قبل عشر سنوات، طرحت لجنة الإسكان بمجلس النواب فكرة إعداد عقد موحد، ينظم العلاقة بين المواطنين وشركات التطوير العقاري بشكل عادل، يحدد حقوق والتزامات كل طرف منهما، لكن المشروع لم يرَ النور منذ ذلك التاريخ.
كانت تلك الخطوة بمثابة حصن للعملاء من عقود الإذعان، التي تفرضها غالبية شركات التطوير العقاري على المشترين، والتي تضمن حقوق الشركات بشكل كامل، ولا تلزمها بالتزامات واضحة، خاصة فيما يتعلق بمواعيد تسليم الوحدات، أو الالتزام بخدمات الأمن والصيانة.
غرفة التطوير العقاري كانت من المعارضين لفكرة العقد العقاري الموحد، مؤكدة عدم القدرة على تطبيق نموذج ثابت لجميع المشروعات عملياً أو تشريعياً، نظراً لاختلاف طبيعة المشروعات العقارية ومواقعها وإمكانيات المطورين من حالة إلى أخرى.
اقترحت الغرفة إنشاء اتحاد المطورين العقاريين، يضع نظامًا صارمًا لتصنيف الشركات العقارية، بناءً على ملاءتها المالية، وقدراتها الفنية، وسِجل سابقة أعمالها، بحيث يتم حرمان المطورين، الذين يثبت تعثرهم أو عدم التزامهم مع العملاء من ترقية تصنيفهم مع عقوبات، تتضمن سحب رخصة مزاولة المهنة نهائيًا، لكن ذلك المقترح لم يرَ النور أيضًا.
عقود مجحفة لا تضمن حقوقًا
على أرض الواقع، يعاني المواطنون مع عقود مجُحفة، تضمن حقوق المطور العقاري، ولا تفرض عليه أية عقوبات جراء عدم الالتزام بالتسليم أو المساحات والتصاميم التي بناء عليها اشترى العميل الوحدة، حتى أن بعض الشقق تبلغ فيها نسبة التحميل أكثر من 30% من الوحدة.
تضع بعض الشركات بنودًا، تمنحها “الشرط الفاسخ الصريح”، فمجرد عدم التزام العميل بدفع قسط واحد، يمكنها فسخ العقد وإرجاع المبلغ للعميل بنفس آلية دفعه، وهو شرط يخدم الشركات في حالة الأقساط الطولية، لأن قيمة الوحدات تزيد، وحال فسخ العقد ستحاسب العميل بالسعر القديم.
فاطمة محمود، نموذج لتلك الحالة، فالشركة التي اشترت منها، تلككت من أجل فسخ العقد بعد سنوات من تحريره، بعدما تأخرت شهر واحد فقط؛ لظروف وفاة زوجها، طمعا في سعر الشقة التي ارتفعت من 400 ألف جنيه وقت تحرير العقد إلى 800 ألف جنيه حاليًا.
الشركة أصدرت تعليمات لأمن العقار بمنع دخول صاحبة الشقة لمنعها من تشطيبها، وأدخلت السيدة في دوامة من أجل استرداد الوحدة بنفس طريق الدفع، أي أنها ستتلقى أموالها على نفس سنوات الدفع، التي دفعتها بصرف النظر عن التضخم أو تراجع قيمة العملة.
سنوات من حبس الأموال
الكثير من الشركات العقارية تتبع ذلك النهج منذ سنوات طويلة فآخر ما تلتفت إليه هو التسليم، إذ يحصلون على أرض بالتقسيط، ثم يبيعون الوحدات كمخطط على الخريطة “OffPlan”، ويجمعون الأقساط التي يشترون بها أرض جديدة، على أن يتم تنفيذ التعاقدات القديمة بأموال المتعاقدين الجدد.
إحدى الشركات الكبيرة في السوق المصرية، لم يتسلم عملاؤها وحداتهم منذ 6 سنوات، فما زال المشروع قيد الإنشاء، بدون مرافق أو خدمات، والأغرب أن إعلانات المشروع، التي يتم بثها طوال العام، خاصة في شهر رمضان، تم تصويرها في قرية سياحية بالخارج.
الحال أسوأ مع مشروع لشركة تطوير عقاري، تم منع رئيستها من السفر أخيًرا، فبعد 14 عامًا من جمعها أموال من المواطنين للمرحلة الرابعة بمشروع في أكتوبر، لم يتم تسليمه حتى الآن، وكذلك بالنسبة لشركة أخرى صاحبها رجل أعمال شهير من عائلة مصنفة ضمن أصحاب الثروة بمصر، لديه مشروعات متوقفة منذ 12 عامًا ولم يسملها للعملاء.
في مشروع شهير بالقطامية، ظل القاطنون يعانون لمدة 12 عامًا مع الشركة، التي رفضت إدخال الكهرباء بشكل رسمي للمشروع، وخالفت قرارات تخصيص الارض الصادرة من محافظة القاهرة منذ 1994 والتي اشترطت تنفيذ الشركة جميع أعمال المرافق، طبقاً لمواصفات محافظة القاهرة.
طلبت شركة شهيرة في الإسكان الفاخر، تقدم نفسها كرائدة في نشر “السعادة” بين عملائها، أخيرًا، الشرطة للعملاء الذين تجمعوا قبل أيام، للمطالبة بحقوقهم في تسليم الوحدات السكنية، واستطاعت أن تحذف كل مقاطع الفيديو، بخصوص الواقعة من مواقع التواصل الاجتماعي.
لجأت شركة أخرى، كان يفترض أن تسلم مشروعها في 2025 إلى إرسال إنذار على يد محضر للعملاء بأن موعد التسليم سيكون 2030 بدلاً من 2025 في ظل حجم إنشاءات حاليًا لا يزيد على 10% فقط، بينما قامت شركة أخرى بتعديل الشركة المخطط العام بشكل منفرد ودون إخطار أو أخذ موافقة الحاجزين، وهو ما ترتب عليه تقليص حاد في مساحات الوحدات السكنية المتعاقد عليها.
التلاعب في المخطط تلجأ إليه بعض الشركات أيضًا، فبعضها تخفض الشقق بنسبة تصل لـ 40% بدعوى التحميل أي حصة كل شركة من المنافع والمناور والمدخل، والبعض يعيد بناء عمارات جديدة في مناطق، كان يفترض توفيرها للخدمات أو كمناطق خضراء.
شركات تجيد النصب على العملاء
تلجأ العديد من الشركات العقارية إلى تغيير أسمائها وعلاماتها التجارية باستمرار، بجانب تغيير فروعها للبيع، للحيلولة دون التقاء العملاء القدامى، الذين يعانون من مشكلات مع العملاء الجدد، ما يؤثر على قرارهم الشرائي وللهروب من المحضرين والدعاوى القضائية، التي يرفعها العملاء، ومنهم شركة بمصر القديمة، مرفوع عليها ما يزيد عن 100 دعوى قضائية.
في ودائع الصيانة وعقود المرافق، تتضمن العقود بنودا مُبهمة، فيما يتعلق بالتزامات الشركة، وبعد تسليم المشروع يُفاجأ السكان بكوارث، فالكهرباء قد تكون غير رسمية، والغرف بدون تجهيزات، بل والأنكت أن بعض الشركات تعيد جمع أموال من السكان من أجل تسليمهم غرف الكهرباء بكل عقار.
يقول هاني إبراهيم، إن شركة عقارية شهيرة تعاقد معها، استولت على أموال ودائع الصيانة، التي تبلغ 10% من قيمة الوحدة، ولم تنفق جنيها واحدا على المشروع، مضيفًا: “كل شقة دفعت 150 ألف جنيه على الأقل، والسكان يضطرون حاليًا لجمع أموال من بعضهم البعض لإصلاح أي أعطال بالمصاعد أو مواتير المياه”.
مطالب بجهة رقابية تحمي العملاء
يطالب خبراء بجهة رقابية متخصصة في متابعة الشركات العقارية، وسجل أسود يُدرج فيه المتلاعبون، وتفعيل سريع للقوانين التي تجرم التلاعب بأموال المواطنين، ومحاسبة كل من تسول له نفسه التربح على حساب أحلام المصريين، لكن تلك الشركات تعتبر دائمًا أي انتقادات موجهة لها بمثابة تهديد للقطاع العقاري، الذي بات يمثل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي.
في ظل تعالي الشركات العقارية عن حل مشكلاتها مع العملاء، طالب النائب محمد عبد الله، عضو مجلس النواب، بتشديد الرقابة على شركات التسويق العقاري لحماية أموال المواطنين، مضيفًا أن بعض الشركات تُحصّل مقدمات تعاقد وأقساطا بالمليارات من المواطنين، ما يثير التساؤلات حول حجم الضمانات المقررة لحماية حقوق المتعاملين معها.
تساءل النائب عن حجم الرقابة الحكومية المفروضة على الأموال، التي تجمعها شركات التطوير العقاري من المواطنين، وأوجه استخدامها الفعلية، وهل توجد ضمانات قانونية ومالية كافية لحماية حقوق المشترين في حال تعثر أي مشروع، أو تأخر تسليمه عن المواعيد المعلنة، ومدى الحاجة إلى إنشاء حسابات مصرفية مستقلة تودع بها أموال العملاء، بحيث لا يتم استخدامها إلا في تنفيذ المشروع محل التعاقد.
النائب أحمد علاء فايد، عضو مجلس النواب، يقول إن السنوات الأخيرة شهدت تزايد حالات تأخر التسليم وتعثر بعض الشركات واختلاف المواصفات، مما دفع آلاف المواطنين إلى نزاعات قضائية طويلة دون وجود جهة ضامنة لحقوقهم.
وطالب بالتطبيق الكامل لحسابات الضمان لحماية أموال المواطنين، ورفع الانضباط داخل السوق، والحد من المشروعات الوهمية، ومنع استخدام أقساط العملاء في تمويل مشروعات أخرى، وربط صرف الأموال بمعدلات التنفيذ الفعلية على الأرض، بما يعزز الشفافية والثقة في الاستثمار العقاري. كما طالب أيضا بإقرار منظومة قانونية، لكي يصبح البنك المشرف على حساب الضمان ضامناً لأموال المشترين حال تعثر المشروع، ودعا النائب أيضًا لإنشاء قاعدة بيانات إلكترونية موحدة بين وزارة الإسكان والبنك المركزي وهيئة المجتمعات العمرانية، تتضمن كافة المشروعات الخاضعة للنظام لتحقيق أعلى درجات الشفافية والرقابة.
هل يحمي القانون المواطنين؟
محمد منير، المستشار القانوني، يقول إن محكمة النقض أنصفت المشترين وتوقف “الشرط الفاسخ الصريح”، مضيفًا أن كثيرا من شركات التطوير العقاري كانت تستغل ذلك الشرط لفسخ العقد، ومصادرة الأموال بمجرد تأخر العميل عن قسط واحد، حتى لو كانت الشركة نفسها متأخرة في البناء.
أضاف أن حكم النقض أرسى قاعد ة قانونية، مفادها بأنه لا فسخ للعقد، إذا كان المشتري لديه “خشية جدية” من عدم تنفيذ الشركة لالتزاماتها (التسليم والتشطيب والمرافق) في الموعد المحدد، بناءً على معدلات التنفيذ على الأرض، ومن حق المشتري قانوناً التوقف عن سداد باقي الأقساط، إذا تبين له أن الشركة غير جادة في التنفيذ، وهذا يعتبر “امتناعاً مشروعاً” لا يُفعل معه الشرط الفاسخ.
أضاف أنه إذا نص العقد على موعد محدد للتسليم، ثم تأخر المطور دون مبرر قانوني، فإن هذا التأخير قد يرتب مسؤوليته القانونية، ويمنح العميل الحق في المطالبة، بما يحفظ حقوقه، سواء بإلزامه بالتسليم، أو التعويض عن الأضرار، أو حتى فسخ العقد واسترداد ما دفعه في الحالات، التي يجيزها القانون.
أوضح أن وجود بند في العقد يمنح المطور مهلة إضافية، أو يعفيه من المسؤولية ليس حصانة مطلقة، فالمحكمة تنظر إلى أسباب التأخير، ومدى التزام المطور بتنفيذ العقد بحسن نية، ولا تكتفي بمجرد التمسك ببنود العقد، إذا ثبت التعسف أو الإخلال بالالتزامات، على حد قوله.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "











0 تعليق