انتشر مقطع يوثق قيام شركة تمويل بسحب سيارة مؤجرة تمويلياً منتهية بالتمليك من أمام منزل أحد السكان في الرياض ليلاً، قبل أن يفاجأ رب الأسرة صباحاً باختفاء المركبة أثناء استعداده لإيصال أبنائه إلى مدارسهم، لتعيد الواقعة إلى الواجهة الجدل حول آلية استرداد المركبات المتعثرة في السداد، وحدود حق جهات التمويل في السحب، وما قد يترتب على ذلك من تعطيل لمصالح الأسر، فضلاً عن الآثار النفسية والاجتماعية.
الواقعة ليست الأولى من نوعها، إذ تتكرر عبر منصات التواصل الاجتماعي شكاوى ومقاطع مرتبطة بسحب المركبات، وسط مطالبات بمراعاة ظروف المتعثرين، وضمان حفظ حقوق جميع الأطراف وفق الإجراءات النظامية.
ويرى فهد العتيبي لـ«عكاظ»: ضرورة تطوير صيغة العقود بين الأطراف بما يحفظ الحقوق قانونياً وإنسانياً، فيما يقول محمد أحمد لـ«عكاظ»: إنه فوجئ ذات يوم بإحدى شركات التمويل تسحب سيارة جاره، فحاول إقناع القائمين على السحب بالانتظار لوجود مقتنيات ثمينة داخل المركبة إلا أن محاولاته لم تفلح.
الملكية لا تبرر الاسترداد
في ظل الجدل المتجدّد، أكد مختصون لـ«عكاظ»، أن ملكية جهة التمويل للمركبة لا تعني استردادها بأي وسيلة، وشدّدوا على أهمية الالتزام بالإجراءات النظامية، بالتوازي مع مراعاة الأبعاد النفسية والاجتماعية التي قد تترتب على السحب المفاجئ للمركبة، خصوصاً عندما تكون وسيلة الأسرة الأساسية للعمل والتعليم وقضاء حاجاتها اليومية.
ويرى المستشار القانوني الدكتور وليد العتيبي، أن سحب المركبات المؤجرة تمويلياً دون الالتزام بالإجراءات النظامية يثير إشكالية قانونية تمس حقوق المستأجر وحمايته من التعسف، موضحاً لـ«عكاظ»: أن ملكية جهة التمويل للمركبة لا تمنحها الحق في استردادها بأي وسيلة.
وبيّن أن المادة 25 من نظام الإيجار التمويلي أجازت للمؤجر استرداد الأصول المنقولة، متى تضمن العقد حقه في ذلك، على أن يتم الاسترداد من خلال شركات متخصصة مرخصة من وزارة العدل، ووفقاً لنظام التنفيذ.
إيضاح شروط التعثر
الدكتور العتيبي أضاف، أن العبرة ليست بمجرد وجود حق في استرداد المركبة، وإنما بطريقة ممارسة هذا الحق؛ إذ لا يجوز أن تتحول العلاقة التعاقدية إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع أو سلب المستأجر حيازته خارج الإطار النظامي. وقال إن مباشرة موظفي جهة التمويل سحب المركبة بأنفسهم، دون الرجوع إلى الجهات المختصة، قد ترتب مسؤولية نظامية، وفقاً للتعليمات المنظمة لاسترداد الأصول المنقولة.
وأكد أن حماية حقوق جهات التمويل لا تتعارض مع حماية المستأجر، بل تتطلب تحقيق التوازن بين الطرفين، من خلال وضوح شروط التعثر، والإشعارات، وإجراءات الاسترداد، والتسوية المالية المترتبة على إنهاء العقد.
واختتم الدكتور العتيبي، بالتأكيد على أن الملكية تمنح الحق، لكن النظام هو الذي يحدد طريقة استخدامه، وأن احترام الإجراءات النظامية يمثل ضمانة أساسية للعدالة التعاقدية والحد من المنازعات.
مخالفة للمادة الـ25
المحامي سلطان المقاطي يرى أن التخلف عن سداد الأقساط لا يمنح الحق لشركة التمويل بسحب السيارة مباشرة إلا بعد التخلف عن السداد خلال المدة المنصوص عليها، وفقاً للمادة السادسة من ضوابط وإجراءات طلب وإصدار مستخرجات السند التنفيذي لعقد الإيجار التمويلي، ومن ضمنها إشعار المستأجر بالسداد، أو أن يكون السحب بأمر قضائي، خلاف ذلك يعد مخالفة للمادة الـ25، الفقرة الأولى، من نظام الإيجار التمويلي، التي نصت على أنه إذا لم تسلم الأصول الثابتة المؤجرة في الأحوال المنصوص عليها في هذا النظام، وقال لـ«عكاظ»: للمؤجر تقديم طلب إلى المحكمة المختصة لإصدار حكم بتسليم الأصل المؤجر، على أن يبت في الطلب خلال مدة أقصاها 30 يوماً من تاريخ تقديمه.
المفاجأة ترفع القلق
المختص النفسي الدكتور عبدالله بن أحمد الوايلي يقول لـ«عكاظ» في مستهل حديثه يجب أن نشير إلى حق الشركة في تحصيل مستحقاتها، وهذا حق تعاقدي تحكمه الأنظمة والعقود، وما يهم هنا هو توضيح ماهية الناحية النفسية للطريقة التي مورس بها هذا الحق وتأثيرها النفسي والاجتماعي على العميل وأسرته، إذ إنه ليس مجرد رقم في نظام التحصيل الاقتصادي، بل إنسان له ظروفه الخاصة والعامة التي قد جعلته مضطراً للتأخر في السداد، وبالتالي قد يكون التعثر خارجاً عن إرادته، إما لتأخر راتبه مثلاً أو غير ذلك كالظروف الصحية، سواءً كانت عضوية أو نفسية أو أي شيء آخر من المواقف الاجتماعية المختلفة.
وفي هذا الإطار تتضح أهمية التمييز بين التعثر المالي وسوء النية، لأن الألم النفسي أشد من الألم الجسدي على الإنسان.
صدمة.. قلق.. ارتباك
الوايلي يرى، أن التعامل النفسي الأخلاقي أهم وأجمل وأكثر احتراماً للطبيعة البشرية، وله تأثير وجداني إيجابي عميق يجعل رد فعل العميل إيجابياً نحو المشكلة نفسها. وأكد أن التأخر في السداد لا يعني الرفض وعدم المسؤولية، ومن البديهي أن المفاجأة ترفع من مستوى التوتر، ويصاب الفرد بالصدمة وارتباك وقلق. فالسيارة هنا ليست مجرد آلة للرفاهية، بل وسيلة اجتماعية مهمة يتم من خلالها قضاء الحاجات الضرورية بالحياة، وأشار إلى أنه يجب الأخذ في الحسبان بأن سحب السيارة يعتبر عقوبة سببت اضطراباً في نمط حياة أسرة بأكملها، مما أشعرهم بعدم الأمان النفسي والاجتماعي، خصوصاً إذا كان ذلك السلوك قد تم دون حكم قضائي مسبق.
ولفت الوايلي، إلى أنه من البديهي أن تصبح الخصوصية جزءاً من المعادلة، فالجانب الاجتماعي لا ينبغي تجاهله نهائياً، إذ إن الفيديو يوضح كيف تحولت المشكلة المالية الخاصة بين الشركة والعميل إلى مشهد عام قاد العميل للشعور بالحرج، وهذا عامل سلبي في التعامل المؤسسي، لأن تحصيل الحقوق المالية لا يعني بالضرورة تعريض الإنسان للإحراج.
وراء كل عقد أسرة
الأخصائية الاجتماعية آلاء عبدالقادر تقول لـ«عكاظ»: إنه حين تتعامل بعض الجهات مع الإنسان بوصفه ملفاً أو عقداً فقط، قد تغيب عنها حقيقة أساسية، وهي أن وراء كل إجراء حياة كاملة تتأثر به.
وأوضحت أنه من منظور اجتماعي، فإن التعامل مع مثل هذه المواقف لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره إجراءً مالياً أو تعاقدياً فقط، لأن أثره قد يمتد إلى الأسرة والمجتمع بصورة أكبر مما يبدو. وأضافت أن وسيلة النقل اليوم أصبحت جزءاً من منظومة الاستقرار الأسري، ترتبط بالعمل والتعليم والرعاية الصحية والالتزامات اليومية، وأي إجراء مفاجئ يمسها قد يربك هذه المنظومة، خصوصاً عندما تكون الأسرة أصلاً تحت ضغط مالي أو اجتماعي.
وترى آلاء، أن شعور الفرد بأن حقوقه قد تمس دون وضوح أو دون منحه فرصة كافية لمعرفة الإجراء والتعامل معه، قد يولد الإحباط وفقدان الثقة، ليس فقط تجاه الجهة المعنية، وإنما تجاه المنظومة التي يفترض أن تحمي العلاقة بين الطرفين.
وأكدت أن من هنا تأتي أهمية الالتزام بالإجراءات النظامية، ليس باعتبارها متطلباً قانونياً فحسب، وإنما كوسيلة لحماية الاستقرار الاجتماعي وتقليل الأثر النفسي والاقتصادي على الأسر.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن المؤسسات لا تتعامل مع عقود وملفات فقط، بل مع حياة أشخاص وأسر تتأثر بقراراتها.
ما رأي الإعلام؟
الأستاذ المساعد في قسم الإعلام بجامعة الطائف الدكتورة بشاير كامل الحرازي، قالت لـ«عكاظ»: إن دور الإعلام في مثل هذه القضايا يبدأ من عرض المشكلة كما هي، لكنه لا يتوقف عند المقطع المتداول أو عند رواية طرف واحد.
في هذه الحالة مثلاً، لدينا عميل فوجئ بسحب مركبته، وهنا مسؤولية الإعلام أن يبحث فيما وراء هذه الواقعة: هل تم إشعاره مسبقاً؟ هل اتُّبعت الإجراءات النظامية؟ وما رد الشركة والجهة المختصة؟
وأوضحت أن الأهم هو أن الإعلام عندما يطرح مثل هذه الحالات لا يطرحها فقط باعتبارها قصة فردية، وإنما باعتبارها قضية قد يتعرّض لها عملاء آخرون، وبالتالي يوضح للناس حقوقهم والتزاماتهم، ويكشف أي قصور في الإجراءات أو في تطبيقها إن وُجد، للوصول إلى المعلومة الصحيحة، وإيصال صوت جميع الأطراف، وتسليط الضوء على موضع الخلل تحديداً، ثم متابعة القضية حتى نعرف، هل هناك خطأ يحتاج إلى تصحيح؟ أم أن المشكلة ناتجة عن عدم وضوح الإجراءات للعميل.
وأكدت أنه يجب أن يكون الطرح متوازناً، لأن حق العميل في معرفة الإجراءات وحمايته من أي ممارسة خاطئة لا يلغي حق الشركة في تحصيل مستحقاتها، واختتمت بالتأكيد على أن الهدف في النهاية ليس إثارة القضية فقط، وإنما أن يخرج الجمهور منها وهو أكثر وعياً بحقوقه والتزاماته، وأن تسهم المعالجة الإعلامية في تصحيح أي ممارسة خاطئة ومنع تكرارها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "



