في خضم الجدل الدائر حول ما يسمى «الفتوحات الإسلامية»، برزت مفارقة لافتة تمثلت في دفاع الباحث المسيحي المصري الدكتور نبيل لوقا بباوي عن الإسلام، ورفضه مقولة انتشاره «بحد السيف»، في مقابل مواقف لعدد من المفكرين والإعلاميين المسلمين الذين يرون أن ما يُسمى بالفتوحات كان، في جوهره، توسعًا عسكريًا وغزوًا واستعمارًا.
أحمد عبده ماهر: ليست جهادًا ولا نشرًا للإسلام
يتبنى المستشار أحمد عبده ماهر، الباحث في الشأن الإسلامي، موقفًا نقديًا حادًا من الفتوحات الإسلامية، معتبرًا أن الحملات العسكرية التي شهدتها مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي لم تكن جهادًا في سبيل الله أو وسيلة لنشر الإسلام، وإنما حروبًا للتوسع والسيطرة.
ويستند ماهر في رؤيته إلى آيات قرآنية، من بينها «لا إكراه في الدين»، و«ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة»، معتبرًا أن استخدام القوة لإخضاع الشعوب لا ينسجم مع مبدأ حرية الاعتقاد.
كما ينتقد الاستناد إلى بعض الروايات الحديثية لتبرير تلك الحملات، ويرى ضرورة إخضاع الرواية التاريخية التقليدية للنقد والمراجعة، بعيدًا عن تقديس الشخصيات والأحداث.
ويمتد موقفه إلى انتقاد بعض الشخصيات التاريخية المرتبطة بالفتوحات، كما يوجه، وفق رؤيته، انتقادات حادة إلى مواقف عدد من كبار الصحابة، معتبرًا أن تقييم الشخصيات التاريخية يجب أن يكون بالاحتكام إلى القرآن، لا إلى المكانة التاريخية أو الدينية وحدها.
إبراهيم عيسى: حروب لبناء الإمبراطورية
من جانبه، يرى الإعلامي إبراهيم عيسى أن ما جرى من حروب وغزوات في بدايات الدولة الإسلامية كان مرتبطًا بتوسيع رقعة الدولة وبناء الإمبراطورية، وليس بالضرورة بهدف ديني.
وقال عيسى إن الغزوات الإسلامية، من وجهة نظره، لم تكن «لخدمة الدين أو باسمه»، وإنما كانت حروبًا لبناء إمبراطورية، على غرار الإمبراطوريات التي ظهرت في تلك الحقبة التاريخية.
وانتقد ما وصفه بتعظيم بعض الشخصيات المرتبطة بالفتوحات في المناهج الدينية، مشيرًا إلى أن غير المسلمين كانوا، بعد الانتصار العسكري، أمام خيارات تتعلق بالدخول في الإسلام أو دفع الجزية أو مواجهة القتل، حسب ما أورده في طرحه.
يوسف زيدان: التوسع العسكري لا يعني نشر العقيدة
أما المفكر والروائي يوسف زيدان، فيدعو إلى إعادة قراءة ما يسمى بـ«الفتوحات الإسلامية» بعيدًا عن التقديس، ويرى أن استخدام مصطلح «الفتح» يحمل دلالة دينية وإيجابية مسبقة، بينما ينبغي دراسة تلك الأحداث باعتبارها وقائع تاريخية ارتبطت بالتوسع العسكري والسياسي للدولة الإسلامية.
ويؤكد زيدان ضرورة التمييز بين الفتح العسكري وانتشار الإسلام، مشيرًا إلى أن دخول الجيوش الإسلامية إلى مناطق واسعة لا يعني بالضرورة إجبار سكانها على اعتناق الإسلام، إذ استمرت أعداد كبيرة من المسيحيين واليهود وغيرهم في العيش تحت الحكم الإسلامي.
ويرى أن أفعال الحكام والقادة والجيوش لا ينبغي بالضرورة أن تُنسب إلى الدين نفسه، كما لا يصح إضفاء طابع ديني مقدس على كل الحروب التي خاضتها دول حكمت باسم الإسلام.
خالد منتصر: غزو واستعمار لا فتوحات
ويتبنى الكاتب والمفكر خالد منتصر موقفًا أكثر حدة، إذ يرفض مصطلح «الفتوحات الإسلامية»، معتبرًا أنه يمنح الحملات العسكرية طابعًا دينيًا وإيجابيًا، بينما يرى أنها كانت عمليات توسع عسكري وغزو واستعمار.
وينتقد منتصر استخدام كلمة «الفتح» لوصف تلك الأحداث، معتبرًا أنها تخفف من طبيعة ما جرى، مشيرًا إلى وقائع القتل والأسر والسبي التي رافقت بعض الحملات العسكرية.
وبحسب رؤيته، فإن تلك الأحداث يجب أن تخضع للمراجعة التاريخية والأخلاقية، مع الفصل بين الإسلام باعتباره دينًا، وبين الممارسات العسكرية والسياسية للدول التي حكمت باسمه.
باحث مسيحي: الإسلام لم ينتشر بحد السيف
وفي الاتجاه المقابل، يرفض الباحث المسيحي المصري الدكتور نبيل لوقا بباوي مقولة إن الإسلام انتشر بالقوة، وذلك في دراسة حملت عنوان «انتشار الإسلام بحد السيف بين الحقيقة والافتراء».
ويؤكد بباوي أن الإسلام لم يفرض اعتناقه على الشعوب بالقوة، مستندًا إلى مبدأ «لا إكراه في الدين»، ومشددًا على ضرورة التمييز بين تعاليم الأديان وممارسات بعض أتباعها أو الحكام الذين قد يخالفون مبادئها.
وتقارن الدراسة بين ما شهدته بعض مراحل التاريخ المسيحي من صراعات واضطهادات وبين أوضاع غير المسلمين في ظل الدولة الإسلامية، مؤكدة أن الإسلام أقر، وفق رؤية الباحث، حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، مع احتفاظ غير المسلمين بحقوق دينية واجتماعية مختلفة.
كما يدافع بباوي عن نظام الجزية، معتبرًا إياها التزامًا ماليًا مقابل الحماية والإعفاء من الخدمة العسكرية، مشيرًا إلى وجود فئات كانت معفاة منها، حسب ما يورده في دراسته.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "














0 تعليق