لم يكن فوز الطفلة المصرية ميار الشوربجي بالمركز الأول في «تحدي القراءة العربي» مجرد إنجاز فردي لطفلة تفوقت على أقرانها، بل يمثل نموذجًا يستحق التوقف أمامه، وطرح سؤال أوسع: كيف يمكن أن تتحول قصة ميار من حالة استثنائية إلى تجربة قابلة للتكرار داخل المدارس المصرية؟ وكيف ننتقل من الاحتفاء بطفلة نجحت في الوصول إلى القمة، إلى بناء منظومة تعليمية قادرة على اكتشاف مئات المواهب ورعايتها؟
إن ما حققته ميار ليس معجزة بالمعنى الذي يجعل النجاح بعيد المنال، وإنما ثمرة محتملة لاجتماع عوامل عدة، في مقدمتها الشغف بالقراءة، والتشجيع الأسري، والبيئة التعليمية المحفزة، والقدرة على التعبير والفهم والتحليل، إلى جانب الإصرار والتدريب. وهذه العوامل يمكن توفيرها لأطفال آخرين إذا تحولت القراءة من نشاط موسمي مرتبط بمسابقة إلى جزء أساسي من حياتهم اليومية.
ميار ليست حالة فردية.. بل رسالة إلى منظومة التعليم
تجربة ميار تفتح الباب أمام إعادة النظر في موقع القراءة داخل المدرسة، فالتلميذ الذي يقرأ باستمرار لا يكتسب معلومات جديدة فحسب، بل تتسع حصيلته اللغوية، وتتحسن قدرته على الفهم والاستيعاب، ويصبح أكثر قدرة على ترتيب أفكاره والتعبير عنها ومناقشة ما يقرأه.
ومن هنا، لا ينبغي أن يقتصر التعامل مع فوزها على تكريمها أو الاحتفاء بصورتها في وسائل الإعلام، بل يجب أن يكون نقطة انطلاق لاكتشاف أطفال آخرين يمتلكون القدرات نفسها، حتى لو لم تتح لهم الفرصة بعد لإظهارها.
فليس كل طفل متفوق بالضرورة قارئًا نهمًا، وليس كل طفل يحب القراءة يجد من يوجهه إلى الكتاب المناسب أو يمنحه الوقت والمساحة للتعبير عن أفكاره. وهنا تظهر مسؤولية المدرسة ووزارة التربية والتعليم في تحويل الاستعداد الفردي إلى موهبة حقيقية.
كيف تصنع المدرسة ميار جديدة؟
تبدأ صناعة جيل من القراء داخل المدرسة، من خلال توفير مكتبات جاذبة تضم كتبًا متنوعة تناسب المراحل العمرية والاهتمامات المختلفة، بدلًا من أن تكون المكتبة مجرد مكان مغلق أو مساحة لا يزورها التلاميذ إلا في مناسبات محدودة.
كما يتطلب الأمر تخصيص وقت منتظم للقراءة الحرة، بعيدًا عن ضغط المناهج والامتحانات، مع تشجيع التلاميذ على اختيار الكتب التي تثير فضولهم، وتقديم ملخصات عنها ومناقشة أفكارها، دون تحويل كل كتاب إلى واجب مدرسي أو اختبار جديد.
ومن المهم أيضًا تدريب المعلمين على اكتشاف الموهبة القرائية، فلا يقتصر دورهم على مطالبة التلميذ بقراءة النص والإجابة عن أسئلة مباشرة، بل يمتد إلى فتح النقاش حول الأفكار والشخصيات والأحداث، وتشجيع الأطفال على طرح الأسئلة وإبداء الرأي وتقديم قراءات مختلفة للنص الواحد.
فالهدف ليس أن يحفظ الطفل عددًا كبيرًا من عناوين الكتب، وإنما أن يفهم ما يقرأ، ويستوعب أفكاره، ويستطيع مناقشتها وربطها بحياته وواقعه.
دور وزارة التربية والتعليم.. من المسابقة إلى مشروع وطني للقراءة
تقع على وزارة التربية والتعليم مسؤولية أساسية في توفير البيئة التي تسمح بتكرار نماذج مثل ميار، وذلك من خلال وضع خطة واضحة لدعم القراءة في المدارس، لا تقتصر على فترة الاستعداد للمسابقات.
وتشمل هذه الخطة تطوير المكتبات المدرسية وتحديث محتواها بصورة مستمرة، وتوفير كتب مناسبة لمختلف الأعمار، وإطلاق أنشطة ومسابقات داخل المدارس والإدارات والمديريات التعليمية، وصولًا إلى مسابقات على مستوى الجمهورية، بما يتيح اكتشاف المواهب في المدن والقرى على حد سواء.
كما يمكن للوزارة إعداد برامج تدريبية للمعلمين وأخصائيي المكتبات حول أساليب تنمية مهارات القراءة والفهم والتحليل، وتوفير أدوات لتقييم تقدم التلاميذ، مع الاهتمام بالأطفال الذين لا يمتلكون في منازلهم مكتبات أو فرصًا كافية للوصول إلى الكتب.
ومن الضروري ألا تتحول مسابقات القراءة إلى سباق لجمع أكبر عدد من الكتب أو تسجيل أرقام قياسية في القراءة؛ لأن ذلك قد يدفع بعض المشاركين إلى الاهتمام بالكم على حساب الفهم والاستيعاب. والأولى أن تقوم معايير التقييم على تنوع المقروء، وعمق الفهم، والقدرة على التلخيص والتحليل والمناقشة والتعبير عن الرأي.
الأسرة شريك أساسي في صناعة القارئ
ولا تستطيع المدرسة وحدها أن تصنع طفلًا محبًا للقراءة، فدور الأسرة لا يقل أهمية عن دور المعلم، خاصة في السنوات الأولى من عمر الطفل.
فالطفل الذي يرى والديه يقرآن، ويجد كتابًا قريبًا منه، ويسمع حكاية قبل النوم، ويتحدث مع أسرته عما قرأه، يتعامل مع القراءة باعتبارها نشاطًا ممتعًا وجزءًا طبيعيًا من الحياة، لا مهمة مفروضة عليه.
كما ينبغي أن تتجنب الأسرة مقارنة طفلها بغيره أو الضغط عليه لتحقيق نتائج سريعة، وأن تمنحه حرية اختيار الكتب المناسبة لاهتماماته، مع تشجيعه على الاستمرار وتقدير تقدمه مهما كانت خطواته بسيطة.
كيف تتحول ميار من بطلة مسابقة إلى نموذج قابل للتكرار؟
إن الدرس الأهم من تجربة ميار هو أن اكتشاف الموهبة لا ينبغي أن يبدأ بعد الفوز، بل قبل ذلك بسنوات، من خلال بيئة تسمح للطفل بأن يقرأ ويجرب ويسأل ويناقش ويخطئ ويتعلم.
ولكي تتكرر هذه التجربة، تحتاج المدارس إلى مكتبات حية، ومعلمين يمتلكون أدوات اكتشاف المواهب، وأنشطة مستمرة، وتعاون حقيقي مع الأسرة، فيما تحتاج الوزارة إلى متابعة تنفيذ برامج القراءة وقياس أثرها، بدلًا من الاكتفاء بإطلاق المبادرات والإعلان عنها.
فالفائز في مسابقة واحدة يمثل إنجازًا يستحق التقدير، لكن النجاح الأكبر أن تتحول المدرسة إلى مكان يخرج منه كل عام عدد جديد من الأطفال القادرين على القراءة الواعية والتفكير المستقل والتعبير الواثق.
ميار تستحق الاحتفاء بما حققته، لكن الأهم ألا تبقى قصتها مجرد حكاية نجاح نرويها، بل أن تصبح بداية لسؤال جاد داخل كل مدرسة: كم طفلًا يمتلك موهبة مشابهة، لكنه ينتظر من يكتشفه ويفتح أمامه الطريق؟
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "





