في حوار خاص دار أمس مع الدكتور مدحت خفاجي، الأستاذ بجامعة القاهرة، امتد الحديث لأكثر من ساعة حول ما أرسله إليّ من الصحف الأمريكية وتحليلاتها للأوضاع الراهنة، كنت أستمع إليه باهتمام، وأتعلم من رؤيته، وأستفيد من ملاحظاته، وكان يوجهني أحياناً إلى قراءة موضوعات بعينها والبحث في زوايا جديدة للكتابة.
لم أشعر للحظة أن الاستماع إلى رأي آخر ينتقص من معرفتي، أو أن الاعتراف بما لا أعرفه يقلل من قيمتي، على العكس، أؤمن بأن الإنسان الذي يتوقف عن التعلم يبدأ رحلة التراجع، وأن قول «لا أعرف» ليس ضعفاً، بل بداية حقيقية للمعرفة.
هذا هو الفكر المستنير في جوهره: أن تنصت لتتعلم، وتختلف لتفهم، وتراجع أفكارك دون أن تخشى الاعتراف بأن هناك من يعرف أكثر منك في مجال معين.
لكن العجيب أن بعض الأشخاص لا يشعرون بوجودهم إلا في أجواء الخلاف، ولا يكتشفون ذواتهم إلا حين يعارضون الآخرين، وكأنهم لا يستطيعون إثبات أنفسهم إلا بالرفض والاعتراض، والأغرب أن تجد من يجادل المتخصصين في مجالاتهم دون قراءة أو بحث، وربما لم يفتح كتاباً منذ انتهاء دراسته، لكنه يمنح نفسه حق تصحيح آراء الباحثين ومناقشة أصحاب الخبرة.
ومع انتشار شبكات التواصل الاجتماعي، أصبح البعض يقرأ منشورًا مجهول المصدر، دون التحقق من معلوماته أو البحث في خلفياته، ثم يتحول في دقائق إلى خبير في التحليل السياسي والاجتماعي، معتمداً على ثقافة السماع وترديد ما يقوله الآخرون.
وهنا تكمن المفارقة: فبدلاً من أن تقود المعرفة إلى التواضع، أصبح الوهم بالمعرفة وسيلة للتعالي على المتخصصين. وليس العيب أن تختلف مع خبير، بل أن ترفض البحث عن الدليل، وأن تتعامل مع رأيك باعتباره الحقيقة المطلقة.
حين يصبح الاختلاف تهمة
في حياتنا الاجتماعية والثقافية، نرفع شعارات التسامح وقبول الآخر، لكننا كثيراً ما نضيق ذرعاً بمن يختلف معنا، نرحب بمن يردد أفكارنا، ونشكك في نوايا من يناقش مسلماتنا، وكأن الاتفاق شرط للصداقة والاختلاف دليل على العداوة.
إن المجتمعات لا تتقدم بتطابق العقول، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف وتحويله إلى فرصة للتعلم. فليس كل رأي مخالف صحيحاً، وليس كل رأي سائد صائباً، وإنما الفيصل هو الدليل والمنطق والقدرة على الحوار.
الابتسامة العريضة والبركان الخفي
من المؤلم أن تتحول الابتسامة أحياناً إلى قناع، وأن يبالغ البعض في المجاملة أمامك، ثم ينتقص منك في غيابك، لا لخطأ ارتكبته، بل لأنك تختلف معه أو تمتلك رؤية لا يستطيع تقبلها.
ليست كل مجاملة نفاقاً، لكن المشكلة تبدأ حين تحل المصلحة محل الصدق، والخوف محل المصارحة، والرغبة في الإقصاء محل الحوار فالاختلاف الناضج يسمح لك بأن تقول: لا أتفق معك، لكنني أحترم حقك في التفكير والتعبير.
لماذا نخشى أصحاب الفكر المستنير؟
المفكر المستنير لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل يبحث عنها ويناقش الأفكار ويراجع المسلمات ومع ذلك، قد يواجه حملات من السخرية والتشويه لمجرد أنه يطرح أسئلة غير مألوفة أو يكشف مواطن الخلل.
وهنا يجب أن نفرق بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، وبين مناقشة المتخصص ومحاولة إسكات صوته فالتخصص لا يمنح صاحبه حصانة من الخطأ، لكنه يستحق أن تناقش أفكاره بالدليل لا بالاتهامات.
وتعلمنا نظرية المعرفة أن السؤال عن مصادر المعرفة وحدودها وكيفية التحقق منها جزء أساسي من التفكير الواعي لذلك لا يكفي أن نقرأ معلومة، بل ينبغي أن نعرف مصدرها، ونختبر حجتها، ونقارنها بغيرها قبل إصدار الأحكام.
الاختلاف قوة لا تهديد
نحن بحاجة إلى ثقافة تجعل الحوار بديلاً عن التخوين، والنقد بديلاً عن التشهير، والبحث بديلاً عن الشائعات، ثقافة تعلّم أبناءنا أن السؤال ليس عيباً، وأن الاعتراف بالخطأ فضيلة، وأن قول «لا أعرف» قد يكون أكثر صدقاً من إطلاق أحكام بلا معرفة.
إن شبكات التواصل الاجتماعي أتاحت للجميع التعبير عن آرائهم، لكنها لم تجعل الجميع خبراء في كل شيء، فحرية الرأي حق، والتحقق من المعلومات مسؤولية، واحترام العقول لا يعني التنازل عن حق النقد.
في النهاية، ليست المشكلة أن نختلف، بل أن نفقد احترامنا لبعضنا حين نختلف، وقد تخفي الابتسامة العريضة بركاناً من الإقصاء، كما قد تخفي الثقة المفرطة نقصاً في المعرفة.
إن الفكر المستنير يبدأ حين ندرك أن ما نعرفه ليس كل المعرفة، وأن الاستماع ليس ضعفاً، وأن الاختلاف ليس عداءً، وأن الإنسان لا يكبر بإسكات الآخرين، بل بقدرته على التعلم منهم.
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية
اقرأ أيضاً
الفتنة الكبرى.. ضغوط التطبيع والتخلي الأمريكي عن السعوديةمن القاهرة إلى الرياض.. مثلث واشنطن وتل أبيب وطهران وأين العرب من صراع النفوذ؟
الحرب الحوثية على السعودية.. من اليمن إلى قلب الجزيرة العربية
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "





