أخبار عاجلة
بالبلدي: اتفاقية دفاع تاريخيّة في مكة -

بالبلدي: عتبات الوهم الرقمي: حين يُستباح المواطن في سوق المحمول

بالبلدي: عتبات الوهم الرقمي: حين يُستباح المواطن في سوق المحمول
بالبلدي: عتبات
      الوهم
      الرقمي:
      حين
      يُستباح
      المواطن
      في
      سوق
      المحمول

لم يعد خفياً أن شركات المحمول في مصر تدير أزماتها بمنعطف حرج يلامس حد الكارثة المؤسسية، غير أن الأزمة الحقيقية تجاوزت بأشواط ذلك التعسف الإداري المتمثل في سحب خطوط الهواتف المفعلة لمن تاخروا أياما معدودة عن تجديد باقاتهم.

إن الجرح الأعمق والأكثر إيلاماً ورعباً، والذي كشف عنه الستر مؤخراً، هو تلك الظاهرة المفزعة المتمثلة في وجود آلاف الخطوط الهاتفية ومحافظ الأموال الإلكترونية المسجلة بأسماء مواطنين أبرياء لا علم لهم بها على الإطلاق بسبب سياسات هذه الشركات. وحين يكتشف إنسان عادي فجأة أنه يمتلك عشراً أو عشرين خطاً ومحفظة مالية مجهولة ترتبط برقم قومي واحد نتيجة إهمال تلك الكيانات، فإننا نكون قد غادرنا تماماً دائرة “الخطأ الإداري” لنستقر في قلب جريمة سيبرانية وجنائية متكاملة الأركان.

هذا الواقع المرير يضعنا أمام تساؤلات مشروعة وموجعة: أين الدولة مما يحدث؟ وكيف سُمح لشركات المحمول أن تترك هذا العبث يتغلغل في بنية السوق المصري؟ وما ذنب مواطن بسيط أن يتحول بين عشية وضحاها إلى متهم محتمل في قضايا نصب، أو غسيل أموال، أو جرائم جنائية لم يرتكبها، لمجرد أن هويته الرقمية أصبحت مباحة على قارعة طريق أرباح تلك الشركات؟

تتغذى هذه الظاهرة على ثغرات هيكلية متهالكة في منظومة التوزيع ومنافذ البيع التابعة لتلك الشركات، بل وبعض المندوبين الذين أعمَتهم رغبة تحقيق المستهدفات البيعية عن أي قيم أخلاقية أو قانونية. تتم العملية غالباً عبر استغلال صور بطاقات الرقم القومي التي يتركها المواطنون بحسن نية في أماكن متعددة مثل المصالح الحكومية، المحلات التجارية، العروض الترويجية الوهمية، أو التعاقدات القديمة. وبدلاً من حفظ هذه البيانات بأمان، تُعاد جدولتها واستغلالها في توثيق خطوط جديدة ومحافظ مالية وهمية لا يستخدمها بشر في سياق طبيعي، بل تُترك في أدراج الموزعين أو تُسرب للسوق السوداء لكي تُباع لجهات مجهولة تبحث عن غطاء آمن ومجهول الهوية لارتكاب أنشطة غير مشروعة.

إن شركات المحمول الكبرى، التي تتباهى في تقاريرها المالية وإعلاناتها البراقة بقواعد عملاء تضم الملايين، تغض الطرف عمداً عن هذه الممارسات، لأن هذه الشرائح الميتة والأرقام الوهمية هي الدعامة الأساسية لفقاعة تسويقية تضخم حصصهم السوقية وتخدع المستثمرين، بينما يدفع المواطن الأعزل وحده ثمن هذا الوهم من أمنه وسلامته.

الخطورة القصوى لا تكمن فقط في حيازة شخص لشريحة هاتف لا تملكه، بل تتضاعف آلاف المرات حين نتحدث عن المحافظ الإلكترونية المرتبطة بهذه الخطوط التي توفرها وتديرها تلك الشركات.

في عالمنا المعاصر، لم يعد رقم الهاتف مجرد وسيلة تواصل، بل تحول إلى الهوية الرقمية الكاملة للمواطن، فهو المفتاح الأساسي لتطبيقاته الحكومية، وحساباته البنكية، ومعاملاته التجارية. وحين تُفتح محفظة إلكترونية برقم قومي مسلوب ودون علم صاحبه عبر شبكات هذه الشركات، فإننا أمام قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في أي لحظة.

تُستخدم هذه المحافظ المجهولة في عمليات النصب الهاتفي، وتلقي أموال مسروقة، وتبييض الأموال، وحين تتبع أجهزة الأمن هذه العمليات، تكون المفاجأة الصادمة أن صاحب الرقم القومي الحقيقي هو الواجهة الأولى للمساءلة القانونية.

كما أن استخدام هذه الخطوط في تهديدات، أو ابتزاز، أو قضايا أمنية وجنائية يضع المواطن البريء في مهب الريح، ليجد نفسه مطالباً بإثبات براءته في قضايا لم يطأ عتباتها قط، عانياً الأمرين بين أقسام الشرطة وجهات التحقيق، ضحيةً لإهمال مؤسسي وجشع تجاري لا قِبل له به.

المؤلم حقاً في هذه المعادلة ليس فقط سوء صنيع شركات المحمول، بل موقف الجهات التنظيمية والرقابية، وعلى رأسها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، والذي بدا في كثير من الأحيان كـ مُشاهد تلفزيوني يتابع المهزلة من خلف الشاشات. فبدلاً من التدخل الاستباقي الصارم ضد هذه الكيانات، وتطهير قواعد البيانات، وفرض رقابة بيومترية حاسمة على عمليات إصدار الخطوط، جاء الرد الحكومي المعتاد محبطاً وبيروقراطياً عبر دعوة المتضرر لتقديم شكوى فردية. هذا الاستسهال الإداري يعكس انحيازاً غير مبرر لصالح شركات المحمول على حساب المواطن. فكيف يُعقل أن يُترك مواطن يصارع أعباء حياته اليومية، ليتفرغ لملاحقة هذه الشركات في الشوارع وأروقة الشكاوى، لمجرد خطأ أو جرم ارتكبته الشركة في حفظ أمان بياناته؟

إن هذا التراخي يرسخ رسالة سلبية مفادها أن الشركات هي سيدا المكان، وأن المواطن ليس سوى جنيه ملقى على الأرض تتقاذفه أقدام الإهمال.

إن استمرار هذا الوضع الخطير الذي تسببت فيه سياسات شركات المحمول يهدد بانهيار ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسساته الخدمية، ويحول قطاع الاتصالات من مرفق للتنمية إلى مهدد حقيقي للأمن والسلم الاجتماعي.

ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا بد من وقفة حاسمة تبدأ بمراجعة بيومترية شاملة وفورية تلزم شركات المحمول بإعادة تدقيق قواعد بياناتها بالكامل تحت إشراف قضائي وأمني مباشر، وإسقاط فوري لأي خط أو محفظة لا ترتبط ببصمة حقيقية أو تحقق رقمي موثق بحضور المالك الشخصي.

كما يجب سن تشريعات تجعل شركات المحمول والمنافذ الوكيلة تتحمل المسؤولية المدنية والجنائية الكاملة عن أي خط أو محفظة وهمية تُكتشف مسجلة باسم مواطن دون علمه، باعتبارها الجهة المسؤولة عن أمن وسرية قواعد بياناتها، مع إقرار آلية قضائية وإدارية فورية تضمن رفع المسؤولية القانونية والجنائية تماماً عن أي مواطن يثبت تضرره.

من الضروري أيضاً تدخل لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب لفتح تحقيق نيابي موسع وشفاف في هذه الظاهرة، وعرض النتائج على الرأي العام، لمحاسبة المقصرين من هذه الشركات وحماية الأمن الرقمي للملايين.

إن الهوية الرقمية للمواطن المصري ليست سلعة رخيصة تُباع في سوق التارجت الوهمي لشركات المحمول، ولا هي ورقة تجميل تُوضع في تقاريرهم المالية لتبدو الصورة براقة، بل هي عرض وكرامة وأمن قومي شخصي لا يجوز التفريط فيه.

آن الأوان لنهاية عصر دلع شركات المحمول وبداية سيادة القانون وحماية الإنسان المصري على أرض وطنه.

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" almessa "

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق بالبلدي : اختبارات القدرات 2026.. موعد غلق باب التسجيل والرابط
التالى QualityKiosk تُعيَّن شريكًا للخدمات المُدارة لمركز التميّز لاختبارات الأنظمة المؤسسية لدى بنك UAB

 
محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي مجو تكنوستيشن أضف موقعك
إعلان متجاوب
● مباشر
...× إغلاق
..........
إعلان
25
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
ضع موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
???? بالبلدي✨بالبلدي???? أضف موقعك الآن
???? أضف هنا ????✨ ⚡✨ ⚡✨ ⚡ أضف موقعك ✨???? هنا⛈️✊⚽⌨️⏳❌✅❎☑️✔️☪️®️©️™️بالبلدي???? مجلة بالبلدي???? أضف هنا???? إضغط هنا???? أضف هنا⁦(⁠^⁠^⁠)⁩???? أضف موقعك هنا