بالبلدي: حد الكلام الفاصل عن تسليع الجنس وحرية الرأي

masr360 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

منذ أسبوع تحدثت محامية حقوقية عن أحقية العاملات، فيما أسمته بالجنس التجاري في المزيد من الرعاية المقننة، سواء من الناحية الصحية أو القانونية، ومنذ ذلك القول انشغل المجتمع المصري حول هذا الحديث، وبشكل خاص بعد أن قررت نقابة المحامين إحالة المحامية إلى مجلس التأديب، فهناك فريق اعتبر أن إحالة المحامية يعتبر مصادرة لحقها في حرية الرأي والتعبير، وهناك فريق مخالف قد اعتبر أن ما قالته المحامية يتعارض بشكل رئيسي مع مبادئ وقيم المجتمع المصري، ولا يتفق مع الاحترام الذي كفلته الشريعة الإسلامية وتبعها في ذلك الدستور المصري للمرأة، بل أنه يمثل نوعا من التجريم والشروع في تجريم، بخلاف كونه يقلل من قيمة النساء بجعلها سلعة، بحسب ما تداولته العديد من المواقع والصفحات الشخصية.

وهذا الموضوع برمته في هذا التوقيت يعد بمثابة حجر أُلقي في مياه راكدة منذ زمن بعيد، حيث أن موضوع الجنس التجاري “بحسب وصف المحامية” من أكثر الملفات المختلف حولها على المستوى الدولي والحقوقي، وتتنازع فيه النزعات الأخلاقية والقانونية والاقتصادية، إذ أن هناك قطاعات دولية، قامت بتقنين هذا النوع من العمالة، تحت ذريعة حماية الفئات المستضعفة، وهناك قطاعًا دوليًا يعتبر هذا النمط من العمالة استغلالًا جندريًا وطبقيًا، وأنه تُجبر عليه النساء تحت ضغط العوز المالي، فلا بد من محاربته. كما تعاملت منظمة العمل الدولية مع هذا الملف بنوع من الحذر، فهي لا تروج له، ولكنها في ذات الوقت تنظر إليه من زاوية اقتصادية وحمائية بحتة، وأن منظمة العمل من زاوية تعترف بوجوده كعمل غير رسمي، يجب على الدول أن تسعى إلى وجود بدائل له، حتى تضمن أو تدفع الحكومات إلى بذل المزيد من المعالجات الأمنية، وأنها تدعو إلى تحذير استغلال القاصرات أو إكراههن على هذه السبل من العمالة، وفي المجمل، فإن موقف منظمة العمل الدولية يقف في موقف الظل ما بين الرفض والقبول تحت ضغط الحاجة الواقعية.

وفي ذات الوقت، فإن هناك العديد من المنظمات النسائية تحارب هذا النمط من العمالة، بحسب كونه يجعل من أجساد النساء سلعة، يجب أن يتوقف التعامل عليها، ويجب أن يتوجه المجتمع الدولي إلى المزيد من أوجه الحماية والرعاية اللازمة للنساء، ومن ثم، فإن القول المجمل في هذا الملف، يخلص في كون المقاربات الدولية تسعى إلى تفتيت تلك الظاهرة، وبحث أكثر السبل للحماية في المجتمعات التي تتواجد فيها، مع حثها على إيجاد بدائل أخرى تضمن كرامة النسوة.

والسياق المصري أكثر اتساقًا مع المبادئ الحقوقية والدينية التي تحافظ على كرامة النساء، وتبعد بها عن كونها سلعة تجارية، وهو ما يتوافق مع مبادئ الشريعة الإسلامية، والتي من أهم مبادئها حفظ العرض وحفظ النسل، وهو الأمر الذي يجعل من أي حديث عن إباحة جسد النساء خارج إطار الزواج، من الأمور المحرمة، وهذا ما تبعه المشرع المصري الحديث، حيث تم تجريم الدعارة “ممارسة الجنس بدون تمييز”، كما أن من أحدث التشريعات المصرية التي تتصادم مع هذا الكلام ما جاء بالقانون رقم 6 لسنة 2010  بشأن مكافحة الإتجار في البشر، والذي اعتبر من استغلال حاجة أو ضعف النساء أو الأطفال لاستدراجهم لتلك الأعمال جريمة، يجب معاقبة فاعلها.

ومن زاوية إنسانية، لست أدري كيف تدافع سيدة عن تمليك أو تسليع جسدها لبعض الوقت، حتى ولو كان ذلك حاصلًا في ظل ظروف واقعية، تدفع إلى العمل السري في مخالفات قانونية، لكن الدفاع عن ذلك لا يمكن اعتباره من قبيل الحرية، أو من قبيل حق النساء، لأنه لا يجلب للنساء سوى المذلة والمرض، ولا يمكن أن يعد ذلك من قبيل الحماية الحقوقية للنساء، وإلا فإن الإتجار الكامل في الجنس البشري، يجب اعتباره من قبيل الأعمال المباحة، وهو الأمر الذي يتعارض مع القيمة العليا المفترض تحققها الكامل للإنسان، بغض النظر عن أية أسباب اقتصادية قد تدعو إلى غير ذلك، إذ يجب أن يكون للدولة دورًا حمائيًا اجتماعيًا، فيما يخص الشرائح المجتمعية الأكثر احتياجًا، حتى نجنبها مثل تلك الأفعال، التي لا تتوافق مع القيم الإنسانية الأساسية المفترض توافرها للإنسان. 

أما إذا ما انتقلنا إلى مدى اعتبار تصريح المحامية في نطاق حرية التعبير من عدمه، فإن الأساس في هذا المقام أن حرية الرأي والتعبير ليست مطلقة بغير حد أو نطاق، إذ أن نطاق حرية الرأي يقف عند حد عدم جواز التحريض المباشر على ارتكاب جريمة، أو أن يتضمن دعوة لمخالفة القوانين، إضافة إلى ما يشكل سبًا أو قذفًا، أو ما يدخل في نطاق القيود الدستورية والقانونية المشروعة، وبالتالي، فإن ما أصدرته الأستاذة/ نسمة الخطيب، يخضع لهذه المعايير، بمعنى ما إذا كان حديثها مجرد دعوة نقاش حول سياسة تشريعية، دونما أي تحريض على ارتكاب فعل مخالف لقوانين سارية من عدمه، وهذا الأمر هو ما ستظهره التحقيقات، التي تتم مع الأستاذة، ذلك إذ أن قانون المحاماة يفرض التزامات على من ينتسب إلى نقابة المحامين، تتعلق بكرامة المهنة وسلوك أعضائها، وبالتالي، فإن المعيار الأوضح في هذا الشأن سيتعلق بمدى اعتبار ذلك التصريح، يمثل إخلالًا بواجبات مهنة المحاماة أو يمس تقاليدها وآدابها، وهذا كله لا بد وأن يكون في سياق ألا يتحول التنظيم التأديبي إلى وسيلة لمصادرة الحريات العمومية أو تقييدها دون سند أو ضرورة، حيث أن معيار حماية حرية الرأي لا يتعلق بمدى قبول الرأي أو رفضه اجتماعيًا أو أخلاقيًا، إذ أن الرأي لا يفقد الحماية القانونية والدستورية الخاصة به لمجرد كونه صادما أو مستفزا للغير، شريطة ألا يتحول إلى تحريض يهدد مصلحة محمية بالقانون.

ومن هنا، فإن ما يمر به المجتمع المصري من أزمات حقيقية لا يستدعي المزيد من المشكلات الأخلاقية أو الحقوقية، تحت مظنة الانفتاح أو المساواة الجندرية، فإن المجتمع المصري له خصوصيته التي تستوجب أن تكون محل احترام من المواطنين، وأن  القيم المجتمعية على الرغم من تطور المصطلح، إلا أن هناك العديد من المبادئ التي لا يمكن أن يحيد عنها المجتمع المصري، بما يضمن حماية كاملة للنساء، وهو الأمر الذي تقاتل من أجله المجتمعات النسوية من خلال مشروع قانون الأسرة الجديد، وهو الأمر الذي يتصادم مع طرح إباحة الحريات الجسدية بشكل كلي.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" masr360 "

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
متجر ملابس رياضية
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??