الأساس اعتمادًا على الموقع الجغرافي لمصر ووجودها على أحد أهم الممرات الملاحية العالمية، بما يسهل استيراد مدخلات الإنتاج وتصدير المنتجات.
وحول السيناريو الأقرب للحدوث، يرى أن مجرد محاولة إغلاق مضيق باب المندب ستكون كافية لدفع مصر والسعودية إلى التحرك بكل ثقلهما السياسي والاستراتيجي لمنع الوصول إلى هذه المرحلة، باستخدام كل ثقلهم وقدراتهم وعلاقاتهم الدولية سواء مع إيران أو حلفائها أو مختلف الدول لمنع حدوث ذلك السيناريو.
ويُبيَّن، أن ما تشهده المنطقة لا يزال في إطار «الشد والجذب» بين الولايات المتحدة وإيران، في حين تحاول طهران تحاول التلويح بورقة باب المندب باعتبارها أحد أهم أوراق الضغط التي لم تستخدمها بعد، لكنه يشكك في إمكانية تنفيذ هذا السيناريو، قائلًا: «هل الحوثيين عندهم القدرة فعلًا على إغلاق مضيق باب المندب؟ وهل هينصاعوا لتعليمات إيران إذا صدرت وينفذوا المطلوب ويبيعوا السعودية ومصر ويشتروا إيران التي على شفا الانهيار؟ وجميعها أسئلة إجاباتها غير يقينية».
لن يكون الاقتصاد المصري قادرًا على امتصاص صدمة بهذا الحجم إذا تحقق سيناريو الإغلاق الكامل، ولذلك ستسعى مصر مع السعودية لمنع حدوث ذلك السيناريو، لأنه بالنسبة للدولتين يمثل سلاحًا نوويًا اقتصاديًا، حسب الدكتور محمد أنيس.
ويختتم «أنيس»، حديثه مُشددًا على أن التهديدات الحالية لا تزال «قابلة للاحتواء»، لكن السيناريو غير القابل للاحتواء يتمثل في توقف الملاحة بالكامل عبر مضيق باب المندب، وهو الخطر الذي تتحرك دول المنطقة لتجنبه.
كسر قواعد الاشتباك
«المنطقة دخلت مرحلة جديدة في التصعيد الأمريكي الإيراني، هذه المرحلة أطلق عليها مرحلة كسر قواعد الاشتباك بين الطرفين والوصول إلى حرب ستكون طويلة الأمد في ظل عدم تعاطي كل طرف مع طلبات الطرف الآخر وعدم الانصياع لهذه الطلبات»، حسبما يؤكد المحلل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية الدكتور حامد فارس في حديثه مع «النبأ الوطني».
ويوضح، أن إيران الآن ليس لديها إلا خيارًا واحدًا وهو «الانتحار العسكري»، بمعنى أنه لا يوجد أي احتمالية للوصول إلى تفاهمات فيما يخص مضيق هرمز؛ لأن مضيق هرمز أصبح مرحلة مفصلية في الصراع الأمريكي الإيراني. كل طرف يرغب في تحقيق سيطرته الفعالية عليه؛ فالجانب الأمريكي -بعد تصريحات الرئيس ترامب- يتحدث فيها عن رغبته في فرض تعريفات على ناقلات النفط تمثل حوالي 20% مقابل الحماية والحراسة، بينما تعمل إيران على الحفاظ على نفوذها وتحقيق مكاسب جيوسياسية واقتصادية، وهو ما يجعل فرص التوصل إلى تفاهمات بين الجانبين محدودة.
بدأت تتسع رقعة التصعيد ليمتد إلى مضيق باب المندب، باعتباره «الورقة الأخيرة»، التي كانت تراهن عليها إيران لاستخدامها بالوقت المناسب، في ظل التطورات الأخيرة باستئناف التواصل بين إيران والحوثيين، عقب وصول طائرتين من إيران وكسر الحظر أو الحصار الجوي المفروض على الحوثيين، ما أدى لعودة علاقات الحوثي والمملكة العربية السعودية إلى النقطة صفر، ودفعت الجماعة لاتخاذ خطوات تصعيدية، من بينها إعلان فرض حظر بحري على السفن المرتبطة بالسعودية، ما يعني أن هذا المسار سيؤدي بالمنطقة إلى نقطة اللاعودة، وفقًا لـ«فارس».
تأثيرًا محدودة
ويُشير، أستاذ العلاقات الدولية، إلى أن باب المندب لا يمثل جبهة منفصلة عن مضيق هرمز، وإنما يرتبط به ارتباطًا وثيقًا، باعتبار أن جماعة الحوثي تمثل أحد أهم أذرع الردع الإيرانية في المنطقة، متوقعًا أن تتحرك الولايات المتحدة بصورة مباشرة ضد الحوثيين إذا أقدموا على إغلاق المضيق، نظرًا للأهمية الاستراتيجية التي يتمتع بها بالنسبة لحركة التجارة وإمدادات الطاقة العالمية.
وبشأن السيناريوهات المحتملة للتصعيد، يعتقد أن إقدام الحوثيين على إغلاق مضيق باب المندب، ورد الولايات المتحدة على هذه الخطوة، قد يدفع المنطقة إلى مرحلة شديدة الخطورة، مشيرًا إلى أن الحوثيين سبق أن لوحوا باستهداف البنية التحتية داخل المملكة العربية السعودية، وهو ما قد يفتح الباب أمام اتساع رقعة المواجهة، بالتزامن مع تصاعد التوتر بين إيران وبعض دول الخليج.
تداعيات تلك السيناريوهات على مصر، ستكون محدودة من الناحية السياسية في ظل تماسك الجبهة الداخلية، بينما ستكون التداعيات الاقتصادية الأكثر تأثيرًا؛ في حال تعطل الملاحة في باب المندب، نظرًا للارتباط المباشر بين المضيق وقناة السويس، وما قد يترتب على ذلك من تراجع في إيرادات القناة وانعكاسات على موارد النقد الأجنبي، حسبما يؤكد الدكتور حامد فارس.
ويؤكد، أن الدولة المصرية تتعامل مع تطورات الأزمة بـ«قدر كبير من الحكمة»، مشيرًا إلى أن القاهرة تنظر إلى أمن واستقرار منطقة الخليج باعتباره جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، وهو ما تؤكده مواقفها الرسمية وتحركاتها الدبلوماسية.
قصف الخليج
ويُشير إلى، أن مصر تواصل في الوقت نفسه الحفاظ على قنوات تواصل مع مختلف الأطراف، ومن بينها إيران، في إطار جهودها الرامية إلى احتواء التصعيد، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الحلول الدبلوماسية والسياسية تظل السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة، وأن جميع الأطراف ستجد نفسها في نهاية المطاف مضطرة إلى الجلوس على طاولة المفاوضات.
ويرجح أستاذ العلاقات الدولية، أن يظل سيناريو إغلاق مضيق باب المندب مطروحًا بقوة إذا اتسعت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، معتبرًا أن هذه الورقة تمثل أحد أبرز أدوات الضغط التي قد تلجأ إليها طهران في المرحلة المقبلة، إذا تصاعدت العمليات العسكرية ضدها.
واختتم «فارس»، حديثه في هذا الشأن محذرًا من أن أي تصعيد من هذا النوع لن يقتصر تأثيره على الملاحة الدولية، وإنما قد يمتد إلى استهداف منشآت حيوية والبنية التحتية لبعض دول الخليج، لاسيَّما وأنها تسعى إلى إسقاط الأنظمة الحاكمة في البحرين والكويت، بما يزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "


















0 تعليق