أثارت دراسة حديثة قادها باحثون من جامعة ماكماستر الكندية تساؤلات جديدة حول دقة الأدوات الأكثر استخداماً في تشخيص الاضطرابات النفسية، بعدما كشفت أن موثوقية المقابلات التشخيصية تختلف بشكل ملحوظ من اضطراب إلى آخر، ما قد يؤثر في دقة بعض التشخيصات المعتمدة حالياً في الممارسة الطبية والبحثية.
ونُشرت الدراسة في مجلة جاما نتورك أوبن الطبية، وركزت على المقابلات التشخيصية التي تُستخدم على نطاق واسع للكشف عن اضطرابات مثل الاكتئاب والقلق واضطراب ثنائي القطب واضطرابات الشخصية، التي تُعد في الأوساط الطبية «المعيار الذهبي» لتقييم الأمراض النفسية.
معيار غير مثالي
وقالت أستاذة الطب النفسي بجامعة ماكماستر الكندية الدكتورة لورا دنكان، وهي إحدى المشاركات في الدراسة، إن هذه المقابلات تُعامل غالباً باعتبارها أفضل وسيلة متاحة للتشخيص، لكنها لا تمثل معياراً نهائياً يتمتع بدرجات عالية من الثبات والموثوقية في جميع الحالات.
وأوضحت أن الأدلة العلمية المتعلقة بموثوقية هذه الأدوات ظلت متباينة لسنوات، إلا أنها ما زالت مستخدمة على نطاق واسع بسبب غياب بدائل أكثر دقة وموضوعية.
واعتمد الباحثون على مراجعة دراسات تناولت ما يُعرف بـ«ثبات الاختبار وإعادة الاختبار»، وهو مقياس يحدد مدى حصول المريض على النتيجة التشخيصية نفسها عند تكرار المقابلة أكثر من مرة.
الإدمان الأكثر وضوحاً
وأظهرت النتائج أن أعلى مستويات الموثوقية سُجلت في تشخيص اضطرابات تعاطي المواد المخدرة، ولا سيما اضطراب تعاطي المواد الأفيونية، مقارنة بعدد من الاضطرابات النفسية الأخرى.
وأرجعت دنكان ذلك إلى أن تشخيص الإدمان يعتمد بدرجة كبيرة على سلوكيات قابلة للقياس والملاحظة، مثل عدد مرات التعاطي أو كمية المواد المستخدمة، بينما يصعب قياس المشاعر والأعراض النفسية مثل الحزن والقلق بالدرجة نفسها من الدقة.
تحفظات علمية
في المقابل، أبدى أستاذ الطب النفسي بجامعة كولومبيا الدكتور مايكل فيرست بعض التحفظات على الدراسة، رغم اتفاقه مع استنتاجها الأساسي بأن موثوقية المقابلات التشخيصية تختلف بين الاضطرابات وقد لا تنجح دائماً في الوصول إلى تشخيص دقيق.
وأشار إلى أن الدراسة لم تقدم معلومات كافية حول الأدوات التشخيصية الأكثر موثوقية مقارنة بغيرها، معتبراً أن هذه المقارنة كانت ستوفر فائدة عملية مهمة للأطباء والباحثين.
وشملت الدراسة عدداً من أشهر أدوات التشخيص النفسي، من بينها المقابلة السريرية المنظمة للدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (SCID)، إضافة إلى المقابلة الدولية المختصرة (MINI)، إلى جانب أدوات متخصصة لتقييم بعض الاضطرابات المحددة.
تشخيص أكثر تعقيداً
كما انتقد فيرست دمج نتائج المقابلات المنظمة بالكامل مع المقابلات شبه المنظمة ضمن تحليل واحد، موضحاً أن المقابلات المنظمة تعتمد على أسئلة ثابتة لا تتغير، ما يزيد احتمالات تكرار النتيجة نفسها، بينما تمنح المقابلات شبه المنظمة الطبيب مرونة أكبر لفهم الحالة، لكنها قد تؤدي إلى اختلاف النتائج بين جلسة وأخرى.
وأقرت دنكان بأهمية هذه الملاحظات، مؤكدة أن نقص البيانات المنشورة في الدراسات السابقة حال دون إجراء تحليلات أكثر تفصيلاً، لافتة إلى أن كثيراً من الأبحاث لم توضح بدقة نوع المقابلات المستخدمة وآليات تطبيقها.
مستقبل التشخيص
ويرى الباحثون أن النتائج تعكس الحاجة إلى مزيد من الشفافية والصرامة العلمية في مجال تشخيص الاضطرابات النفسية، خصوصاً مع استمرار البحث عن وسائل أكثر دقة وموضوعية.
ورغم التطور الكبير في أدوات التشخيص الحالية، يؤكد خبراء أن الطب النفسي ما زال يفتقر إلى اختبارات مخبرية حاسمة يمكنها تشخيص الاضطرابات النفسية بصورة مماثلة لما يحدث في العديد من الأمراض العضوية.
وفي الوقت ذاته، تتجه بعض الأبحاث الحديثة إلى التعامل مع الاضطرابات النفسية باعتبارها طيفاً من الأعراض متفاوتة الشدة، بدلاً من تصنيفها وفق مفهوم «موجود أو غير موجود»، وهو توجه قد يغير طريقة فهم وتشخيص الأمراض النفسية خلال السنوات القادمة.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "












0 تعليق