خلال عقدين، تحوّل الحوثيون من جماعة دينية في شمال اليمن إلى فاعل دون الدولة يتحكم في عاصمة البلاد صنعاء، ويهدد واحدا من أهم ممرين ملاحيين في العالم، باب المندب، هذا المسار يطرح سؤالًا يتكرر هل الجماعة وكيل إيراني، أم قوة يمنية مستقلة توظّف الدعم الإيراني لخدمة مصالحها.
تبدو الإجابة الجاهزة عن “الوكالة الكاملة” مريحة ورائجة إعلاميًا، لكنها تُسقط تاريخ الحوثيين وجذورهم الاجتماعية وصبغتهم السياسية، أما الإجابة المضادة، الاستقلال التام، فإنها تتجاهل حجم الاعتماد العسكري والتقني على طهران، والذي بلغ ذروته خلال الحرب الامريكية الإسرائيلية على إيران هذا العام 2026.
لتحديد موقع الحوثيين من إيران، يعتمد هذا التقرير تحليل أربعة مقاييس لتكشف درجة استقلال الجماعة عن إيران في كل مرحلة من مراحل تطورها، وهو يتتبع بالضرورة نشأة الجماعة وانخراطها في الشأن الإقليمي وموقع طهران، ويقيس مدى الاستقلال ماليا وعملياتيا وسياسيا.
الحوثيون حركة يمنية قبل أن تكون مشروعًا إيرانيًا
نشأت النواة السياسية للحوثيين داخل البيئة الزيدية الشيعية في شمالي اليمن خلال التسعينيات من القرن الماضي، في سياق تراجع المكانة الاجتماعية والسياسية للزيدية بعد توحيد اليمن، وصعود التيارات السلفية، وتنامي الاحتقان تجاه نظام الرئيس السابق على عبد الله صالح.
وشكّلت حركة “الشباب المؤمن”، المرتبطة بحسين بدر الدين الحوثي، نواة التكوين التنظيمي، وتطورت من نشاط ديني وتعليمي إلى حركة احتجاجية مسلحة بعد المواجهة مع الدولة عام 2004.
هذه النشأة مهمة لتقييم العلاقة مع إيران، فالزيدية اليمنية تختلف عقائديًا عن الاثني عشرية الإيرانية، وإن شهدت منذ الثمانينيات تقاربًا فكريًا مع بعض مفاهيم الثورة الإيرانية وحزب الله.
ومع ذلك لم تُنشئ إيران الحركة؛ فهوية الجماعة تشكّلت داخل صراعات يمنية محلية حول السلطة والهوية والعلاقة مع السعودية ونظام صالح، قبل أن تتعمق صلتها بطهران بسنوات.
حرب العصابات
يذهب أنصار أطروحة “الوكالة الكاملة” إلى أن العلاقة مع إيران كانت قائمة منذ البداية، مستندين إلى تقديرات أمريكية تضع بداية مسار التعاون حوالي عام 2009، وإلى وجود الجماعة في مدينة صعدة على تماس مباشر مع السعودية، ما جعلها تدخل مبكرًا في صراع مع الرياض وتتحول إلى جزء من الحسابات الإقليمية الإيرانية، قبل أن تعلن أي موقف مناوئ لإسرائيل.
غير أن هذه الحجة تصطدم بحقيقة أن الحروب الستة ضد نظام صالح بين 2004 و2010 كانت في جوهرها صراعًا محليًا على الأرض والهوية والسلطة، خاضته الجماعة بموارد وشبكات قبلية محلية بالدرجة الأولى، وليس بمنظومة تسليح إيرانية متطورة.
بينما الأدلة الموثقة على تدفق كبير للسلاح الإيراني تعود إلى ما بعد 2014، بعبارة أخرى تظهر الصلة الإيديولوجية والسياسية مع طهران قديمة، لكن العلاقة الاستراتيجية والعسكرية جاءت بعد استقلال الحركة كقوة عسكرية واستيلائها على حكم مساحة من اليمن بداية من السيطرة على صنعاء.
من الهامش إلى السلطة
أدت ثورة اليمن عام 2011 وسقوط صالح إلى انهيار جزئي للترتيب السياسي، الذي كان يطوّق الحوثيين ويستبعدهم كجماعة هامشية، واستفادت الحركة من ضعف الدولة وانقسامات خصومها، ثم تحالفت تكتيكيًا مع صالح خصمها السابق، قبل أن تدخل صنعاء في سبتمبر 2014 وتنقلب عليه لاحقًا.
هذه المرحلة تكشف أن صعود الحوثيين كان محكومًا بعوامل محلية بالدرجة الأولى: تفكك الدولة، وانهيار المرحلة الانتقالية، وتنافس النخب، وضعف الجيش، واستخدام صالح للجماعة أداةً ضد خصومه، قبل أن تنقلب عليه هي نفسها.
لحظة السيطرة على صنعاء هي التي غيّرت طبيعة العلاقة مع إيران جذريًا: انتقل الحوثيون من حركة محدودة الاحتياجات إلى سلطة تواجه احتمال حرب إقليمية وأعباء إدارة دولة.
بعد سقوط صنعاء، تعمقت العلاقة مع طهران عبر اتفاقيات اقتصادية ورحلات جوية مباشرة ودعم سياسي، ثم مساعدات عسكرية متصاعدة، وهذا المسار سبق التدخل العسكري السعودي في مارس 2015.
هنا لم تكن إيران بحاجة إلى إنشاء جماعة جديدة؛ فقد وجدت قوة يمنية مسلحة تسيطر على العاصمة، وتملك حدودًا طويلة مع السعودية، وتُطل على باب المندب، كل هذه الإمكانيات عوامل جاذبة لبناء نفوذ استراتيجي منخفض الكلفة على حدود السعودية وفي البحر الأحمر.
بالمقابل، أصبحت إيران بالنسبة للحوثيين مصدرًا للسلاح والخبرة والتكنولوجيا والدعم السياسي في مواجهة خصومها، ووفرت لهم أيضًا خطابًا أيديولوجيًا يعيد تقديمهم من جماعة مسلحة محلية متخلفة أكبر من ميليشيا وأقل من جهاز دولة، إلى قوة تناصر “المستضعفين” وتدافع عن القضية الفلسطينية، ضمن ما يعرف بـ”محور المقاومة”.
الحرب السعودية على اليمن وتعميق الاعتماد
غيّر التدخل السعودي عام 2015 ميزان العلاقة بين الحوثيين وإيران، في ظل مواجهة الحوثيين تحالفًا جويًا متفوقًا وحصارًا وعزلة سياسية، هنا أصبح الدعم الإيراني أكثر قيمة وضرورة، يتضمن عسكريا صواريخ، وطائرات مسيّرة، وتقنيات اتصال واستهداف، وتدريب وخبرة تشغيلية وشبكات لوجستية.
هذا لا يمنع رؤية الاعتماد الذي كان متبادلًا: إيران احتاجت الحوثيين؛ بسبب موقعهم الاستراتيجي عند باب المندب وسيطرتهم على مركز الدولة في صنعاء، بينما امتلك الحوثيون الأرض والمجتمع المؤيد والجغرافيا التي شكّلت منصة انطلاق سياسية وعسكرية لطهران.
الحكم والموارد
بين 2015 و2022 تحوّل الحوثيون من قوة ميليشيا لجماعة دينية، إلى سلطة موازية للحكومة المعترف بها دوليا، وأصبحت تمتلك سلطة تجميع الضرائب وتحصيل الجمارك وتنظيم الاتصالات، وتوزيع الوقود والاشراف على القضاء، وبناء نظام أمنى وبيروقراطي.
كما اعتمدت في الموارد على اقتصاد حرب يوفر موارد ذاتية مستقلة عن التمويل الإيراني المباشر، هذا الاستقلال المحلي يمنح الجماعة قدرة على مقاومة الضغوط الإيرانية، لكنه لا يلغي اعتمادها العسكري على طهران.
الحوثيون ومحور المقاومة
مقارنة الحوثيين بنماذج أخرى ضمن “محور المقاومة” تُبرز خصوصية الحالة اليمنية، حزب الله نشأ بدعم إيراني مباشر مطلع الثمانينيات المنصرمة، ولا يملك اقتصاد حرب بالحجم الذي تمتلكه جماعة الحوثي بسيطرتها الواسعة على مناطق باليمن، ويعتمد الحزب بشكل شبه كامل على تمويل إيراني، بينما الفصائل المسلحة العراقية نشأت ما بعد 2003 والغزو الأمريكي للعراق، مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني، وتعمل داخل دولة قائمة على تقاسم للسلطة بين الشيعة والسنة.
بينما الحوثيون سبق وجودهم التنظيمي العلاقة المباشرة مع طهران، ولا حدود تربطهم بإيران كما العراق، ويديرون شبه دولة كاملة بجيش وقضاء وجباية، ويمتلكون قاعدة اجتماعية- قبلية.
وهذه عوامل ساعدت في أن يكونوا الطرف الأكثر استقلالية بين أذرع “محور المقاومة”، وإن كان الأكثر اعتمادًا تقنيًا وعسكريًا؛ نظرًا لعزلتهم الجغرافية عن خطوط الإمداد البرية المباشرة، ما جعل التهريب عبر البحر وبمساعدة شبكات من الصومال وجيبوتي وإريتريا هامة في توفير السلاح بجانب تجار يمنيين ومتنفذين تابعين لنظام علي عبد الله صالح.
الحرب على غزة وهجمات البحر الأحمر
شكّل اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة نقطة تحول جديدة.
منذ أواخر 2023 بدأ الحوثيون مهاجمة السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، معلنين ربط عملياتهم بالحرب في غزة.
وبين نوفمبر 2023 وديسمبر 2024 استهدف الحوثيون أكثر من 100 سفينة تجارية، ما أدى إلى غرق سفينتين ومقتل أربعة بحارة، وتسبب في تقليص حركة تجارة تُقدَّر بتريليون دولار سنويًا عبر هذا الممر.
هذا السلوك أظهر درجة من الاستقلال، ووضح أن الحوثيين حددوا قواعد استهدافهم وتوقيت تصعيدهم وفق حساباتهم الخاصة، بينما استفادت إيران استراتيجيًا من فتح جبهة منخفضة الكلفة ضد إسرائيل وتهدد طرق التجارة الدولية، دون أن تتحمل هي نتائج مباشرة بقدر تحقيق مكاسب سياسية.
من التهريب إلى التجميع المحلي
تشير تقارير متتالية لمراقبي تطبيق العقوبات التابعين لفريق خبراء الأمم المتحدة بشأن العقوبات الدولية على الحوثيين، أن الجماعة تطورت من جماعة مسلحة محلية محدودة القدرات إلى منظمة عسكرية قوية، وأن هذا التحول تحقق بفضل العتاد والتدريب الذي حصلت عليه من فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني وحزب الله ومتخصصين عراقيين.
ووثّقت مراكز بحثية أن الحوثيين يُجمّعون محليًا صواريخ إيرانية الأصل تحت مسميات محلية: صاروخ “قدر” الإيراني المضاد للسفن يُعرف لديهم باسم “المندب 2″، وصاروخ “قدر- 110” يُعرف باسم “سجيل.”
وتخلص هذه التقارير إلى أن القدرة الحوثية على الإنتاج المستقل ما تزال محدودة، والجماعة تعتمد بشكل كبير على مكونات وقطع غيار ومجموعات جاهزة للتجميع تصلها عبر شبكات تهريب، لا سيما في الصواريخ المتوسطة المدى والطائرات المسيّرة المتقدمة.
ويتضح غياب وجود تصنيع مستقل أو اعتماد على استيراد للأسلحة كاملة التصنيع، ما يعنى اندماج بين الطريقتين، وهي تشكل منظومة إمداد إيرانية مع بصمة تصنيع محلية تعتمد على التجميع، تحت مسمى نقل الخبرات وتطبيقها.
اختبار فرضية الاستقلال
قدّمت الحرب على إيران 2026 دليلا على عمق اندماج الحوثيين في منظومة الردع الإيرانية الإقليمية، وبعدما تعرضت إيران لضربات أمريكية وإسرائيلية مكثفة، أعلن الحوثيون في 28 فبراير 2026 استئناف هجماتهم في البحر الأحمر، ثم انضموا رسميًا إلى الحرب التي بدأت في 28 مارس بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة وصواريخ باتجاه إسرائيل مباشرة، ذلك بعد يومين من انضمام حزب الله.
هذه الخطوة تجاوزت إطار الدفاع عن غزة، وشعار الحوثيين حول نصرة غزة، ووضعتهم طرفًا في مواجهة أمريكية إسرائيلية ضد طهران، وأعلنوا رفض مشاركة أي دولة عربية في العمليات العسكرية ضد إيران.
بعد هدنة مؤقتة بين إيران وواشنطن وإسرائيل استمرت من 8 إبريل حتى مطلع يونيو 2026، تحول تركيز الحوثيين تدريجيًا من استهداف إسرائيل إلى فتح جبهة مباشرة ضد السعودية، حيث أعلنوا في 21 يوليو 2026 حصارًا بحريًا على السعودية، يستهدف الملاحة عبر باب المندب، عقب الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز من الجانب الإيراني، واستهدف الحوثيون في أغسطس ناقلات نفط ومنشآت سعودية.
وفى 10 سبتمبر 2026 كانت ذروة التصعيد، نفذ الحوثيين تقدمًا سريعًا ولافتا على ساحل البحر الأحمر، شمل السيطرة على جزيرة “بريم” الاستراتيجية عند مدخل الممر المائي، وسيطرة على عدة مواقع أخرى كانت تحت إدارة القوات اليمينة الحكومية المعترف بها سعوديا.
في هذه المرحلة دلالات تتعلق بقرب الجماعة أكثر من نموذج الذراع العسكري المندمج ضمن استراتيجية ردع إيرانية موحدة، تمتد من مضيق هرمز إلى باب المندب.
في ذات الوقت يحقق التحرك والذي سبقه استمرار الجماعة في وضع شروط سياسية خاصة بها، ترتبط بالوضع اليمني، كما الحصار السعودي، مع القول باستقلال التحرك وارتباطه بمطالب ذاتية تخص الجماعة.
خلاصة
بالعودة إلى المقاييس الأربعة الذي حددها التقرير للخروج بقياس وتوصيف للعلاقة بين الحوثيين وإيران، يظهر أن لدى الجماعة استقلالًا ماليًا ومحليًا عبر اقتصاد الحرب ومؤسسات الحكم الموازية، لكن لا يكفي لتسيير شؤون سكان المناطق التي يسيطرون عليها.
وتمتلك الحركة استقلالًا عملياتيًا نسبيًا في توقيت وقواعد استهدافهم، كما ظهر في البحر الأحمر بعد غزة، لكن استقلالهم السياسي يتراجع كلما اقتربت المواجهة مع مصالح ايران، ويتضح في قرار دخولها الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، وخروجها منها سريعا، أما استقلالهم التقني- العسكري، فيبقى الأضعف بين المقاييس الأربعة، فتملك قدرة تجميع وتسمية محلية مع اعتماد على التصميمات والمكونات والخبرة الإيرانية في كل المعدات العسكرية المتقدمة.
الوصف الأدق للجماعة: فاعل مسلح شبه دولتي، ذو جذور وموارد وقاعدة اجتماعية يمنية، لكنها تحولت إلى عقدة مركزية في شبكة الردع الإقليمية الإيرانية، بدرجة اندماج عسكري وتقني وسياسي تتصاعد من صنعاء 2014، إلى الحرب السعودية 2015، إلى البحر الأحمر 2023، وصولًا إلى حرب إيران 2026 التي وضعت الجماعة، للمرة الأولى بهذا الوضوح، طرفًا مباشرًا في معركة إيران للبقاء.
صحيح أن إيران لم تصنع الحوثيين، لكنها حوّلتهم من قوة يمنية محلية إلى قوة إقليمية؛ والحوثيون لم يتحولوا إلى أداة إيرانية مطلقة، لكن هامش استقلالهم السياسي يضيق كلما ارتبطت مصالح بقائهم العسكري والإقليمي بالدعم الإيراني.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" masr360 "


