أخبار عاجلة

بالبلدي: من السماء إلى الشباك القاتلة.. رحلة الطيور المهاجرة التي تنتهي أحيانًا بلا عودة

تقطع الطيور المهاجرة آلاف الكيلومترات بحثًا عن مكان آمن تأكل فيه وتستريح، ثم تواصل رحلتها نحو أرض جديدة أو تعود في موسم آخر إلى المكان الذي ولدت فيه.

تطير فوق البحر وتعبر الصحارى، وتتبع ذاكرة غريزية عمرها آلاف السنين، حتى تصل إلى مصر تلك الأرض التي تبدو من السماء محطة نجاة، فإذا بها في بعض المواقع تتحول إلى نهاية الرحلة.

ان ننسي ذلك المشهد الحزين الذى رأيناه فى البرلس لطائر صغير أنهكه السفر جاء يبحث عن شجرة أو بقعة رطبة يستريح فيها لا يعرف أن شبكة رقيقة تكاد لا تُرى قد نُصبت أمام طريقه لتكون مقبرة له ولكل الطيور المهاجرة، التي بعضها ينجو وبعضها لا يجد من يحرره في الوقت المناسب وبعضها يصل إلى الصياد مصابًا أو نافقًا.

الأرقام العالمية تجعل هذا المشهد أكثر قسوة، ففي سبتمبر 2026 أصدرت منظمة BirdLife International أحدث تقرير عالمي متخصص كشف أن 45% من أنواع الطيور المهاجرة تتراجع أعدادها، وأن طائرًا مهاجرًا واحدًا من كل تسعة أنواع مهدد بالانقراض. كما أكد التقرير أن الضغوط البشرية ومن بينها الصيد غير المستدام وتدهور الموائل والزراعة المكثفة وتغير المناخ تقف وراء جانب كبير من هذا التراجع.

والأكثر إيلامًا أن عام 2025 شهد إعلان انقراض الكروان نحيل المنقار «Slender-billed Curlew»

في أول انقراض عالمي موثق لطائر في البر الرئيسي لأوروبا وشمال أفريقيا وغرب آسيا منذ قرون لتفقد طائر مهاجر كان يتكاثر في سيبيريا الغربية ويقضي الشتاء حول البحر المتوسط.

مصر جسر الطيور

إذا كان العالم يخسر الطيور على هذا النحو، فإن موقع مصر يجعل مسؤوليتها أكبر فمصر تمثل المعبر البري الوحيد بين أوروبا وآسيا وأفريقيا وتقع على طرق هجرة رئيسية تربط مناطق التكاثر في أوروبا وآسيا بمناطق الشتاء في أفريقيا.

ووفق بيانات جهاز شؤون البيئة، فإن مصر معبر لمئات الملايين من الطيور كل ربيع وخريف، فيما تقضي أعداد من الطيور الشتاء في المناطق الرطبة المصرية، ما يجعل البلاد محطة مهمة للطيور المائية. وفي مسار آخر شديد الأهمية، يمثل ممر وادي الصدع والبحر الأحمر أحد أهم مسارات الطيور الحوامة في العالم.

وتشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى عبور أكثر من مليوني طائر من 37 نوعًا لهذا المسار سنويًا، بينما تشير بيانات أطلس حساسية الطيور الحوامة في مصر إلى استخدام أكثر من مليوني طائر من نحو 53 نوعًا للجزء المصري من الممر كل عام.

أما على الساحل الشمالي فالقصة مختلفة، فمصر تقع على الطريق الذي تسلكه ملايين الطيور لعبور البحر المتوسط بين أوروبا وأفريقيا. وتوضح اتفاقية الأنواع المهاجرة التابعة للأمم المتحدة أن مصر وليبيا تقعان على طريق دولي مهم للهجرة، وأن ملايين الطيور تعبر المتوسط كل ربيع وخريف، لكن هذه الرحلة ليست بلا ثمن فبيانات جهاز شؤون البيئة تشير إلى أن نحو مليوني طائر يمكن أن تقع في شباك الصيادين خلال خريف واحد على ساحل البحر المتوسط المصري وهي بيانات منشورة على الموقع الرسمي لوزارة البيئة

الخطر

الخطر فى الشبكة الغير مرخصة كما يقول د شريف بهاء الدين الخبير الوطني للطيور والزواحف ورئيس الجمعية المصرية لحماية الطبيعة فالصيد غير المشروع نراه واقعا مؤلما فى الشباك التى تصيد الطيور بلا رحمة وممارسات نصب الشباك على أجزاء واسعة من الساحل المصري للبحر المتوسط سبق أن أثارت مخاوف دولية ولا يمكن النظر إلى القضية المصرية بمعزل عن الصورة الأكبر في حوض المتوسط. حيث تقدر BirdLife International أن أكثر من 25 مليون طائر يُقتل بصورة غير قانونية سنويًا في منطقة البحر المتوسط، بينما قدر تقرير أحدث نطاقًا أوسع للقتل أو الأخذ غير القانوني للطيور المهاجرة في أوروبا والمتوسط والقوقاز وشبه الجزيرة العربية بما بين 13.1 و42.7 مليون طائر سنويًا.

وهنا تتضح طبيعة المشكلة كما يقول بهاء الدين فالطائر الذي يسقط في شبكة على الساحل المصري ليس بالضرورة طائرًا «مصريًا». إنه جزء من رحلة دولية تبدأ في مكان وتنتهي في مكان آخر، وقد يعبر أكثر من دولة خلال دورة حياته.ولهذا فإن حماية الطيور المهاجرة لا يمكن أن تكون مسؤولية دولة واحدة، وإنما تحتاج إلى تعاون على امتداد مسارات الهجرة نفسها.

من الحوار إلى العمل

إذن لابد من العمل الذى بدأ فعليا من مصر بتأسيس الفريق المصري لمكافحة الصيد الجائر وغير القانوني للطيور تحت شعار «من الحوار إلى العمل المؤسسي المشترك لحماية الطيور والتنوع البيولوجي»، بمشاركة خبراء ومتخصصين وممثلين عن جهات حكومية وبرلمانية وأكاديمية وبحثية ومجتمع مدني وإعلام وجمعيات للصيادين.

ويتحرك الفريق عبر خمسة مسارات رئيسية أهمها مراجعة التشريعات والسياسات وآليات التنفيذ والامتثال والبحث العلمي والرصد، والبدائل الاقتصادية والسياحة البيئية والتمويل والتمكين المؤسسي وبناء القدرات، والتوعية والإعلام والقيم الأخلاقية والثقافية.

ويؤكد المهندس وحيد سلامة رئيس الفريق المصري لمكافحة الصيد غير القانوني للطيور أن الهدف لا يقتصر على إصدار التوصيات وإنما تحويل البيانات والملاحظات الميدانية إلى خطوات يمكن تنفيذها وقياس نتائجها.

ومن هنا جاءت الزيارات الميدانية ومنها زيارة منطقة البرلس التي تضمنت لقاء صيادين وأفراد من المجتمع المحل والاستماع إلى رؤيتهم والاطلاع على بعض ممارسات الصيد وسلاسل تجارة الطيور وعدد من الصيادين فنحن لسنا ضد الصيد ورزق الصياد لكننا ضد الاستنزاف للموارد والصيد غير المشروع

والقضية هنا ليست في تحويل الصياد إلى متهم لمجرد أنه يمارس مهنة أو نشاطًا له جذور اجتماعية واقتصادية، وإنما في السؤال عن كيفية ممارسة الصيد وحدوده وأدواته وحجم ما يتم اصطياده. فالصيد المنظم والمصرح به يختلف جذريًا عن استخدام وسائل غير انتقائية، أو الاتجار غير القانوني، أو استهداف أعداد ضخمة من الطيور، أو العمل ضمن شبكات منظمة تتجاوز قدرة الطبيعة على تعويض ما يُفقد منها.

وترى الناشطة في مجال حماية البيئة دينا ذو الفقار ضرورة إعادة طرح منع الشباك بصورة جادة، معتبرة أن الشباك بطبيعتها وسيلة غير انتقائية، وأن فكرة التقاط الطائر ثم إطلاق الأنواع غير المسموح بصيدها تثير إشكالات عملية. وتطرح ذو الفقار سؤالًا جوهريًا كيف يمكن ضمان أن الطائر الذي يقع في الشبكة هو النوع المسموح به، وأن الطائر المحمي سيتم تحريره بسرعة ودون إصابة.

وتضيف أن الدراسات العلمية الخاصة بالشباك تؤكد بالفعل أن التشابك قد يسبب إصابات للطيور، وأن حجم الضرر يختلف وفق نوع الشبكة وطريقة استخدامها ومدة بقاء الطائر فيها ومدى سرعة تدخل الشخص المدرب.

أما المشكلة الأكبر فتظهر عندما تُستخدم الشباك في صيد تجاري أو غير منضبط، خاصة إذا اقترنت بوسائل جذب للطيور. وهنا يصبح النقاش حول أجهزة الصوت مهمًا أيضًا، فالقرار المصري يحظر استخدام أجهزة الصوت في صيد الطيور، لأن جذب الطيور إلى موقع الصيد يمكن أن يزيد من حجم الأسراب التي تصل إلى منطقة الشباك.

جهود حكومية

الدولة تدخل على خط المواجهة فخلال الفترة الماضية كانت هناك حملات لتنفيذ القرار الوزاري رقم 559 لسنة 2026 بشأن تنظيم أعمال الصيد وحماية الطيور المهاجرة حيث أعلنت وزارة التنمية المحلية والبيئة إزالة 2000 متر من شباك الصيد في المحميات الشمالية منذ بدء تنفيذ القرار مع استمرار حملات الرصد والإزالة خلال موسم الهجرة.

والتى أسفرت عن إزالة نحو 6600 متر من شباك الصيد المخالفة، وتحرير نحو 2100 طائر مهاجر حي من داخل الشباك وإعادتها إلى بيئتها الطبيعية إلى جانب ضبط 6 أجهزة صوت و10 مناصب مخيط.

وتأتي هذه الإجراءات بعد حوار مجتمعي نظمته الوزارة في سبتمبر لمناقشة تنظيم صيد الطيور المهاجرة، بمشاركة منظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة، بهدف الوصول إلى تنظيم يجمع بين حماية الطيور وتنظيم الصيد المستدام.

المعركة الحقيقية

المعركة الحقيقية لا تبدأ عندما يجد المفتش شبكة منصوبة، وإنما قبل ذلك كما يقول الدكتور خالد النوبى عضو الفريق المصرى لمكافحة الطيور والذى كان إطلاقه حدثًا طال انتظاره باعتباره ينقل مسؤولية حماية الطيور والكائنات البرية من نطاق المهتمين بالبيئة والجمعيات المتخصصة إلى مطلب وطني تشارك في تحقيقه جهات وقطاعات متعددة، تضم الأكاديميين وممثلي مجلسي النواب والشيوخ والمؤسسات الدينية والإعلام والمجتمع المدني.

وأشار النوبى إلى أن الفريق يمثل نموذجًا للعمل الجماعي لحماية كائنات لا تملك صوتًا للدفاع عن نفسها، مؤكدًا أن حماية هذه الكائنات مسؤولية وأمانة، خاصة في ظل التراجع العالمي لأعداد الطيور، لافتًا إلى ما أظهره تقرير حديث لمنظمة «بيرد لايف إنترناشونال» بشأن حالة الطيور من مؤشرات مقلقة، بينها أن نحو نصف أنواع الطيور في العالم تشهد تراجعًا في أعدادها، وأن نوعًا من كل ثمانية أنواع مهدد بالانقراض، إلى جانب تأثير التوسع الزراعي غير المنضبط والصيد الجائر على أعداد كبيرة من الطيور.

وأضاف النوبي أن الجمعية المصرية لحماية الطبيعة ستعمل خلال المرحلة المقبلة على تقديم الدعم الإداري والتنظيمي والفني للفريق الوطني، والمساهمة في توفير التمويل اللازم لتنفيذ خارطة الطريق الوطنية التي جرى إعدادها، مؤكدًا أن الفريق يضم خبرات تم اختيارها من بين أكثر من 35 مشاركًا وضعوا ثقتهم في المجموعة التي تتولى قيادة هذا المسار. وكشف عن الإعداد لتنفيذ مبادرة ميدانية خلال موسم الصيد الحالي تحت عنوان «دعوة إلى ميثاق شرف»، تستهدف مناطق محددة بالساحل الشمالي الغربي، خاصة مطروح والضبعة ورأس الحكمة، للتعامل مع ممارسات الصيد غير الرشيد للطيور، من خلال التواصل مع الصيادين ووجهاء وشيوخ المجتمعات المحلية، وطرح مفهوم طوعي يقوم على الرحمة وعدم الإسراف والحفاظ على الطيور، بدلًا من الاقتصار على البعد القانوني، موضحًا أن المبادرة تستهدف الوصول إلى تفاهمات مجتمعية للحد من الممارسات التي تؤدي إلى صيد أعداد كبيرة من الطيور، خاصة العصافير الصغيرة، مع التأكيد على أهمية الطيور في التوازن البيئي ومساهمتها في الحد من الآفات الزراعية.

فيما أكد دكتور محمود بكر أن المرحلة المقبلة ستشهد العمل على فتح المجال أمام شراكات ومبادرات تسهم في تحقيق أهداف خارطة الطريق الوطنية لمكافحة الصيد غير القانوني للطيور للفترة 2026- 2030، مؤكدًا أهمية تكامل الأدوار بين الجهات الحكومية والمجتمع المدني والباحثين والإعلام والمجتمعات المحلية.

وقال منسق لجنة الإعلام والتوعية بالفريق المصرى لمكافحة الصيد الجائر إن حماية الطيور المهاجرة تمثل قضية بيئية وبيولوجية مهمة، موضحًا أن ملايين الطيور المهاجرة تعبر القارات سنويًا في رحلات تمتد لآلاف الكيلومترات بحثًا عن الغذاء والدفء، وتمثل ثروة بيولوجية ومؤشرًا مهمًا على سلامة النظم البيئية، إلا أن هذه الرحلات تواجه تهديدات نتيجة الصيد الجائر وتدهور وتدمير موائلها.

اقرأ أيضاً
خلال رحلته لإفريقيا.. طائر بقدم واحدة يعبر آلاف الأميال ويتوقف بشرم الشيخ

في يوم البيئة الوطني 2026.. .حملة مكبرة لإنقاذ مانجروف جزيرة أبو منقار من التلوث البلاستيكي

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" الأسبوع "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: السجن المشدد 5 سنوات لمتهم بالاتجار في الحشيش ومقاومة ضباط مكافحة المخدرات بحلوان
التالى بالبلدي: دار مصعب بن عمير تحتفل بحفظة القرآن الكريم للعام السادس على التوالي

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
✨ ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك ➔
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا
إعلان
إعلان
إعلان RedotPay