إبراهيم نصر
إبراهيم نصر
يتسابق العالم اليوم في تشييد الصروح، وبناء المدن الحديثة، وتطوير الأدوات التي تضمن للإنسان أرغد سبل العيش وأيسرها. غير أن هذا التقدم المادي الهائل، على أهميته البالغة، يظل ناقصًا ومبتورًا إن لم يرافقه بناء حقيقي لأصل هذه الحضارة ومحركها الأساسي وهو الإنسان. فالعمران الحقيقي في المنظور الإسلامي لا يقاس بصلابة الأحجار ولا بشاهق البنيان، بل بسلامة النفوس، وسكينة الروح، وطمأنينة القلوب، واستقامة السلوك والأخلاق.
إن الطمأنينة النفسية ليست ترفًا ذهنيًّا أو مطلبًا ثانويًّا، بل هي ركيزة أساسية لاستقرار المجتمعات وإثمار طاقاتها البناءة.
وفي ظل هذا التسارع المعاصر، وما يرافقه من ضغوط معيشية وقلق متزايد حول المستقبل، تأتي المنظومة الإيمانية لتقدم سكنًا روحيًّا يعيد للتوازن الإنساني نصابه. إنها الرؤية التي تجمع بين الأخذ بالأسباب والعمل الجاد، وبين التفويض والرضا بالقضاء والقدر، مصداقًا لقوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. فهذا الذكر والصلة الإيمانية هما العاصم الحقيقي من الهلع والإحباط عند مواجهة التقلبات والأزمات.
لذا فإن عملية بناء الإنسان تبدأ من الداخل، بتغذية عقله بالوعي والفكر المستقيم، وروحه بالسكينة والإيمان. والعبادات في جوهرها لم تشرَّع لتكون أفعالاً ظاهرية أو طقوسًا مجردة، بل لتربية النفس على ضبط الذات وتزكيتها. وفي هذا المعنى يحدد النبي صلى الله عليه وسلم الغاية الكبرى من رسالته ونبواته فيقول: «إنَّما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ» (أخرجه الإمامان أحمد في المسند، والبخاري في الأدب المفرد)، ليؤكد أن العبادة والممارسة الإيمانية إنما تجد ثمرتها الحقيقية في تهذيب الأخلاق واستقامة المعاملة مع الناس.
ومن جهة أخرى، ينعكس هذا البناء الداخلي تلقائيًّا على السلوك الخارجي والممارسة اليومية، فالإنسان السوي نفسيًّا والمستقر روحيًّا هو الأكثر قدرة على العطاء، والتسامح، والتكافل مع مجتمعه. هو البناء الذي يعمر الأرض بأخلاقه قبل يده، حريصًا على النفع العام وإصلاح مجتمعه كما وجهنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: «إنْ قامَتِ السَّاعَةُ وبِيَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فإنِ اسْتَطاعَ أنْ لا تَقُومَ حتَّى يَغْرِسَها فَلْيَفْعَلْ» (أخرجه الإمامان: أحمد، والبخاري)، وهو توجيه نبوي محكم للبناء والعطاء المستمر حتى في أشد الظروف صعوبة وحرجا.
ولا يقتصر هذا البناء على الفرد وحده، بل يمتد ليشمل مسؤولية حماية الأفراد من كل ما يزعزع استقرارهم النفسي أو الأخلاقي، وتعميق قيم الأمانة والمواطنة الصالحة. وفي هذا السياق يبرز الحديث الشريف الذي يحدد المسؤولية التضامنية داخل المجتمع: «كُلُّكُمْ راعٍ وكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عن رَعِيَّتِهِ» (أخرجه الإمامان البخاري ومسلم في صحيحيهما)، ليكون أصلاً في حراسة القيم وتربية الجيل على الخُلُق القويم.
من هنا يتضح أن الاستثمار في قيم الإنسان وتربية النفوس على الصبر واليقين هما الضمانة الحقيقية لحماية العمران المادي من التآكل أو الفساد، إذ لا قيمة للمباني الفخمة والمدن الحديثة إن خلت من نفوس قائمة على الحق والعدل والأمانة.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه مجتمعاتنا اليوم هو إعادة ترتيب الأولويات، بحيث يتوازى التطوير المادي مع العناية ببناء الإنسان من الداخل. فالأمم لا تخلد بضخامة بنيانها، بل برسوخ قيمها وسكينة أرواح أبنائها، وحين يمتلك الإنسان طمأنينة الروح ووعي العقل، يصبح قادرًا على صناعة العمران وتوجيهه لما فيه خير البشرية ونفعها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" الأسبوع "






