مشاهد كأس العالم لا زالت تقول إن العالم العربي متضامن فيما بينه في مواجهة منظومة الرياضة التي يديرها الأقوياء وأصحاب النفوذ في العالم، حتى لو كان يدير كثير من “مباراياته” بشكل سيء فيه كثير من التنمر والسجال غير الكروي وغير اللائق.
صحيح أن هناك من يتساءل عن إصرار كثير من العرب على تغليف أي نشاط كروي ورياضي بغلاف سياسي أو حضاري في حين أن علاقة الدول الأوربية رياضيا لا يحكمها أي تضامن جماهيري، إنما هناك تجربة “تضامن” سياسي واقتصادي صنعت تجربة الاتحاد الأوربي حتى لو ظلت جماهير كل دولة أوربية تشجع من تحبه في كأس العالم سواء كانت من أمريكا الجنوبية أو أوروبا.
كما أن الدول الأوربية غير معنية بتقديم ثقافتها للعالم أو إظهار تضامنها فيما بينها لأنها في النهاية جزء من الحضارات المهيمنة في العالم، وهو ليس الحال بالنسبة لخبرات حضارية أخرى مثل الحضارة العربية، ومفهوم أن تعمل على تقديم نفسها بشكل عصري لأنها في بعض الأحيان متهمة بالتطرف والعنف ومعاداة التقدم والفشل الرياضي وغير الرياضي، وبالتالي يصبح حرصها على اثبات ذاتها من خلال الرياضة أكبر من مجتمعات كثيرة وخاصة الأوربية.
والحقيقة أن صور التضامن مع الفرق العربية وحتى الإفريقية والتي فاضت من البيوت إلى الشوارع والمقاهي، سنجد من يقول إننا لا نجد هذه الصورة في أوروبا أو بين دول أمريكا الجنوبية، وقد يكون ذلك صحيحا إلا أن المركزية الأوربية تظهر في صور أخرى غير التشجيع الكروي، مثل التأثير في الاتحاد الدولي (الفيفا) أو بناء منظومة وحدة قائمة على المصلحة المتبادلة، وإن المطلوب هو التمسك بهذا الانتماء العربي وعدم اقتصاره على المجال الكروي والرياضي إنما يجب أن يمتد إلى مجالات أخرى لتشمل السياسة والاقتصاد.
والمؤكد أن أحد العوامل التي تساعد على التقدم في المجال الرياضي هو تقدم البلد ولكنه ليس العامل الوحيد لأنه لا يفسر تقدم كثير من دول أمريكا الجنوبية كرويا رغم أن كثير منها يعاني من ظروف اقتصادية صعبة وتعاني من مشكلات فقر ولا تصنف ضمن الدول المتقدمة أو دول العالم الأول حتى لو أصبح بعضها ينتمي للعالم الثاني وليس عالمنا الثالث.
يقينا إن بلدا مثل اليابان أكثر تقدما وثراء بما لا يقارن من البرازيل والأرجنتين وأوروجواي، ولكنهم جميعا متفوقين عليها في كرة القدم. كما أن التنافس الأوربي اللاتيني على بطولة كأس العالم منذ انطلاقها في عام 1930 يدحض بدرجة كبيرة هذه التصور، فلماذا فازت أرجواي النامية ومعها البرازيل والأرجنتين بكأس العالم في أوقات كانت أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية شديدة الصعوبة.
والحقيقة أن الفارق بين دول أمريكا الجنوبية النامية وبين مصر النامية، إن الأولى وضعت منظومة احتراف عالمية في كرة القدم: إدارة حديثة ومحترفة، تخطيط علمي، مدربين محترفين، لاعبين عالميين احترفوا في أكبر الأندية العالمية و”بهتوا” على واقعهم المحلي، في حين اعتبر بعضنا أن منظومة الرياضة في مصر محصنة وفوق النقد وخلط البعض بين نقد المنتخب ونقد البلد.
أمريكا الجنوبية فيها فساد ولديها معدلات جريمة مرتفعة ومشاكل اجتماعية واقتصادية كثيرة، وكانت من نصف قرن في وضع أسوأ من مصر، ولكنها الآن بنت نظما ديمقراطية أسست في كثير منها منظومة احتراف كروية حديثة استطاعت بها أن تخترق الاتحادات الدولية وشهدنا كيف انحازت “منظومة التحكيم” لميسي ورفاقه في مباراته مع مصر وكيف استطاع بلد غير أوربي أن يكون تأثيره على الفيفا مثل دول العالم الكبيرة في الاقتصاد والكرة.
إن واقعنا العربي والإفريقي يشبه كثير من البلدان اللاتينية، فهم عاطفيون وانفعاليون، ويعتمدون على المهارة الفردية ولديهم قدر من عدم الانضباط وهناك اتحادات كرة اتهمت بالفساد وأدينت، لكنهم جميعا غير محصنين أمام الرأي العام ولا أمام الصحافة، ولولا النقد الجاد لأداء الأرجنتين في البطولات السابقة لما حسنت من أدائها وحصلت على كأس العالم السابق في قطر.
صحيح إن النقد لا يجب أن يكون من أجل تصفية الحسابات سواء مع المدربين أو اللاعبين مثلما جرى أحيانا مع محمد صلاح أفضل لاعبي المنتخب وأفضل لاعب في تاريخ مصر، أو مع حسام حسن، فتقبل الأول النقد بروح رياضية حتى لو كان متجاوزا وطارد الثاني من انتقدوه في المحاكم.
والواضح أن صور التضامن العربي مع المنتخبات العربية في كأس العالم قد تعززت مرة أخرى بعد الإحساس المشترك بالظلم والذي تشاركت فيه بشكل واضح مصر والجزائر، بجانب دول إفريقية أخرى اعتبروا جميعا أن “منظومة الحكم الرياضية” تنحاز لدول على حساب أخرى لاعتبارات سياسية أو تسويقية أو حضارية، مثلما حدث مع الجزائر في كأس العالم 1982 حين تواطأت ألمانيا والنمسا من أجل إقصائها من الأدوار النهائية، أو مثلما حدث مع مصر أول أمس أمام الأرجنتين.
لقد مثل “تضامن المظلومين” مشهدا جديدا من مشاهد تضامن الشعوب العربية مع الفرق العربية في كأس العالم، أُضيف للأبعاد الثقافية والحضارية، صحيح أن المطلوب أن يكون للاتحادات العربية والإفريقية دورا في الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لضمان العدالة بين جميع الدول، وهذا يتطلب منظومة رياضية عادلة داخل كل بلد عربي أولا ثم داخل الاتحاد الافريقي ثانيا، لكي تستطيع أن تؤثر في الاتحاد الدولي ثالثا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "















0 تعليق