لماذا تمنع الولايات المتحدة محمود عباس والوفد الفلسطيني من دخول نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة ثم تسمح في الوقت نفسه للوفد الإيراني بالحضور وإلقاء كلمته من قلب المنظمة الدولية.
السؤال هنا ليس متعلقًا بتأشيرة دخول أو بإجراء بروتوكولي عابر، القضية أكبر من ذلك بكثير.
إنها تتعلق بموازين القوة داخل النظام الدولي وبمن يملك حق الدخول إلى منصة الأمم المتحدة ومن يستطيع أن يتحدث ومن يمكن أن يطلب منه العالم أن يتحدث عن بعد.
المفارقة أن إيران التي تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة تجد وفدها حاضرًا في نيويورك بينما يمنع الرئيس الفلسطيني محمود عباس من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة، وهنا يصبح السؤال سياسيًا قبل أن يكون قانونيًا.
إذا كانت واشنطن تقول إن الأمر مرتبط بالتزامات السلطة الفلسطينية وسياستها تجاه إسرائيل والمحاكم الدولية، فإن النتيجة السياسية تبدو واضحة وهي أن الولايات المتحدة تتعامل مع الملف الفلسطيني باعتباره ملفًا يمكن التحكم في أدواته الدبلوماسية وفق حساباتها الخاصة
لكن عندما يتعلق الأمر بإيران فإن حسابات أخرى تدخل إلى المعادلة
إيران دولة ذات سيادة وعضو كامل في الأمم المتحدة وتخوض صراعًا مباشرًا مع الولايات المتحدة
أما فلسطين فهي دولة مراقب في الأمم المتحدة وليست عضوًا كامل العضوية
ومع ذلك فإن المفارقة السياسية أن الطرف الذي يبدو أقرب إلى واشنطن في بنية النظام الدولي يجد نفسه ممنوعًا من الوصول إلى المنصة بينما الطرف الذي تقف واشنطن في مواجهته يستطيع أن يصل إليها
وهنا نصل إلى جوهر المسألة
ماذا بقي من فكرة التسوية السياسية الفلسطينية إذا كانت السلطة التي اختارت طريق المفاوضات والاعتراف المتبادل والاتفاقات الدولية تجد نفسها في النهاية أمام أبواب مغلقة
من مدريد إلى أوسلو تغيرت خريطة القضية الفلسطينية
وفي أوسلو حدث تحول تاريخي عندما انتقلت منظمة التحرير الفلسطينية من موقع الحركة التي تواجه إسرائيل إلى شريك في مسار سياسي يعترف بإسرائيل ويفتح الباب أمام قيام سلطة فلسطينية على أجزاء من الأراضي الفلسطينية.
ثم جاءت سنوات طويلة من المفاوضات والاتفاقات والوعود، لكن الدولة الفلسطينية الكاملة لم تولد، والسيادة لم تكتمل، والقدس بقيت في قلب الصراع، والاستيطان استمر، والحدود النهائية لم تحسم، والنتيجة أن السلطة الفلسطينية وجدت نفسها في منطقة رمادية، ليست دولة كاملة السيادة ولا مجرد حركة تحرر، تمارس بعض وظائف الدولة لكنها لا تملك كل أدوات الدولة.
توقع الاتفاقات لكنها لا تستطيع فرض تنفيذها، تدخل المنظمات الدولية لكنها لا تملك القوة التي تحمي قراراتها، وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
كلما اقترب الفلسطينيون من أدوات القانون الدولي ظهرت أدوات سياسية مضادة، وكلما عادوا إلى طاولة المفاوضات عاد السؤال القديم: ماذا بقي من الأرض وماذا بقي من السيادة؟
ولذلك فإن منع عباس من الوصول إلى الأمم المتحدة لا يمكن قراءته منفصلًا عن هذا التاريخ الطويل.
إنه يكشف هشاشة الموقع الفلسطيني في النظام الدولي، فالولايات المتحدة هي الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة في نيويورك وهي ملزمة بموجب اتفاق المقر بتسهيل وصول ممثلي الدول إلى المنظمة الدولية مع وجود خلاف قانوني وسياسي حول حدود الاستثناءات التي تستند إليها واشنطن
لكن الجمعية العامة ردت على القرار الأمريكي بطريقة مختلفة، 152 دولة صوتت لصالح السماح للرئيس الفلسطيني بالمشاركة عبر تسجيل مصور
وهنا ظهرت صورة أخرى، الولايات المتحدة تستطيع أن تمنع الوصول الجغرافي إلى نيويورك لكنها لا تستطيع منع القضية الفلسطينية من الوصول إلى قاعة الأمم المتحدة
هذه هي المفارقة، فلسطين قد تغيب عن المقعد لكنها لا تغيب عن جدول أعمال العالم
وهذا يعيدنا إلى عام 1988، في ذلك الوقت مُنع ياسر عرفات من دخول الولايات المتحدة لإلقاء خطابه أمام الجمعية العامة، فلم يتراجع العالم عن الاستماع إليه، بل انتقلت الجمعية العامة إلى جنيف، وهناك وقف عرفات أمام العالم وألقى خطابه.
كان المشهد في ذلك الوقت يحمل دلالة سياسية كبيرة، فالمنصة الدولية لم تسمح لمنع التأشيرة الأمريكية بأن يتحول إلى منع للصوت الفلسطيني، واليوم تتكرر الصورة ولكن بوسائل مختلفة.
في عام 1988 انتقلت المنصة إلى جنيف، وفي عام 2026 انتقل الصوت إلى الشاشة، وبين جنيف والتسجيل المصور نحو أربعة عقود من التاريخ الفلسطيني
لكن السؤال نفسه ما زال قائمًا: لماذا ما زالت فلسطين بحاجة إلى البحث عن طريق بديل للوصول إلى منصة يفترض أنها منصة العالم كله؟.
الأخطر أن هذه الأزمة تأتي في لحظة تتغير فيها خريطة الاعتراف الدولي بفلسطين، فعدد كبير من دول العالم أصبح يعترف بالدولة الفلسطينية أو يتحرك في هذا الاتجاه، وهذا يعني أن القضية لم تعد مجرد قضية تفاوض ثنائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لقد تحولت إلى قضية دولية كاملة الأركان، ومن هنا يمكن فهم حساسية التحرك الأمريكي، فالمعركة لم تعد فقط على الأرض، إنها أيضًا معركة على الرواية والشرعية والاعتراف الدولي.
ومن يملك حق الحديث باسم المستقبل، الولايات المتحدة تنظر إلى المسألة من زاوية مختلفة.
هي تريد أن تظل عملية التسوية مرتبطة بمسار سياسي يمكن التحكم في إيقاعه وشروطه.
بينما يرى الفلسطينيون أن استمرار الاحتلال وتراجع فرص الحل السياسي يدفعانهم إلى توسيع المعركة داخل المؤسسات الدولية.
وهنا تصطدم الرؤيتان
الرؤية الأمريكية تريد إبقاء الملف داخل إطار تفاوضي
والرؤية الفلسطينية تريد استخدام القانون الدولي والاعترافات الدولية كأدوات ضغط
وبينهما يقف شعب فلسطيني يبحث منذ عقود عن دولة كاملة السيادة
أما المقارنة مع إيران فتكشف جانبًا آخر من السياسة الدولية، العلاقات بين الدول لا تتحرك دائمًا وفق منطق الصداقة والعداء.
أحيانًا تتحرك وفق الضرورة، فالولايات المتحدة تستطيع أن تكون في حالة مواجهة عسكرية مع إيران وفي الوقت نفسه تسمح لوفدها بالوصول إلى الأمم المتحدة لأن وجود الوفد الإيراني داخل المؤسسة الدولية يخضع لقواعد العمل الدبلوماسي ويتيح إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
أما القضية الفلسطينية فتتعامل معها واشنطن باعتبارها جزءًا من صراع سياسي أكثر ارتباطًا بإسرائيل وبمستقبل التسوية في الشرق الأوسط
وهنا يصبح السؤال أكبر من محمود عباس، وأكبر من الإدارة الأمريكية، إنه سؤال عن طبيعة النظام الدولي نفسه.
هل الأمم المتحدة مكان تتساوى فيه الدول أمام القانون؟
أم أن الجغرافيا السياسية للقوة تستطيع أن تحدد من يدخل ومن يتحدث وكيف يتحدث؟
التاريخ يقول إن الأمم المتحدة لم تكن يومًا منفصلة عن موازين القوة، لكن التاريخ نفسه يقول إن الدول الكبرى تستطيع تعطيل بعض المسارات لكنها لا تستطيع دائمًا إلغاء القضايا.
منعت واشنطن عرفات من نيويورك فذهب الخطاب إلى جنيف، واليوم تمنع عباس من نيويورك فيأتي الخطاب عبر الشاشة، لكن القضية الفلسطينية تظل موجودة.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس لماذا مُنع عباس فقط، بل إلى متى يمكن أن تبقى القضية الفلسطينية محكومة بهذه المعادلة؟.
معادلة سلطة مطالبة بالاعتراف بالتسويات والاتفاقات الدولية، لكنها لا تملك أدوات السيادة الكاملة.
ومع كل أزمة جديدة يتضح أن المعركة الحقيقية ليست فقط على حدود دولة فلسطين، بل على معنى الدولة نفسها، وعلى من يملك حق تمثيل شعب وعلى من يملك حق الوصول إلى منصة العالم.
لقد تغيرت الخرائط منذ مدريد وأوسلو، لكن السؤال الفلسطيني لم يتغير، متى تتحول فلسطين من قضية تبحث عن مقعد في قاعة الأمم المتحدة إلى دولة تملك مقعدها وسيادتها وحدودها وقرارها. «كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية»
اقرأ أيضاً
هل تنتصر لغة الحكمة قبل أن تتسع دائرة النار
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "






