تحويلات المصريين بالخارج.. من رسالة دعم للأسر إلى قوة استثمارية تبحث عن دور أكبر في الاقتصاد

جريدة الزمان 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

في صباح كل شهر، تترقب ملايين الأسر المصرية رسالة قصيرة على الهاتف تحمل خبر وصول تحويل مالي من أحد أفراد العائلة العاملين خارج البلاد.

بالنسبة لأسرة قد تعني هذه الرسالة مصروفات مدرسة أو شراء علاجا أو سداد التزامات شهرية، وبالنسبة لأخرى قد تكون فرصة لتحسين مستوى المعيشة أو بناء مستقبل أكثر استقرارا.

لكن خلف هذه الرسائل اليومية قصة اقتصادية أكبر؛ فالأموال التي يرسلها المصريون بالخارج لم تعد مجرد دعم عائلي يصل إلى ملايين البيوت، بل أصبحت أحد أهم شرايين النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، وموردًا رئيسيًا يعزز الاحتياطي النقدي ويدعم استقرار سوق الصرف.

ومع القفزات القياسية التي سجلتها التحويلات خلال الفترة الأخيرة، يبرز سؤال يتجاوز حجم الأموال المتدفقة: هل تظل تحويلات المصريين بالخارج مجرد «شبكة أمان» للأسر المصرية، أم أنها تتحول تدريجيًا إلى قوة استثمارية يمكن أن تصبح شريكًا في تمويل التنمية والنمو الاقتصادي؟

أظهرت المؤشرات الحالية أن التحويلات أصبحت تمتلك مقومات هذا التحول، خاصة مع تحسن الثقة في الجهاز المصرفي، وتوافر أدوات ادخارية جديدة، وارتفاع اهتمام الدولة بجذب مدخرات المصريين بالخارج، لكن التحدي الأكبر يبقى في كيفية تحويل هذه التدفقات من أموال موجهة للاستهلاك إلى رأس مال استثماري.

- 43.1 مليار دولار.. قفزة تاريخية في تدفقات المصريين بالخارج

وبحسب إفادة لـ«البنك المركزي»، فإن تحويلات المصريين العاملين بالخارج واصلت وتيرتها المتصاعدة حيث «ارتفعت خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مايو 2026 بمعدل 31.2 في المائة لتصل إلى نحو 43.1 مليار دولار، مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام السابق».

وذكر «المركزي»، أن «التحويلات على المستوى الشهري ارتفعت خلال مايو الماضي بمعدل 13.5 في المائة لتصل إلى نحو 3.9 مليار دولار، مقابل نحو 3.4 مليار دولار خلال مايو 2025».

ومن ناحيته، علق الدكتور مصطفى بدرة أستاذ التمويل والاستثمار، على ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج إلى نحو 43.1 مليار دولار خلال الفترة من يوليو 2025 حتى مايو 2026، بزيادة سنوية بلغت 31.2%، متوقعًا أن تتجاوز حاجز 47 مليار دولار بنهاية العام المالي.

وأوضح "بدرة"، خلال مداخلة مع قناة «إكسترا نيوز»، أن هذا النمو يعكس تنامي الثقة في الاقتصاد المصري واستقرار سوق الصرف.

وأشار إلى أن القضاء على السوق الموازية وتوحيد التعاملات داخل الجهاز المصرفي دفعا المصريين بالخارج إلى زيادة تحويلاتهم عبر القنوات الرسمية.

وأضاف أن التحويلات أصبحت أحد أهم مصادر النقد الأجنبي إلى جانب السياحة والصادرات والاستثمار الأجنبي، خاصة في ظل استمرار تأثر بعض الموارد الأخرى، وعلى رأسها إيرادات قناة السويس، بالتوترات الجيوسياسية في المنطقة.

وبين "بدرة" أن ارتفاع التحويلات ساهم في دعم الاحتياطي النقدي الأجنبي، وتعزيز قدرة الدولة على تمويل الواردات وتحسين ميزان المدفوعات ودعم استقرار سوق الصرف.

- تحرير سعر الصرف يعيد الثقة إلى القنوات الرسمية

وبدوره، يرى الخبير المصرفي الدكتور محمد عبدالعال، أن الطفرة التي شهدتها تحويلات المصريين بالخارج جاءت نتيجة مجموعة من العوامل، في مقدمتها قرارات الإصلاح الاقتصادي الصادرة في مارس 2024، وعلى رأسها تحرير سعر الصرف وتركه لآليات العرض والطلب.

وأوضح عبدالعال، في تصريحات لـ«إكسترا نيوز»، أن مرونة سعر الصرف ساهمت في القضاء على السوق السوداء وتحجيم المضاربة على الدولار، وهو ما أعاد الثقة لدى المصريين بالخارج في الجهاز المصرفي، ودفعهم إلى تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية.

وأشار إلى أن رفع أسعار الفائدة وطرح شهادات وأوعية ادخارية جاذبة بالعملة المحلية والأجنبية ساعدا في جذب مدخرات المصريين بالخارج، إلى جانب المبادرات التي استهدفت هذه الفئة، مثل برامج استيراد السيارات وشراء الأراضي والعقارات بالتقسيط بالنقد الأجنبي.

- التحويلات.. العمود الفقري لموارد النقد الأجنبي

أصبحت تحويلات المصريين بالخارج أحد أهم مصادر العملة الصعبة في الاقتصاد المصري، إذ وصفها محمد عبدالعال بأنها «العمود الفقري» لموارد النقد الأجنبي، مؤكدًا أنها تتميز بأنها تدفقات ذاتية لا ترتبط بأعباء ديون أو فوائد.

وأشار إلى أن هذه التدفقات انعكست على دعم الاحتياطي النقدي وتحسين مؤشرات القطاع الخارجي، وساعدت البنوك على توفير الدولار للمستوردين وتمويل شراء السلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج.

- تحويلات المصريين.. صمام أمان وقت الأزمات

ومن جانبه، يرى الدكتور كريم العمدة أستاذ الاقتصاد الدولي، أن تحويلات المصريين بالخارج أصبحت موردًا استراتيجيًا للنقد الأجنبي، وقد تتفوق من حيث القيمة على بعض المصادر الأخرى مثل إيرادات السياحة وقناة السويس خلال بعض الفترات.

وأوضح "العمدة"، خلال مداخلة ببرنامج «صباح الخير يا مصر» على الفضائية المصرية، أن التحويلات لعبت دورًا حاسمًا خلال فترات الأزمات الاقتصادية، وأنها أصبحت تحقق أرقامًا قياسية متتالية عامًا بعد آخر.

وأشار إلى أن مصر واجهت ضغوطًا اقتصادية خلال عامي 2022 و2023، لكن مع توحيد سعر الصرف والقضاء على السوق الموازية في مارس 2024، شهدت التحويلات تحسنًا كبيرًا نتيجة توجه المصريين بالخارج إلى استخدام البنوك والقنوات الرسمية.

ولفت إلى أن استخدامات التحويلات لا تقتصر على إرسال الأموال إلى الأسر فقط، إذ يوجه جزء منها إلى شراء العقارات داخل مصر أو تكوين ودائع دولارية، وهو ما يعكس وجود جانب ادخاري واستثماري لهذه التدفقات.

- الخليج.. المحرك الرئيسي للتحويلات

تظل دول الخليج مركز الثقل في خريطة تحويلات المصريين بالخارج، في ظل وجود أعداد كبيرة من العمالة المصرية في هذه الأسواق، خاصة السعودية.

وأشار تقرير لـ«شرق بلومبرج» حول مصادر تحويلات المصريين من الدول العربية إلى تصدر السعودية قائمة الدول العربية المساهمة في هذه التدفقات، نظرًا إلى حجم الجالية المصرية وتنوع قطاعات عملها.

وأوضح كريم العمدة أن نحو 50% من المصريين العاملين بالخارج يقيمون في دول الخليج، مشيرًا إلى أن حالة القلق الناتجة عن التوترات الإقليمية ربما دفعت بعض العاملين بالخارج إلى تحويل جزء من مدخراتهم إلى مصر خلال الفترة الأخيرة.

- من دعم الأسر إلى الاستثمار.. التحدي الأكبر

رغم أهمية الدور الاجتماعي للتحويلات، فإن التحدي الاقتصادي المقبل يتمثل في زيادة الاستفادة منها كأداة للاستثمار وليس فقط كمصدر للإنفاق.

ويرى خبراء الاقتصاد أن مدخرات المصريين بالخارج يمكن أن تتحول إلى مصدر مهم لتمويل التنمية إذا تم توفير أدوات استثمارية أكثر جذبًا، مثل الصناديق الاستثمارية المخصصة للمغتربين، والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والأوعية الادخارية طويلة الأجل.

ودعا الدكتور مصطفى بدرة إلى التوسع في طرح الفرص الاستثمارية الموجهة للمصريين بالخارج، مؤكدًا أن جذب جزء أكبر من هذه المدخرات إلى مشروعات إنتاجية يمكن أن يضاعف أثرها على الاقتصاد.

وشدد محمد عبدالعال على أهمية الحفاظ على هذا المورد وتنميته من خلال تسهيل إجراءات التحويل، وتوفير منتجات ادخارية واستثمارية مناسبة، والاستفادة من التكنولوجيا المالية والخدمات المصرفية الرقمية لتسهيل عمليات التحويل.

- المصريون بالخارج.. قوة اقتصادية تتجاوز تحويل الأموال

نجحت مصر خلال الفترة الأخيرة في إعادة جزء كبير من تحويلات المصريين بالخارج إلى المسار الرسمي، لكن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بزيادة حجم التدفقات، وإنما بتغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية مع المصريين بالخارج.

فالمصري العامل بالخارج لم يعد فقط مصدرًا للعملة الصعبة، بل يمكن أن يكون مستثمرًا وشريكًا في التنمية إذا توفرت له أدوات واضحة وآمنة للاستثمار داخل بلاده.

وبينما ظلت التحويلات لعقود تمثل شبكة أمان للأسر المصرية، فإن تحويلها إلى رأس مال استثماري قد يجعل ملايين المصريين بالخارج قوة اقتصادية ممتدة، تسهم في دعم الإنتاج وخلق فرص العمل وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على النمو.
 

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" جريدة الزمان "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??