أعاد الغياب المتواصل للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي عن المشهد العلني، بالتزامن مع مراسم تشييعه في طهران، فتح باب التساؤلات حول طبيعة المرحلة التي تعيشها إيران، وسط تباين واضح في تفسير أسباب غياب مجتبى خامنئي ودلالاته السياسية.
ويرى كبير الباحثين في المجلس الأطلسي في واشنطن سمير التقي خلال حديثه إلى برنامج "الظهيرة" على سكاي نيوز عربية أن طبيعة النظام الإيراني تجعل استمرار غياب الشخصية التي تتولى موقع القيادة السياسية والدينية مسألة تتجاوز الاعتبارات الأمنية، لتطرح، بحسب توصيفه، إشكالاً يتعلق بشرعية الحكم وآلية اتخاذ القرار داخل الدولة.
ويشير التقي إلى أن التقارير المتداولة بشأن طبيعة الإصابات المنسوبة إلى المرشد، إذا كانت صحيحة، لا تبرر استمرار الغياب الكامل عن المشهد، معتبرا أن الإصابات الموصوفة لا تمنع الظهور أو ممارسة القيادة بعد مرور هذه الفترة.
ومن هذا المنطلق، يستبعد التقي أن يكون العامل الأمني وحده كافياً لتفسير المشهد، مستشهداً بحالات تعرض فيها قادة لمحاولات اغتيال مباشرة واستمروا في الظهور العلني.
ويضيف أن أهمية مراسم التشييع لا تكمن في طابعها الجماهيري، وإنما في ما يعتبره مؤشرات على أن الحرس الثوري بات يمسك عمليا بمفاصل السلطة، الأمر الذي يثير، وفق رأيه، أسئلة قانونية وسياسية حول كيفية ممارسة الصلاحيات التي يمنحها الدستور للمرشد، ولا سيما حق الاعتراض على قرارات المؤسسات الرسمية، في ظل استمرار غيابه.
الحشود ليست معياراً لقياس الشرعية
وفي قراءته للمشهد الداخلي، يرفض سمير التقي اعتبار الحضور في المظاهرات معيارا لقياس شرعية النظام، مستحضراً تجارب تاريخية بدأها بالإشارة إلى وفاة ستالين وحافظ الأسد، قائلاً إن الدموع رافقت رحيلهما، "لكن بعد أن ذهبت سلطتهم وفُتحت السجون وتبيّن ما كانت تخفيه تلك الأقبية وتلك الأجهزة الأمنية، لم يعد أحد يبكي".
كما استحضر وفاة جمال عبد الناصر، مشيراً إلى أن "الكثير من المصريين اليوم لا يعتبرون جمال عبد الناصر القائد الأوحد"، ليؤكد أن الوفاة بحد ذاتها "أدت إلى تغيرات رئيسية".
تناقض الخطاب وصراع المرحلة المقبلة
ويذهب التقي إلى أن المرحلة الحالية تكشف، بحسب توصيفه، انفصاما بين الخطاب السياسي والممارسة العملية، إذ يتزامن استمرار شعارات "الموت لأميركا" و"الموت لإسرائيل" مع مفاوضات تجريها طهران مع واشنطن بهدف التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب.
ويرى أن هذا التناقض يعكس حاجة السلطة إلى تعزيز شرعيتها الداخلية، لكنه في الوقت نفسه يمنح القوى المتشددة في الولايات المتحدة وإسرائيل وأوروبا مبررات إضافية لمواصلة الضغوط على إيران.
كما يلفت إلى أن المشهد يفتقد حتى الآن إعلانا سياسيا واضحاً يحدد ملامح المرحلة المقبلة بعد الحرب والاغتيال، معتبراً أن غياب رؤية سياسية متكاملة يترك الباب مفتوحاً أمام صراع داخلي بين مراكز النفوذ، ولا سيما مع اقتراب استكمال تعيين القيادات الجديدة خلال الأسابيع المقبلة.
ويضيف أن دوائر صنع القرار الإيرانية معروفة إلى حد بعيد، وأن الشخصيات المطروحة داخلها تحمل توجهات سياسية معروفة، لكن السؤال الأساسي يبقى متعلقاً بالنهج الذي ستتبناه القيادة الجديدة، وليس فقط بالشخص الذي سيقود المرحلة.
تساؤلات بشأن مجتبى خامنئي وآلية انتقال القيادة
ويؤكد التقي أن استمرار غياب مجتبى خامنئي يثير أسئلة مشروعة، خصوصاً مع إدراجه، بحسب ما أشار إليه، ضمن قائمة الاغتيالات الإسرائيلية، في ظل تصريحات إسرائيلية تحدثت عن استهداف أي مسؤول يدعو إلى إزالة إسرائيل.
كما يطرح تساؤلات بشأن آلية انتقال القيادة ومدى تلقائيتها، مشيراً إلى وجود أصوات داخل الحوزات العلمية في قم طرحت بدورها أسئلة حول طريقة اختيار القيادة المقبلة، معتبراً أن القضية سياسية بالدرجة الأولى وتتعلق بشرعية الحكم وبكفاءة إدارة الدولة، وليست مسألة دينية أو عائلية فحسب.
ويرى أيضاً أن استمرار الخطاب التقليدي من دون مراجعة سياسية بعد الحرب يمثل، في تقديره، ثغرة في بنية النظام، مشيراً إلى أن إدارة المفاوضات والخطاب السياسي في المرحلة الراهنة تختلف، بحسب رأيه، عن الأسلوب الذي كان يتبعه علي خامنئي في إدارة الملفات الخارجية.
القيادة قائمة والإجراءات الأمنية مبررة
في المقابل، يقطع الكاتب والباحث السياسي سعيد الشاوردي بأن النظام السياسي الإيراني "شرعي" ولا يعاني أي فراغ في القيادة، مؤكداً أن "مجتبى" هو من "يقوده الآن في هذه المرحلة"، واصفاً التشكيك في ذلك بأنه "أسئلة تُطرح" في الخارج فحسب.
ويردّ أسباب عدم ظهور مجتبى خامنئي إلى "قضايا تحتم أن تكون الإجراءات الأمنية مشددة إلى هذه الدرجة"، مستدركاً: "نحن في ظروف حرب.. نحن لسنا دولة صديقة للولايات المتحدة وإسرائيل حتى لا نتخذ مثل هذه الإجراءات".
ويقرّ الشاوردي بأن هذا الغياب "غير مسبوق" و"لأول مرة يحدث منذ تأسيس إيران" على يد الخميني عام 1979، مرجعاً ذلك إلى معلومات بحوزة إيران عن "القدرات التي باتت تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل في تحديد أماكن أعدائها".
ويضيف أن ثمة "ذكاء اصطناعياً يختلف تماماً" عن ذلك "الذي كلنا نعرفه"، و"بإمكانه القيام بالكثير من المهام التي تبدو مستحيلة"، معتبراً أن "مثل هذه المعلومات التي لدى إيران ربما هي التي تحتم أن تكون الإجراءات الأمنية" على هذا المستوى غير المسبوق.
إدارة الدولة مستمرة رغم الحرب
ويؤكد الشاوردي أن الأحكام الصادرة بحق من أُعدموا في إيران استهدفت، بحسب قوله، أشخاصاً تعاونوا مع إسرائيل في تنفيذ عمليات استهدفت المنشآت النووية والعلماء والقادة العسكريين، نافياً أن تكون تلك الأحكام صدرت بحق أبرياء.
كما ينفي وجود أزمة قيادة داخل إيران، معتبراً أن استمرار مؤسسات الدولة وصمودها في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والدول الغربية، إضافة إلى استمرار المفاوضات، دليل على وجود قيادة تدير الملفات بكفاءة، سواء بصورة مباشرة أو عبر فريق من المساعدين.
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "









0 تعليق