لو كانت القرارات تبنى على رؤية واحدة، لما احتجنا إلى كتابة هذا المقال، لكن المعطيات الراهنة تفرض علينا كسر الصمت، والضغط على موضع الألم المعرفة حجمه ومدى تأثيره
قبل إعلان نتيجة الثانوية العامة من كل عام، ومع اقتراب تنسيق الجامعات، يهل علينا سيل من التصريحات والتأويلات والمطالبات، وتطرح عشرات الحلول المشكلات أصبحت جزءا من حياتنا اليومية، دون أن يقترب أحد من جذورها الحقيقية، ولو كانت التصريحات والمطالبات وحدها كافية، لما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن.
ولعل ما سبق يمثل مدخلا للحديث عن المطالبات المتكررة من بعض النقابات المهنية بخفض أعداد المقبولين في عدد من الكليات، وهو ما استجابت له لجان القطاع الطبي
بالمجلس الأعلى للجامعات، عندما أوصت بتخفيض أعداد الطلاب الجدد بكليات الطب البشرى بنسبة 10%، وبطب الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي بنسبة 20 %، بدعوى الحفاظ على جودة التعليم والتدريب الإكلينيكي قد يبدو هذا الطلب مشروعا، لكن هل فكرنا فيما سيحدث بعد خمس أو سبع سنوات؟، والسؤال للنقابات والمجلس الأعلى للجامعات، لماذا لم يطرح هذا الملف منذ سنوات، مع التوسع في إنشاء الكليات نفسها.
النقابات المهنية تطالب بتقليل أعداد المقبولين
أعجب ما في المشهد أن بعض النقابات المهنية تطالب اليوم بتقليل أعداد المقبولين، ثم تعود بعد سنوات وتطالب الحكومة بتعيين جميع الخريجين، أو على الأقل بزيادة أعداد المكلفين، وهنا تبدو المفارقة واضحة، وكأننا أمام قرارات لا يحكمها تخطيط طويل المدي، وإنما ردود أفعال تتغير بتغير الظروف.
قد يرى البعض إن المشكلة ليست في الأعداد، وإنما في جودة التعليم، وأنا أتفق معه، لكن هل يكون علاج ضعف التدريب بحرمان آلاف الطلاب من فرصة الدراسة داخل مصر والتوجه للخارج، أم يكون بوجود المستشفيات الجامعية، ورفع كفاءة التدريب، وربط الطاقة الاستيعابية بالإمكانات الحقيقية لكل كلية؟
وهنا تكمن القضية الحقيقية، الدولة أنفقت خلال السنوات الماضية مليارات الجنيهات لإنشاء جامعات جديدة، وكليات طبية، ومستشفيات جامعية، في إطار خطة للتوسع فى التعليم العالي بما يتواكب مع الجمهورية الجديدة وطموحاتها.
وفى الوقت نفسه، ما تزال وزارة الصحة تعلن عن حاجتها إلى الأطباء في عدد من المحافظات، وتقدم حوافز للعمل في المناطق الأكثر احتياجًا، بينما تستمر هجرة أعداد كبيرة من الكفاءات الطبية إلى الخارج، إذن هل الأزمة في كثرة الخريجين؟ أم في كيفية إدارة منظومتي التعليم العالي والرعاية الصحية؟
القرار قد يكون صحيحا اليوم، لكنه يتحول إلى عبء غدا إذا لم يبن على دراسة مستقبلية واضحة ودقيقة، والطالب الذي لن يجد مكانا في كلية الطب هذا العام، ربما يكون بعد سبع سنوات الطبيب الذى تحتاج إليه مستشفى جديدة، أو وحدة صحية في قرية، أو أحد مشروعات التأمين الصحى الشامل التي تتوسع فيها الدولة.
أنا لست ضد خفض الأعداد إذا أثبتت الدراسات العلمية أنه الخيار الصحيح، ولست مع زيادتها إذا كانت الجامعات عاجزة عن تدريب الطلاب، لكنني ضد أن يصبح القرار استجابة لضغط هذا الطرف أو ذاك، دون أن يسبقه إعلان واضح لاحتياجات الدولة من كل تخصص خلال السنوات
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" السبورة "












0 تعليق