تابع قناة عكاظ على الواتساب
ليست كل الرسائل السياسية ما يُقال في المؤتمرات الصحافية، وإنما ما يراد للآخرين أن يفهموه منها. وحين يدعو المتحدث باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، مليشيا الحوثي إلى قراءة ما بين السطور، فالأرجح أن الرسالة تمتد إلى العواصم الإقليمية التي تمدهم بالسلاح والتقنيات، وتعتقد أن بإمكانها إدارة التصعيد من وراء الحدود، ثم النأي بنفسها عن عواقبه.
المعنى واضح. لا يمكن فصل من يطلق الصاروخ عمن مكنه من إطلاقه، ولا يجوز أن تتحول السعودية إلى هدف دائم، فيما يظن الداعمون أن المسافة الجغرافية توفر لهم حصانة من تبعات أفعالهم.
وهنا تكمن أهمية الرسالة السعودية، وهنا، أيضاً، ينبغي فهم حدود ضبط النفس في الرياض. هي لا تبحث عن حرب، لكنها ليست مستعدة للعيش الدائم تحت طائلة التهديد. والفرق بين الموقفين جوهري. فالدولة التي تدرك كلفة الحرب لا تتعجلها، لكنها لا تسمح للآخرين بأن يحولوا حرصها على الاستقرار إلى رخصة مفتوحة للاعتداء. ليس الصبر ضعفاً، لكن الصبر الذي يساء فهمه يحتاج إلى ما يصحح تفسيره.
ومن السهل على جماعة مسلحة أن تطلق مسيرة، أو أن تستهدف منشأة مدنية، ثم تنتظر رد الفعل. والأصعب أن تدرك أن الدولة، التي تواجهها، لا تتخذ قراراتها تحت ضغط الاستفزاز، ولا تكشف جميع خياراتها في اللحظة التي يريدها خصمها. لذلك فإن الخطأ الأكبر لدى مليشيا الحوثي، ومن يقف خلفها، هو الاعتقاد بأن ما ظهر من تعامل سعودي مع التهديدات يمثل سقف قدرتها، أو نهاية خياراتها.
فليس بالضرورة أن تكون المواجهة قد بلغت مداها. ربما ما ظهر، حتى الآن، مجرد وميض محدود من منظومة خيارات أوسع وأشد لم تُستخدم. وهذه المقاربة لا تحمل في طياتها قرعاً أعلى لطبول الحرب، وإنما تذكير هادئ بحقيقة ساطعة؛ عدم الرغبة في التصعيد لا تعني استحالته، ومن يملك القدرة الكاملة على الرد، يملك بالضرورة حق الاحتكار لتحديد توقيته، وشكله، ومداه المرسوم.
وفي هذا السياق، تتجاوز رسالة اللواء تركي المالكي التحذير العسكري التقليدي الموجه لأدوات محلية، لتخاطب شبكة التمكين الإقليمية بأكملها. إنها مواجهة مع بنية تحتية للتسليح والإسناد تجعل الاعتداءات أكثر تطوراً وخطورة، وتحاول عبثاً إطالة أمد الفوضى. ومن يراهن على أن المملكة ستظل منشغلة باعتراض الصواريخ والمسيرات، بينما تستمر خطوط الإمداد بالتدفق، يراهن على معادلة وهمية مآلها الحتمي السقوط.
لكن ثمة ما يفسر جانباً من ضبط النفس السعودي، ويجب ألا يغيب عن قراءة المشهد؛ سلامة المدنيين. فالمملكة، وهي تحسب خطواتها العسكرية، لا تنظر إلى مسارح العمليات باعتبارها قائمة أهداف صماء. وراء المواقع مدن، ووراء المدن بشر تمترست المليشيا بهم. وكلما اتسعت المواجهة، تعاظم شبح الضرر الذي قد يطال الأبرياء. ولذا فإن تجنب توسيع دائرة الأذى ليس عجزاً عن استخدام القوة، وإنما مسؤولية أخلاقية تفرضها الاعتبارات الإنسانية والقانونية، فضلاً عن الحسابات الإستراتيجية.
غير أن مراعاة المدنيين لا تعني منح المعتدي حصانة، ولا ينبغي أن يفسرها داعمو الحوثي على أنها قيد دائم يكبل قدرة المملكة على حماية أمنها. فور التصعيد وخطره يتحمله أولاً من بادر بالعدوان، ومن وفر له أسباب البقاء. ولا يمكن تحويل النبل الإنساني إلى وسيلة لابتزاز دولة تسعى إلى حمايتها.
هذه هي المعادلة، التي ينبغي أن تفهمها العواصم المعنية؛ السعودية تفضل الاستقرار، لكنها لن تقبل أن يبنى على استمرار تهديدها. خاصة أنها منحت التهدئة فرصتها، لكنها لم تتعهد بصبر بلا حدود. فبين ضبط النفس والتفريط مسافة، وبين تجنب الحرب والعجز عن خوضها مسافة أخرى.
والدول الواثقة لا تحتاج إلى الإعلان عن كل ما تستطيع فعله. يكفي، أحياناً، أن تترك الرسالة ناقصة، كي يفكر الطرف الآخر في الجزء الذي لم يقل. فالقوة أن يعرف الخصم بوجود الخيارات، وأن عدم استخدامها حتى الآن قرار، لا عجز.
لذا، فإن تحذير اللواء المالكي ليس فصلاً جديداً في مواجهة المليشيا. إنه تنبيه إلى من يظن أن بإمكانه مواصلة التصعيد من خلف الستار، ومن دون أن يتحمل تبعاته. والمطلوب ليس زيادة التوتر في المنطقة، وإنما أن يفهم من يغذي أسبابه أن ضبط النفس السعودي فرصة لتجنبه.
ومن يقرأ ما بين السطور جيداً، سيدرك أن أخطر ما في الصبر أن له نهاية يحددها صاحب القرار، بوضع النقطة، وإغلاق كتاب الاحتمالات.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "


