في قلب آسيا الوسطى، حيث عبرت القوافل بين الشرق والغرب، تستعيد أوزبكستان حضورها من بوابة طريق الحرير، أحد أشهر المسارات التجارية والثقافية في التاريخ.
وبين سمرقند وبخارى وطشقند، تتداخل الحكاية القديمة، مع مشهد حديث يسعى إلى تحويل الإرث الحضاري إلى قوة سياحية واقتصادية وثقافية.
وتأتي صناعة الحرير في مقدمة الشواهد الحية على هذا الإرث، فمن أوراق التوت التي تتغذى عليها دودة القز، تبدأ رحلة طويلة ودقيقة، تمر بجمع الشرانق وغمرها في الماء الساخن وفك خيوطها، ثم غسلها وتلوينها ونسجها، وصولاً إلى منتجات فاخرة، تحمل بصمة المكان وذاكرة الطريق الذي ربط الحضارات لقرون.
سمرقند.. ذاكرة مفتوحة
تحتفظ سمرقند بمكانة خاصة في الذاكرة الإسلامية والآسيوية، فقد كانت محطة رئيسية للتجار والعلماء والرحالة، ومركزاً لعبور السلع والأفكار والفنون، وفي شوارعها وأسواقها، يحضر التاريخ في العمارة الزرقاء، والمدارس القديمة، والقباب، والمآذن، والحرف التي ما زالت تمارسها أيدٍ ورثت المهارة جيلاً بعد جيل.
وللقارئ السعودي، تملك سمرقند قرباً وجدانياً وثقافياً واضحاً، فهي جزء من فضاء إسلامي واسع، ارتبط بأسماء العلماء والمدارس والطرق التجارية التي حملت المعرفة إلى جانب البضائع، وزيارة أوزبكستان تمنح السائح فرصة للعودة إلى صفحات من التاريخ الإسلامي، في بلد يجمع بين الأصالة والانفتاح والضيافة.
ورق التوت.. الخيط الفاخر
تبدأ رحلة الحرير من تفاصيل صغيرة تحتاج إلى عناية وصبر، تتغذى دودة القز على أوراق التوت في موسم يمتد عادة من أبريل إلى يونيو، ثم تلف نفسها داخل شرنقة تتحول لاحقاً إلى خيط حريري طويل، وبعد جمع الشرانق وفرزها، تبدأ مرحلة استخراج الخيوط، وهي عملية دقيقة تحتاج إلى خبرة يعرفها المزارعون والحرفيون في القرى الأوزبكية.
وتحمل الشرنقة الواحدة خيطاً قد يصل طوله إلى كيلومتر أو أكثر. وبعد استخراجه، تغسل الخيوط وتلون بمواد طبيعية، مثل الرمان وقشور البصل والجوز، ثم تدخل مرحلة النسج، لتتحول إلى أقمشة وسجاد ومنسوجات يدوية تحمل قيمة فنية واقتصادية عالية.
حرفة قديمة بعين اقتصادية جديدة
تتعامل أوزبكستان مع الحرير كقطاع اقتصادي قابل للنمو والتصدير، فالبلاد تعد من أبرز منتجي الحرير عالمياً، وبلغ إنتاجها نحو ٢٦ ألف طن في عام ٢٠٢٤، وسط توجه لتعزيز حضورها في الأسواق الخارجية، خصوصاً في صناعات الأزياء والمنسوجات الفاخرة.
وتعمل طشقند على تطوير هذا القطاع عبر تحسين عوائد المنتجين، وزيادة الاهتمام بمزارع التوت، ودعم سلاسل الإنتاج التي تبدأ من تربية دودة القز وتنتهي بالملابس والمفروشات والسجاد.
ويمنح هذا التوجه الصناعة مساحة أوسع للحضور في أسواق جديدة، ويفتح الطريق أمام شراكات تجارية واستثمارية في الزراعة والصناعة والتسويق والسياحة.
ما الذي يهم الزائر السعودي؟
تقدم أوزبكستان للزائر السعودي تجربة قريبة من الوجدان ومختلفة في التفاصيل. فمدن مثل سمرقند وبخارى وطشقند تجمع بين التاريخ الإسلامي، والأسواق الشعبية، والحرف التقليدية، والمطاعم المحلية، والضيافة الشرقية، إضافة إلى تكلفة سياحية مناسبة مقارنة بوجهات أخرى.
وتضيف صناعة الحرير بعداً خاصاً للرحلة، فالزائر يستطيع أن يرى كيف تتحول الشرنقة الصغيرة إلى قماش فاخر، وكيف تحافظ الأسر والحرفيون على مهارة قديمة وسط اقتصاد يتجه نحو الانفتاح.
هذه التجربة تمنح السائح قصة حية، وصورة مختلفة عن بلد يعتز بتاريخه ويعيد تقديمه للعالم.
فرص أمام المستثمر السعودي
مع تنامي العلاقات السعودية الأوزبكية، تبرز صناعة الحرير والحرف التراثية والسياحة الثقافية كمساحات واعدة أمام المستثمرين السعوديين. فالفرص تشمل إنتاج الحرير، والتصميم، والتغليف، والتصدير، والتجارة الإلكترونية، وتنظيم التجارب السياحية المرتبطة بالحرف والأسواق التاريخية.
وتملك أوزبكستان عناصر جاذبة للمستثمر، من بينها الموقع الحيوي في آسيا الوسطى، والعمالة الماهرة، والإرث الصناعي، والرغبة الرسمية في توسيع الشراكات الخارجية.
كما يمكن للمنتجات الحريرية الأوزبكية أن تجد حضوراً في السوق الخليجية، خصوصاً في الهدايا الفاخرة، والديكور، والأزياء، والسجاد، والمنتجات التراثية الراقية.
طريق الحرير يعود بلغة جديدة
يعرف الأوزبك جيداً أن طريق الحرير حمل عبر التاريخ التجارة والمعرفة والفنون واللغات، واليوم، تحاول أوزبكستان استعادة هذا الدور عبر الاستثمار في التراث والسياحة والصناعات التقليدية، وتقديم نفسها كوجهة تملك تاريخاً عريقاً وطموحاً اقتصادياً متجدداً.
وبينما يبحث كثير من السعوديين عن وجهات جديدة قريبة ثقافياً وغنية بالتجارب، تظهر أوزبكستان كخيار مختلف يجمع التاريخ الإسلامي، والأسواق، والطبيعة، والضيافة، والحرف الأصيلة. وفي قلب هذه الصورة، يبقى الحرير الأوزبكي شاهداً على بلد ينسج من الماضي خيوطاً جديدة نحو المستقبل.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "




0 تعليق