تتزايد شعبية ملابس العمال التقليدية بين الأميركيين، حتى من يقضون ساعات عملهم خلف المكاتب، مع عودة السترات العملية وسراويل الجينز والأحذية المتينة إلى واجهة الموضة، في ظاهرة تعكس لحنين إلى الماضي.
وتشير البيانات إلى تراجع الوظائف اليدوية، كالتعدين والبناء والتصنيع، من 76 بالمئة من إجمالي القوى العاملة الأميركية عام 1910 إلى 25 بالمئة عام 2000، لكن ملابس هذه المهن تواصل حضورها بقوة في الأسواق.
وبحسب تقرير نشرته شبكة "سي إن إن"، يرتدي ملايين العاملين في الوظائف المكتبية قطعا مستوحاة من أزياء العمال، تشمل سترات العمل وسراويل الجيوب المتعددة والأحذية الثقيلة، التي تنتشر في المتاجر الكبرى وعواصم الموضة العالمية.
ولا تقتصر الظاهرة على استعادة مظهر قديم، بل تمتد إلى إعادة تعريف ملابس العمل نفسها، إذ يتناول محرر أزياء الرجال ديفيد هيلكفيست هذا التحول في كتابه المرتقب "حداثة الياقات الزرقاء"، مستعرضا تاريخ الملابس العملية وتطورها إلى اتجاه معاصر.
من المناجم والمصانع إلى منصات الموضة
تعود جذور كثير من قطع الملابس الرائجة حاليا إلى القرن 19، حين فرضت طبيعة العمل احتياجات محددة، مثل المتانة والراحة ومقاومة التمزق، وكان الجينز من أبرز الأمثلة، بعدما ارتبط بعمال المناجم في كاليفورنيا.
وفي عام 1873، سُجلت براءة اختراع المسامير النحاسية الصغيرة المستخدمة لتدعيم جيوب الجينز، بهدف تقوية الخياطة ومنع تمزق القماش. وتحولت هذه التفاصيل الوظيفية لاحقا إلى جزء أساسي من تصميم البنطال، حتى أصبحت سمة مألوفة في صناعة الأزياء الحديثة.
وامتد هذا الإرث لعلامات تجارية أخرى؛ فأحذية "دكتور مارتنز" استُلهمت من الأحذية العسكرية، بينما ظهرت سترات "باربور" الشمعية عام 1894، لتوفير حماية من الماء للعاملين بالصيد والملاحة البحرية.
وساعد الفنانون في مطلع القرن الـ20 على نقل هذه الملابس إلى سياقات جديدة، بعدما ارتدوا الأفرولات والجينز وسترات العمل لأسباب عملية وفنية، لتتحول هذه القطع تدريجيا إلى وسيلة للتعبير عن الاستقلال ومخالفة قواعد الموضة التقليدية السائدة.
وبرز الفنان الأميركي جاكسون بولوك مثالا على هذا التحول، حيث أظهرت صورة التُقطت داخل مرسمه عام 1949، ارتداءه الجينز وسترة العمل أثناء الرسم، بما يعكس ملاءمة هذه الملابس للحركة والأنشطة اليومية.
الحرب العالمية الثانية و"الجينز"
أسهمت الحرب العالمية الثانية في توسيع انتشار ملابس العمل الأميركية خارج حدود البلاد، بعدما ارتدى جنود أميركيون في الخارج ملابس الدنيم، التي وفرتها شركة "ليفايس" في كثير من الحالات. وحظيت الشركة باعتراف مجلس الإنتاج الحربي الأميركي خلال تلك الفترة.
وبعد انتهاء الحرب، ازداد انتشار الجينز في أوروبا، مدفوعا بالأفلام الأميركية التي ساعدت على ترسيخ صورته رمزا للشباب والتمرد، ومن بينها "عربة اسمها الرغبة" عام 1952، و"متمرد بلا قضية" عام 1955، ما عزز جاذبيته خارج بيئة العمل.
وفي عام 1959، كشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن اعتقال مراهق في برلين الشرقية بعد شرائه بنطال جينز أزرق من القطاع الغربي للمدينة، والحكم عليه بالسجن شهرين، في واقعة عكست آنذاك الأبعاد السياسية والثقافية التي اكتسبتها الملابس الغربية.
الحرفية والحنين وراء استمرار الظاهرة
ترى مؤرخة الموضة سونيا أبريغو أن جاذبية ملابس العمل ترتبط بالحنين إلى الماضي، فضلا عن الحرفية والمتانة اللتين تفتقدهما الملابس منخفضة التكلفة. كما قد يجد بعض المستهلكين في هذه القطع صلة بتاريخ عائلاتهم ومهن الأجيال السابقة.
ويشير هيلكفيست إلى أن هذه الأزياء تلبي طموحا يتجاوز المظهر الخارجي، إذ يرتبط ارتداء ملابس العمال بصورة الرجل القادر على إصلاح الأشياء وإنجاز المهام بيديه، كما تمنح أصحاب الوظائف المكتبية فرصة لتبني مظهر عملي يعكس الاستقلال والاعتماد على النفس.
وتستفيد علامات تجارية معاصرة من هذا الاتجاه، من بينها "أورالي" اليابانية، و"فيرا" البريطانية المتخصصة في الأزياء المستوحاة من الريف، و"إم إف بن" الدنماركية، التي تصنع بدلات مريحة باستخدام أقمشة فائضة عن الإنتاج، مع الحفاظ على الطابع العملي.
وتقدم علامة "سيرفيس ووركس" اللندنية نموذجا يجمع بين الاستخدام المهني والموضة؛ فقد تأسست عام 2020 على يد توم تشودلي، بعد أكثر من 10 سنوات من العمل في المطاعم، وتنتج سراويل الطهاة والمآزر والسترات والقمصان المصنوعة من خامات عملية.
لكن انتشار هذه الأزياء يثير تساؤلات بشأن التناقض بين ارتداء ملابس العمال والابتعاد عن طبيعة أعمالهم؛ إذ ينتقد البعض شراء قطع باهظة مستوحاة من ملابس العمال اليدويين، لاستخدامها في المكاتب.
belbalady
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" سكاي عربية "

