في كل مرة يخرج فيها مسؤول من مكتبه إلى الشارع، تتجه الأنظار إلى ما سيقدمه هذا النزول من نتائج حقيقية، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الجولات الميدانية إلى مجرد مشاهد للتصوير ولقطات إعلامية، بينما تبقى المشكلات التي يعاني منها المواطنون دون حلول.
فنزول المسؤول من مكتبه المكيف إلى الميدان لا تكون له قيمة حقيقية إذا كان الهدف منه مجرد التقاط الصور أو صناعة حضور إعلامي، وإنما تكتسب الجولة أهميتها عندما تكون وسيلة لاكتشاف أوجه القصور، والاستماع إلى المواطنين والعاملين، ورفع الظلم، واتخاذ قرارات واضحة لمعالجة المشكلات من جذورها.
المواطن اليوم أصبح أكثر وعيًا، ولم يعد ينظر إلى الصور والزيارات المفاجئة باعتبارها دليلًا كافيًا على الإنجاز، وإنما يسأل ببساطة: ماذا تغير بعد الجولة؟ وهل انتهت المشكلة أم لا؟
واقعة مديرة مدرسة القليوبية تكشف ما وراء المشهد
واقعة مديرة مدرسة القليوبية لم تكن مجرد واقعة عابرة، وإنما أعادت تسليط الضوء على واقع تعاني منه مؤسسات في عدد من القرى والمراكز والمناطق النائية، حيث توجد فجوة أحيانًا بين ما يظهر في التقارير الرسمية وما يحدث بالفعل على الأرض.
فالمشكلة ليست بالضرورة في غياب المسؤول عن المكان، وإنما في غياب الصورة الكاملة عن احتياجاته ومشكلاته، وهو ما يجعل الجولات الميدانية الحقيقية ضرورة وليست مجرد ممارسة إعلامية.
عندما يدخل المسؤول مؤسسة تعليمية أو خدمية، يجب أن يكون هدفه الأول معرفة ما ينقصها، والاستماع إلى العاملين بها، ومراجعة الإمكانات المتاحة، ثم اتخاذ إجراءات تضمن استمرار الخدمة بالشكل اللائق.
الجهود الذاتية.. حل مؤقت لا يجب أن يصبح قاعدة
في العديد من القرى والمناطق النائية، تلعب الجهود الذاتية دورًا كبيرًا في مساعدة بعض المؤسسات على الاستمرار، حيث يبادر الأهالي وأولياء الأمور والمعلمون والمديرون إلى توفير بعض الاحتياجات أو إجراء إصلاحات ضرورية من إمكاناتهم الخاصة.
ولا شك أن هذه المبادرات تعكس روحًا إيجابية وحرصًا على المصلحة العامة، لكنها في الوقت نفسه تطرح سؤالًا مهمًا: هل يجوز أن تصبح الجهود الذاتية بديلًا دائمًا عن الموارد التي يفترض أن توفرها الجهات المسؤولة؟
المعلم أو مدير المدرسة الذي يضطر إلى البحث عن حلول من ماله الخاص حتى تستمر المؤسسة في أداء دورها يستحق الدعم والتقدير، لكن الأهم هو معالجة الأسباب التي دفعته إلى ذلك، وليس الاكتفاء بالإشادة بما فعله.
التقارير المكتبية لا تكفي
واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه الإدارة هي الفجوة بين التقارير التي تصل إلى المسؤول وبين الواقع الفعلي على الأرض.
فقد تبدو الأمور مستقرة في تقرير مكتبي، بينما تكشف زيارة حقيقية للموقع عن مشكلات لم تظهر في الأوراق، سواء بسبب ضعف المتابعة أو عدم وصول المعلومات بصورة كاملة أو عدم التعامل مع الشكاوى بالجدية المطلوبة.
وهنا تظهر أهمية المسؤول الذي لا يكتفي بما يُكتب على الورق، وإنما يتحقق بنفسه من الواقع، ويستمع إلى أصحاب المشكلة، ويقارن بين البيانات وما يراه بعينيه.
فالجولة الميدانية الناجحة ليست عدد الصور التي خرجت منها، وإنما عدد المشكلات التي جرى حلها بعدها.
الاعتراف بالخلل ليس ضعفًا
ليس عيبًا أن يعترف المسؤول بوجود مشكلة، وليس فشلًا أن يكتشف أن هناك قصورًا في مؤسسة أو منطقة أو خدمة.
الفشل الحقيقي هو أن يعرف المسؤول بوجود الخلل ثم يتجاهله، أو أن يتم التعامل مع من يكشف المشكلة باعتباره خصمًا بدلًا من الاستماع إليه باعتباره طرفًا يساعد في الوصول إلى الحل.
احترام المواطن يبدأ من احترام شكواه، واحترام الموظف أو المعلم يبدأ من الاستماع إلى مشكلاته، والإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن هناك ما يحتاج إلى إصلاح.
المسؤول الناجح يترك أثرًا لا صورة
المواطن لا يحتاج إلى مسؤول يزور المكان ويلتقط الصور ثم يغادر، وإنما يحتاج إلى مسؤول يتابع ما حدث بعد مغادرته.
من المسؤول عن حل المشكلة؟
متى سيتم الانتهاء منها؟
ما الموارد المطلوبة؟
وهل ستتم متابعة التنفيذ؟
هذه الأسئلة هي التي تحدد قيمة أي جولة ميدانية.
أما أن يتحول النزول إلى الشارع إلى مناسبة للظهور الإعلامي أو صناعة «الترند»، فهذا لا يغير شيئًا من واقع المواطن، ولا يعالج نقصًا في مدرسة، ولا يصلح مرفقًا، ولا يحل مشكلة مؤسسة.
نحتاج إلى ثقافة جديدة في العمل الحكومي
المرحلة الحالية تحتاج إلى تغيير مفهوم الجولات الميدانية من «زيارة وتصوير» إلى «رصد ومتابعة وحل».
المسؤول الذي ينزل إلى الميدان يجب أن يكون مستعدًا لسماع ما قد لا يعجبه، وأن يتقبل النقد، وأن يتعامل مع أصحاب الشكاوى باعتبارهم مصدرًا للمعلومات وليسوا عائقًا أمام عمله.
كما يجب أن ترتبط كل جولة بنتائج قابلة للقياس، بحيث يعرف المواطن ما الذي تم اكتشافه، وما الذي تقرر بشأنه، ومتى يمكنه رؤية النتيجة على أرض الواقع.
المواطن يريد نتيجة
في النهاية، الرسالة بسيطة وواضحة لكل مسؤول:
لا تنزل إلى الشارع من أجل اللقطة.. انزل من أجل المواطن.
لا تذهب إلى مدرسة أو مستشفى أو قرية لتلتقط صورة، وإنما اذهب لترى ما لا يظهر في التقارير.
لا تبحث عن «الترند»، بل ابحث عن الخلل.
ولا تجعل الجولة الميدانية نهاية القصة، وإنما اجعلها بداية لمسار من المتابعة والمحاسبة والإصلاح.
فالمواطن لم يعد ينتظر صورة لمسؤول داخل مؤسسة، وإنما ينتظر أن يرى المؤسسة نفسها وقد أصبحت أفضل
المسؤول الناجح ليس من يترك خلفه صورًا كثيرة، وإنما من يترك خلفه مشكلة أقل.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "




