بالبلدي: الصدام المؤجل مع المستقبل!

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

بمضي أكثر من خمسة عشر عاما على ثورة “يناير” المجهضة غادرت أجيالها مراحل الشباب، وحلت مكانها أجيال أخرى لا نكاد نعرف عنها شيئا، أفكارها وتصوراتها، دواعي قلقها وغضبها.

نكتفي- عادة- بإطلاق الأحكام العامة دون اقتراب حقيقي بالحوار والاستماع إلى صوت المستقبل بالجدية اللازمة والتفهم الضروري.

ليس من حق أي جيل، أيا كان إسهامه في تاريخ بلاده، أن يحجب عن الأجيال التالية حقها في الخروج عن المألوف والمعروف والموصوف.

لا يستطيع أحد أن “يفرمل” التاريخ عند لحظة لا يتعداها وتجربة لا يتجاوزها.

هذا وهم كامل.

ولا يستطيع أحد أن يُلغي إرث ما قبله بجرة قلم، كأنه لم يكن.

هذا وهم كامل آخر.

بين الوهمين تتأكد أهمية الإصغاء بلا تعالٍ والحوار بلا وصاية.

أسوأ اقتراب ممكن من شواغل الأجيال الشابة الجديدة النظر إليها من فوق وإملاء الأحكام النهائية عليها كآلهة الأوليمب في الأساطير الإغريقية.

هناك فارق بين المصارحة والوصاية.

ثمة شعور عميق شبه جماعي لدى جيل “يناير” وما بعده، بأن تطلعاتهم حُطمت وتضحياتهم راحت هدرا.

للخذلان تجلياته على شبكة التواصل الاجتماعي، والغضب عنوان لا تخطئه عين على الوجوه.

في تاريخ الأجيال المصرية الحديثة حدثت إحباطات وتراجعات، لكنها لم تصل إلى حد إطلاق الرصاص العشوائي على كل ما قبلها، ونفي أية صلة بإرث الثورات المصرية، كأنها ولدت فجأة لتبدأ التاريخ من جديد.

أحيانا يأخذ الغضب أصحابه إلى حيث يريد خصومه.

لكل جيل تجربته مع الغضب بحسب سياق التاريخ وتحدياته.

لا يوجد جيل واحد لعب أدوارا جوهرية في التاريخ الحديث لم يرتبط صعوده بأسباب غضبه.

روح الغضب ليست تعبيرا طارئا على ظاهر الحوادث، إنما جوهر الصعود إلى مسارح التاريخ.

جميع الانتقاضات والثورات المصرية لخصت “قوة الغضب العام” على أوضاع لا يمكن احتمالها ولا يُقبل استمرارها.

لكل ثورة أسباب تمردها، فـ”الثورة العرابية” كانت تعبيرا عن الضيق البالغ بالتمييز ضد المصريين.

لخصت صرخة زعيمها “أحمد عرابي”: “لقد ولدتنا أمهاتنا أحرارا”، معنى الثورة وقوتها الكامنة قبل أن يجرى إجهاضها بالتدخل العسكري البريطاني عام (١٨٨٢).

ولخصت عبارات بليغة أخرى للزعيم الشاب “مصطفى كامل” بعد نحو عقدين مثل “من يفرط في حقوق بلاده ولو لمرة واحدة في حياته يبقى أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان”، روحا جديدة ولدت من تحت ركام هزيمة الثورة العرابية.

كانت الحركة الوطنية بزعامة “مصطفى كامل” تمهيدا تاريخيا لا شك فيه لـ”ثورة ١٩١٩“، بزعامة “سعد زغلول”، التي جاءت استجابة لحقائق ما بعد الحرب العالمية الأولى ونداءات حق تقرير المصير.

كانت ثورة (1919) طلاقا نهائيا مع “العثمانية”، وتوجها لدخول العصور الجديدة بهدفي “الاستقلال” و”الدستور”.

وكانت ثورة “يوليو” بزعامة “جمال عبدالناصر” استجابة أخرى لحقائق ما بعد الحرب العالمية الثانية في طلب الاستقلال الوطني والعدل الاجتماعي.

كما كانت ثورة “يناير” استجابة ثالثة لحقائق عصر المعلومات والاتصالات والسماوات المفتوحة في طلب التحول إلى دولة مدنية ديمقراطية حديثة.

نجح جيل “يناير” في استدعاء الإلهام إلى الشوارع المفتوحة، تصدر الصفوف لكنه لم يدرك بما هو كافٍ أن القوى الجماهيرية هي التي حسمت، كسر نظام “حسني مبارك” دون أن يكون في وسعه تأسيس أوضاع جديدة تعلن القطيعة مع الماضي.

كانت لحظة الثورة التي تصدروها ذروة الدور قبل أن تستوفي الرؤى والتصورات نضجها.

هذه مشكلة لم يتعرض لها جيل سابق.

جيل (١٩٤٦) أخذ وقته في إنضاج أفكاره وخياراته، التي تمردت على السياسات التقليدية، بعد أن وصلت إلى حائط مسدود في طلب الاستقلال بالمفاوضات.

حمل السلاح ضد معسكرات الجيش البريطاني، وشاعت داخله التوجهات الاشتراكية، وخرجت المرأة بصورة غير مألوفة للعمل الوطني، وبدا أن مصر على موعد مع تغيير يعصف بقواعد اللعبة المستهلكة- وهو ما حدث بعد ست سنوات في “يوليو” (١٩٥٢).

جيل السبعينيات أخذ وقتا في بلورة شخصيته وذائقته الخاصة، التي امتدت من الأفكار والنظريات الكبرى إلى الثياب والهيئة العامة.

صنع أطول حركة طلابية في التاريخ بين عامي (١٩٦٨) إثر الهزيمة العسكرية و(١٩٧٧) الذي شهد تظاهرات الخبز في (١٨) و(١٩) يناير، التي كادت تطيح حكم الرئيس الأسبق “أنور السادات”.

انتفاضة الخبز ثورة ناقصة.

هذه حقيقة يصعب إنكارها.

ثورة “يناير” لم تكتمل بدورها.

إنها ثورة ناقصة، أو انتفاضة شعبية كبيرة أطاحت نظاما ولم تؤسس آخر.

لم يكن لدى المتمردين الجدد مبادئ فكرية، ولا برامج معروفة، ولا كادرات أخذت وقتها في اكتساب الخبرة اللازمة.

لم تكن هناك أية أدوار يعتد بها لأي حزب سياسي، ولا كانت هناك جماعة واحدة على قدر من التماسك التنظيمي باستثناء جماعة “الإخوان المسلمين”، التي كانت آخر من دخل ميدان التحرير وأول من غادره!

تصدرت المشهد جماعات شابة واحتجاجية غضبها يسبق برامجها وعضويتها عابرة لما هو حزبي أو أيديولوجي، وأية مراجعة لانتماءات قيادات “كفاية”، التي أخذت زمام المبادرة في تحدي “التوريث” و”التمديد”، أو “الجمعية الوطنية للتغيير”، التي احتوت الغضب نفسه في مرحلة تالية، أو “ائتلاف شباب الثورة”، الذي أعلن عن حضوره في ميدان التحرير تثبت دون شك تنوعها السياسي بحثا عن شيء من القوة في مواجهة تغول النظام.

كان الانضمام فرديا لا جماعيا، شخصيا لا أيديولوجيا، والأهداف العامة سادت الموقف كله.

طبيعة النشأة وفرت حيوية تفتقدها الإطارات السياسية المتهالكة وساعدت على نمو موجات الغضب، وألهمت التغيير، غير أنها عجزت عن أن توفر أية قيادة، أو تصوغ أي برنامج.

وقفت قوة الدفع في منتصف الطريق، لا حطمت كل قديم مستهلك، ولا أسست لأي جديد ثابت يليق بما طلبته من أهداف وبذلته من تضحيات.

جماعات الغضب حملت التغيير إلى الميادين، لكنها عجزت عن أن توفر طبقة سياسية جديدة تزيح ركام الماضي، أو تحفظ الثورة من الانقضاض عليها.

الخروج عن السياق طبيعة ثورة وتأسيس القواعد قضية مستقبل.

هكذا أُجهضت الثورة، ودخل جيلها دوامات الإحباط المبكر.

الإحباط، مهما علا سقفه، ليس كلمة النهاية.

الحجْر على ما في الصدور خرافة.

كشأن كل جديد الخيال مختلف والذائقة العامة لها خصوصيتها.

في الإبداعات الأدبية والفنية نزوع قوي لفكرة “الحرية” والتعلق بها مسألة وجود.

هذه القيمة جوهر أي رهان مستقبلي على بناء دولة حديثة، حرة وعادلة.

في الإنكار صدام مؤجل مع المستقبل.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??