أخبار عاجلة

بالبلدي: عندما ترتدي الخِسّة رداء الرحمة

بالبلدي: عندما ترتدي الخِسّة رداء الرحمة
بالبلدي: عندما ترتدي الخِسّة رداء الرحمة
whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

للرحمة باب يفضي إلى الحياة، فأي رحمة هذه التي لا تترك للإنسان سوى أن يختار عدد الراحلين معه؟ أن يُهدَّد رجل بالقتل، ثم تُربط سلامة أسرته بذهابه منفرداً إلى موته، فذلك مشهد تتجاوز قسوته لحظة الاستهداف. وحين يُقدَّم تجنيب الأسرة القصف باعتباره حرصاً عليها، تصبح الكلمات جزءاً من المأساة؛ إذ يُراد لها أن تمنح التهديد مظهراً إنسانياً.


ولأهل غزة في فلسطين المحتلة مع هذا الوجع قصص يصعب على النفس احتمالها. ومن بينها قصة محمد البيوك، التي أوردتها «الشرق الأوسط» نقلاً عن عائلته. تلقّى اتصالاً إسرائيلياً قبل استهدافه، لكن الاتصال، بحسب الرواية، لم يترك له سبيلاً للنجاة: إما أن يخرج وحده ليُقتل، وإما أن يبقى ويعرّض الموجودين معه للقصف. لم يكن السؤال هل يموت، بل مَن قد يموت معه.


صعد محمد إلى سطح المبنى الذي كان يؤوي نازحين، ثم استُهدف بمقذوف أطلقته طائرة مسيّرة. وتقول الرواية إن إحدى قريباته حاولت منعه من الصعود، وأُصيبت بجروح خطيرة. غادر المكان الذي احتمى به، بعدما أصبح بقاؤه، وفق التهديد المنقول، خطراً على مَن حوله. فأين الرحمة في وضعه أمام هذه النهاية، وأين الاختيار حين تكون حياة الآخرين هي وسيلة الضغط؟


وقد نقلت الصحيفة شهادات مشابهة عن آخرين. وإذا ثبتت هذه الممارسة، فخطورتها تتجاوز مصير المستهدف إلى اعتماد تهديد المحيطين به وسيلةً لتنفيذ العملية. ولهذا تستدعي محاسبة تردع تكرارها. فالحروب، كما لها أساليب وخطط، لها قواعد وحدود، وتجاهلها يجعل حماية المدنيين خاضعة لتقدير القوة التي تهددهم، ويفتح الباب أمام تجاوزات أوسع.


ولعل أقسى ما في المشهد أن يُحرم الإنسان من الاختيار، ثم يُقال إنه اختار. فالاختيار يفترض إمكان الرفض، ووجود فرصة للحياة. أما حين تكون سلامة الأسرة معلّقة بإجابته، فإن وصف استجابته بأنها قرار حر يتجاهل أصل التهديد. وتبقى مسؤولية القتل عند مَن قرره ونفذه، ولا تنتقل إلى مَن حاول إنقاذ أهله.


وما تصفه هذه الشهادة يفتح أعيننا على معاناة أهل غزة. فالمأساة تمتد من لحظة الخوف إلى سنوات الفقد، أسرة أفقدها القصف أحد أفرادها، وطفل تتبدل حياته، وناجون يبحثون عن مأوى يحملون إليه قلقهم. وبين هذه التفاصيل يعيش شعب يريد ما يريده سائر البشر: بيتاً يعود إليه مطمئناً، وأهلاً يجتمع بهم، ومستقبلاً يستطيع أن يعد به أبناءه.


لكن استمرار المأساة قد يجعل العالم يعتاد أخبارها. تتوالى الأرقام، وتغيب خلفها أسماء الناس وقصصهم، ويصبح السؤال عن تخفيف المعاناة أكثر حضوراً من السؤال عن إنهائها. ينشغل المتابع بكيف يعيش الفلسطيني تحت الخطر، ويتراجع السؤال عن حقه في العيش بعيداً عنه. يحتاج الفلسطيني إلى مَن يفتح له طريق الحياة، لا إلى مَن يحسّن شروط موته.


وهنا يظهر تناقض خطاب الاحتلال. يُطلب تفهّم مخاوفه الأمنية، بينما يُطلب من الفلسطيني التعايش مع انعدام أمنه. تتغير المبررات، وتتبدل الأوصاف، وتبقى المعاناة. والكلام عن الضرورة والحماية ودقة السلاح لا يكفي لتبرير ما يحدث، فتغيير وصف الممارسة لا يغيّر حقيقتها، والحكم عليها يكون باحترام حياة الناس وحقوقهم، لا باللغة التي تُسوَّق بها.


ولنسأل سؤالاً بسيطاً، لعلّه يبدو ساذجاً وسط حسابات الحرب، بأيّ منطق يصبح ادعاء الدفاع عن الأمن مبرراً لتهديد الأبرياء؟ حق الفلسطينيين في أرضهم وحريتهم ثابت، لكن حتى الذرائع التي يسوقها الاحتلال لا تعفيه من هذا السؤال: أين الفروسية في دفع رجل إلى مقتله بالخوف على أحبّته؟ وأيّ أمن يتحقق بهذه الوسيلة، وأيّ انتصار يستحق الاحتفاء؟ إصابة الهدف قد تثبت دقة السلاح، لكنها لا تثبت عدالة القرار، ولا تحوّل التفوق العسكري إلى نصر سياسي.


والمشكلة السياسية أن الاحتلال قد ينجح في الوصول إلى مَن يستهدفه، ثم يعدّ ذلك جواباً عن أسئلة الصراع كلها. لكن الوصول إلى رجل فوق سطح مبنى لا يقرّب السلام، ولا يلغي حق شعب في أرضه ودولته. تستطيع القوة أن تحسم مصير فرد في دقائق، وتبقى عاجزة عن فرض نهاية للقضية الفلسطينية. هنا يظهر الفارق بين نجاح عملية عسكرية ونجاح سياسة: الأول يُعلن بعد إصابة الهدف، والثاني يُقاس بقدرته على بناء أمن يدوم.


فقد تبدأ الحكاية برجل يصعد إلى سطح مبنى، لكنها تحمل سؤالاً عن قيمة الإنسان وحدود القوة. فالفضل في نجاة الموجودين، وفق الشهادة المنقولة، يعود إلى تضحية مَن خاف عليهم. أما مَن جعل موته ثمناً لبقائهم، فلا يحق له أن يستعير اسم الرحمة. هناك يسقط رداء الرحمة، وتنكشف الخِسّة في أبشع صورها.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" جريدة عكاظ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : مرحلة ما بعد المينورسو: نحو إعادة تشكيل المقاربة القانونية والأمنية
التالى مجموعة أدنيك تستهل شهر نوفمبر باستضافة اثنين من أكبر الفعاليات العالمية في قطاعي الطاقة والسياحة

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay