أخبار عاجلة
إعلان متجاوب

بالبلدي: محمد مازن يكتب: عفوا!.. هذا ما أريده من تعاون مصر والصين!

بالبلدي: محمد مازن يكتب: عفوا!.. هذا ما أريده من تعاون مصر والصين!
بالبلدي: محمد
      مازن
      يكتب:
      عفوا!..
      هذا
      ما
      أريده
      من
      تعاون
      مصر
      والصين!

بعد الإعلان عن زيارة الضيف العزيز الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر، لن أكتب هنا بلغة صحفية تقليدية. لن أتحدث عن جدول الزيارة، ولا عن الاتفاقيات التي يمكن أن توقع، ولا عن الملفات التي ستناقش، ولا عن حجم التجارة والاستثمارات، ولا حتى عن حصيلة ما تحقق من تعاون بين البلدين.
أثق أن كثيرين معنيون بهذه الملفات، وقد كتبوا عنها ويكتبون.
هذه المرة أريد أن أتحدث عن شيء آخر: ماذا أريد أنا، كمواطن مصري رأى الصين عن قرب، من مصر والصين، ومن هذه الزيارة؟
كمقيم في الصين منذ سنوات، أتيحت لي فرصة أن أرى جانبًا من التحول الصيني من مسافة قريبة. رأيت مدنًا تتغير، وقرى تنهض، ومصانع تتوسع، وتكنولوجيا تنتقل من المختبر إلى الشارع، ورأيت بلدًا ينتقل من مرحلة إلى أخرى بسرعة يصعب أحيانًا استيعابها.
كثيرون تحدثوا عن «المعجزة الصينية»، وأنا واحد منهم بالطبع، لكن هذا التعبير لم يعد هو ما يشغلني أكثر.
كلما رأيت شيئًا جديدًا في الصين، كان ذهني يذهب إلى مكان آخر: إلى القرية، والنجع، والحقل، والمدينة القديمة والجديدة، إلى العامل والصنايعي والموظف العادي، وإلى الفلاح البسيط الذي لا يزال يعتمد على يده وخبرته في أشياء أصبحت التكنولوجيا تساعد فيها نظيره في قرية أخرى.
وكلما ذهبت إلى قرية صينية متقدمة، تذكرت قرية مصرية.
أرى قرية بنت اقتصادها حول صناعة معينة، فأفكر في قرية مصرية تضم عشرات الحرفيين الذين يعرفون مهنتهم جيدًا، لكنهم يعملون فرادى، بإمكانات محدودة، ولا يملكون دائمًا السوق أو التكنولوجيا أو التمويل الذي يسمح لمهارتهم بأن تكبر.
ما الذي ينقص هؤلاء؟
في كثير من الأحيان، ليست المشكلة في الموهبة، ولا في الرغبة في العمل. ما ينقص هو المنظومة التي تحول المهارة الفردية إلى نشاط اقتصادي قادر على النمو: آلة أفضل، وتدريب أفضل، وتمويل، وتسويق، وتكنولوجيا، ومنصة للبيع، وشركة تنظم سلسلة الإنتاج، وسوق أكبر.
الصين لم تجعل كل قرية مصنعًا ضخمًا، لكنها قدمت تجربة جديرة بالتأمل: أن القرية يمكن أن تصبح جزءًا من اقتصاد حديث، وأن الحرفة المحلية يمكن أن تتحول إلى صناعة، وأن العامل البسيط يمكن أن يصبح حلقة في سلسلة إنتاج تصل إلى أسواق العالم.
وهذا تحديدًا ما أتمنى أن نبحث عنه في مصر؛ ليس نقل القرية الصينية كما هي، فهذا لا يناسب مصر ولا أريده، وإنما فهم الفكرة التي جعلت كثيرًا من القرى الصينية قادرة على النهوض.
لا أعتقد أن المصري أقل قدرة، أو أقل ذكاء، أو أقل رغبة في العمل. ربما ينقصه أحيانًا أن يجد الطريق مفتوحًا أمامه.
وهنا أرى أحد أهم الدروس التي يمكن أن نتعلمها من الصين: ليس المطلوب أن تقوم الدولة بكل شيء، وإنما أن تجعل المواطن قادرًا على القيام بأشياء أكثر.
عندما يكون لدينا شخص ماهر، لا يكفي أن نقول له إنه موهوب؛ نحتاج إلى أن نساعده على تحويل مهارته إلى ورشة أكبر، وربما إلى مصنع يصل إنتاجه إلى السوق. وعندما يكون لدينا شاب لديه فكرة، لا يكفي أن نطالبه بالصبر؛ نحتاج إلى بيئة تسمح له بأن يجرب، ويخطئ، ويتعلم، ثم يحول فكرته إلى شركة.
هكذا بدأت أفهم التنمية بطريقة أبسط: أن تقوي المواطن، ثم تفسح له المجال. أن تمنحه المعرفة والأدوات والتمويل والتدريب والسوق، وأن تخفف عنه التعقيد والبيروقراطية التي تحول أحيانًا بينه وبين ما يستطيع أن يفعله.
بحكم عملي، أعرف الكثير عن العلاقات المصرية الصينية، من بداياتها وحتى اليوم. أعرف المصانع والمشروعات والاستثمارات، وأعرف ما بنته الشركات الصينية في مصر، وما وفرته من فرص عمل ومنتجات وخبرات.
يمكنني أن أتحدث، مثلًا، عن المنطقة الاقتصادية في العين السخنة، وعن المصانع الصينية التي يعمل فيها عشرات الآلاف من المصريين، وعن المنتجات التي أصبحت تصنع في مصر بدلًا من استيرادها، وعن منتجات أخرى تجد طريقها إلى الأسواق الخارجية.
كل هذا مهم.
لكنني، بصراحة، لا أرى أن ما تحقق حتى الآن يتناسب مع إمكانات بلدين كبيرين مثل مصر والصين.
أريد مصانع أكثر، واستثمارات أكثر، لكن الأهم أن أريد توطينًا أكبر للتكنولوجيا والصناعة.
لا أريد أن تأتي الشركة الصينية إلى مصر لتنتج منتجًا فحسب. أريد أن تأتي ومعها جزء من المعرفة التي جعلتها قادرة على إنتاجه.
أريد العامل المصري الذي يدخل مصنعًا صينيًا اليوم أن يستطيع، بعد سنوات، أن يدير خط إنتاج، ويطور منتجًا، ويؤسس شركة، وربما يبني مصنعًا.
أريد أن تنتقل التكنولوجيا من المصنع إلى الإنسان.
فالمصنع يمكن أن يرحل يومًا، أما المعرفة، إذا استقرت في الإنسان والمؤسسة والجامعة، فلا ترحل.
من الأشياء التي لا أنساها في إحدى زياراتي الأخيرة أنني رأيت كيف تحولت صناعة مثل السيارات في الصين إلى منظومة واسعة من التكنولوجيا والبرمجيات والبطاريات والذكاء الاصطناعي والقيادة الذكية وسلاسل التوريد.
وأنا أرى هذا العدد الكبير من السيارات الكهربائية الصينية في الشوارع، لم أستطع منع نفسي من التفكير في مصر.
لماذا لا نرى مصانع من هذا النوع في مصر، بالاستفادة من الخبرة الصينية؟
ولماذا يكون التعاون في السيارات الكهربائية مشروعًا لسيارة أو شركة واحدة فقط؟
أنا أطمح إلى أكثر من ذلك.
أطمح إلى منظومة متكاملة: السيارة، والبطارية، والشاحن، والبرمجيات، والمكونات، والتدريب، ومراكز البحث والتطوير، والخدمات المرتبطة بها.
لأن ما أراه في الصين ليس مجرد سيارة كهربائية أصبحت متاحة لعدد كبير من الناس، وإنما منظومة صناعية جعلت التكنولوجيا الحديثة جزءًا من الحياة اليومية.
وهذا هو ما أريده لمصر: أن تصبح السيارة الكهربائية يومًا ما منتجًا مصريًا، يصنعه المصري، ويطوره المصري، ويستطيع المواطن المصري شراءه.
رأيت شيئًا آخر قد يبدو صغيرًا، لكنه بالنسبة إلى مصر ليس صغيرًا على الإطلاق.
رأيت مدنًا تتعامل مع مياه الأمطار بطرق ذكية، فيما يعرف هنا بمفهوم «المدن الإسفنجية»، حيث تصبح أسطح المدينة قادرة على امتصاص المياه وتجميعها وتوجيهها والاستفادة منها بدلًا من أن تتحول كل موجة مطر إلى مياه مهدرة.
وقفت أمام هذه التفاصيل وفكرت كثيرًا.
نحن بلد يحتاج إلى كل قطرة ماء.
فلماذا لا ننظر إلى التجربة الصينية في إدارة المدن باعتبارها خبرة يمكن الاستفادة منها، لا مجرد مبانٍ وشوارع يمكن تقليدها؟
أريد أن نتعلم كيف تعمل المدينة: كيف تدير المياه، وكيف تقلل الهدر، وكيف تستخدم التكنولوجيا في النقل، وكيف تراقب الطاقة، وكيف تجعل الشارع أكثر كفاءة، وكيف تتحول المدينة إلى نظام يعمل، لا مجرد مجموعة من المباني الجميلة.
لقد بنت الصين مدنًا حديثة، نعم، لكن ما يهمني أكثر هو كيف تدير هذه المدن بعد بنائها.
هذه خبرة يمكن أن نستفيد منها في مصر.
أعرف أن الشركات الصينية شاركت في مشروعات كبرى في العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين وغيرها، لكنني أريد أن نذهب خطوة أخرى.
ليس فقط: كيف نبني المدينة؟
بل: كيف نجعلها تعيش؟
كيف نجذب إليها الشركات؟ كيف نصنع مناطق أعمال حقيقية؟ كيف نحول مبنى إداريًا إلى اقتصاد يعمل بداخله آلاف الناس؟ وكيف نجعل المدينة مركزًا للابتكار والخدمات والشركات والاستثمارات؟
في الصين، تعلمت أن المدينة الحقيقية تبدأ عندما يأتي الناس، والشركات، والمطاعم، والجامعات، والمصانع، والخدمات، والاستثمارات، وعندما تصبح هناك حركة اقتصادية مستمرة.
نحن لا نحتاج فقط إلى بناء مدن جديدة.
نحتاج إلى أن نجعلها تعيش.
وربما أكثر ما يثير اهتمامي في التجربة الصينية هو الطريقة التي تعاملت بها مع الزراعة، خصوصًا في البيئات الجافة والصحراوية.
في أماكن كثيرة، رأيت كيف أمكن تحويل مساحات كانت تبدو محدودة الإمكانات إلى أراضٍ منتجة، من خلال الجمع بين إدارة المياه والطاقة والتكنولوجيا والبيانات.
وكلما رأيت ذلك، تذكرت صحراء مصر.
لدينا مساحات هائلة، ولدينا تحديات مائية حقيقية، ولدينا حاجة إلى زيادة الإنتاج. لكن لدينا أيضًا فرصة كبيرة إذا استطعنا أن نجمع الأرض بالمياه والتكنولوجيا والطاقة والبيانات.
أعرف أن هناك بالفعل تعاونًا صينيًا مصريًا في الزراعة والري الحديث والطاقة والمشروعات الزراعية، وهناك تجارب قائمة بالفعل.
لكنني أريد أن تنتقل الخبرة من المشروع إلى المنظومة، ومن المنظومة إلى الفلاح العادي.
أريد للمصري البسيط أن يمسك هاتفه كما يمسكه نظيره الصيني.
هذه صورة تلاحقني كثيرًا.
أرى مزارعًا صينيًا في قرية، يحمل هاتفًا حديثًا ويتابع من خلاله شيئًا يتعلق بأرضه أو محصوله أو سوقه، وحوله آلات وتقنيات تساعده في عمله.
ثم أتذكر المزارع المصري البسيط؛ ذلك الرجل الذي قد يعرف أرضه أكثر من أي مهندس، لكنه لا يزال يستخدم يده في أشياء يمكن للتكنولوجيا أن تساعده فيها.
لماذا لا يكون الهاتف الذي يحمله المزارع المصري أداة زراعية أيضًا؟
لماذا لا يعرف من خلاله متى يروي، وكم يروي، وما كمية السماد المناسبة، وهل هناك احتمال لظهور آفة، ومتى يكون أفضل وقت للحصاد، وكيف يسوق محصوله، وأين يوجد أفضل سعر؟
ماذا لو أصبحت البيانات جزءًا من الزراعة المصرية مثل الماء والبذور؟
هنا، في رأيي، تبدأ إحدى صور التنمية الحقيقية.
أنا لا أريد من الصين أن تعطي مصر كل شيء، ولا أريد بالطبع أن تصبح مصر نسخة من الصين. هذا غير ممكن، وغير مطلوب.
أريد أن نتعلم كيف فعلت الصين ما فعلته، وأن ينتقل التعاون من مجرد تنفيذ المشروعات إلى تعظيم قدرات المواطن المصري.
كيف تحولت الحرفة إلى صناعة، والقرية إلى مركز إنتاج، والتكنولوجيا إلى مهارة لدى العامل، والهاتف إلى أداة اقتصادية، والمدينة إلى منظومة، والبحث العلمي إلى منتج، والتعليم إلى قوة إنتاج.
هذه هي الخبرات التي رأيتها وأعجبتني، وهناك غيرها كثير.
وربما لهذا أتابع زيارة الرئيس الصيني إلى مصر بطريقة مختلفة.
لن أتابعها فقط باعتبارها زيارة بين دولتين، وإنما بعين المصري الذي عاش طويلًا في الصين.
أريد أن تفتح الزيارة شهيتنا نحن المصريين إلى ما هو أبعد من الاتفاقيات والمشروعات.
أريد مصانع أكثر، نعم.
وتكنولوجيا أكثر.
ونقلًا أكبر للمعرفة.
وتدريبًا أكثر.
لكن قبل كل ذلك، أريد أن نسأل سؤالًا بسيطًا: ماذا يمكن أن نتعلم من الصين؟
هذه، بالنسبة لي، هي الهدية الحقيقية التي أتمنى أن تحملها زيارة الرئيس الصيني إلى مصر: مجموعة من الأفكار والخبرات التي تساعد مصر على أن تنجح بطريقتها الخاصة.
وعندما أعود يومًا إلى قرية مصرية، وأرى فيها مصنعًا حديثًا يعمل فيه أبناؤها، وفلاحًا يضبط ري أرضه من هاتفه، وورشة صغيرة تحولت إلى شركة تصدر إلى إفريقيا، ومدينة جديدة تعمل بكفاءة وتحافظ على كل قطرة ماء، ربما أتذكر بكين.
لكنني هذه المرة لن أتمنى أن تأتي الصين إلى مصر.
سأكون قد رأيت مصر وهي تأخذ أفضل ما تعلمته من الصين، ثم تصنع به طريقها الخاص.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" النبأ "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي: سعر الدولار في البنوك والسوق السوداء اليوم الخميس 27 - 8 - 2026
التالى بالبلدي : الاستقلال يحسم سباق التزكية النسائية ويشعل معركة اللائحة الجهوية بالبيضاء

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
● مباشر
...× إغلاق
إعلان
25
إعلان متجاوب
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا