كلما فكرت في مكان يثير فضولي، أجد عقلي يدفعني على الفور إلى منطقة إيتشوانغ في جنوب بكين. لا أذهب إليها بحثًا عن انبهار، أو هربًا من صخب، ولا لأنها تضم أحدث التقنيات أو أكبر المصانع والشركات أو ناطحات السحاب أو المستقبل. فهذه أمور يمكن لأي شخص أن يراها في عشرات التقارير المصورة. أما أنا فأذهب إليها بحثًا عن شيء آخر.
أذهب بحثًا عن إجابة لسؤال يراودني كلما عدت إلى أرض الوطن: لماذا تنجح بعض المدن في أن تصبح أماكن يختار الناس العيش فيها، بينما تظل مدن أخرى، رغم ما أُنفق عليها من مليارات، تبحث حتى اليوم عن سكانها؟
فقد أثبتت مصر خلال السنوات الأخيرة قدرتها على تنفيذ مشروعات عمرانية وهندسية ضخمة تستحق التقدير، ولا يستطيع منصف أن ينكر ما تحقق في العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة. لكن المدينة لا تُقاس بعدد الأبراج التي تزين أفقها، بل بالحياة التي تدب فيها؛ بعدد الأسر التي تعتبرها وطنًا، والأطفال الذين يذهبون إلى مدارسها كل صباح، والشركات التي تقرر أن مستقبلها يبدأ من هناك.
لهذا أذهب إلى إيتشوانغ، لأنني أعتبرها درسًا حيًا في كيفية صناعة مدينة للمستقبل.
أجلس في مقهى، أو أسير بين الأشجار الكثيفة، أو أركض بمحاذاة بحيرة، أو أتجول في أحد المراكز التجارية. أرى أبًا يصطحب ابنه إلى المدرسة سيرًا وسط الأشجار، وعاملًا يغادر مصنعًا للسيارات الكهربائية ليجلس في حديقة عامة، ومهندسًا يستقل سيارة أجرة ذاتية القيادة، وشابة تقود سكوترًا تشاركيًا، وشابًا يمر بدراجة تشاركية. ألتفت إلى كل جزء طبيعي من الحياة اليومية.
قبل ثلاثة عقود فقط، لم تكن إيتشوانغ، الواقعة على بعد 20 كم تقريبًا من وسط العاصمة الصينية، سوى أطراف زراعية هادئة. أما اليوم فأصبحت واحدة من أكثر المناطق الاقتصادية والتكنولوجية تقدمًا في الصين، بل وفي العالم. تمتد الآن، بعد توسعات متدرجة وخطط دقيقة، على مساحة تقارب 225 كيلومترًا مربعًا، وتضم نحو 100 ألف شركة، وأكثر من 160 مشروعًا تنفذه 105 شركات من قائمة «فورتشن 500»، إلى جانب آلاف الشركات الناشئة ومراكز البحث العلمي.
وحين نواصل الحديث عن الأرقام، نجد أنه في عام 2024 تجاوز الناتج المحلي للمنطقة 300 مليار يوان، بينما تخطى الإنتاج الصناعي 600 مليار يوان للمرة الأولى، ثم واصل الاقتصاد نموه بأكثر من 10% خلال عام 2025.
لكن الأرقام، على أهميتها، ليست أكثر ما يثير إعجابي. ما يلفت الانتباه حقًا هو الانسجام الذي أراه بأم العين بين جميع مكونات المدينة، وكأن الحكومة، والجامعات، والشركات، والمستثمرين، والمهندسين، والسكان يعملون جميعًا وفق رؤية واحدة.
وفي كل زيارة إلى هناك أسأل: كيف وصلت هذه المنطقة إلى ما هي عليه اليوم؟
من تجربة شخص أقام طويلًا هنا، أرى أن السر لا يكمن في حجم الاستثمارات وحده، بل في طريقة التفكير. فالصين لا تبدأ ببناء مدينة أولًا، وإنما تبدأ ببناء أسباب الحياة فيها. وكل عنصر يُصمم ليخدم العنصر الآخر، فتخرج مدينة تخطط للحياة قبل أن تخطط للمباني.
لذلك، لم تُبنَ محطة مترو ضخمة أولًا انتظارًا لوصول السكان، بل بدأت بحافلات سريعة، وشبكات نقل مرنة، ووسائل تنقل داخلية لم تخلُ، حتى حاليًا، من خطوط الترام. ثم توسعت البنية التحتية تدريجيًا بالتوازي مع نمو السكان، فظل هناك توازن بين ما يُبنى وما يحتاج إليه الناس بالفعل.
كان الهدف، عندما اعتمدها مجلس الدولة الصيني منطقة وطنية للتنمية الاقتصادية والتكنولوجية، لم يكن إنشاء مشروع عقاري، بل تأسيس مركز اقتصادي جديد يخفف الضغط عن قلب بكين، ويجذب رباعية الصناعة والابتكار والاستثمار والسكان في آن واحد.
لهذا لا تجد المصنع بعيدًا عن الجامعة، ولا السكن منفصلًا عن فرص العمل، ولا النقل خدمة معزولة عن بقية عناصر الحياة، ولا المركز التجاري بعيدًا عن السكان، ولا منطقة ترفيهية منفصلة عن التجارية، ولا منطقة صناعية منفصلة عن السكنية. كل جزء صُمم ليكمل الآخر.
لهذا أيضًا لا يشعر الزائر بأنه داخل منطقة صناعية، رغم أن مئات المصانع تعمل حوله. فالحدائق، والمدارس، والمستشفيات، والمقاهي، والمراكز الثقافية، كلها جزء من المشهد اليومي، وكأن المدينة خُلقت لتُعاش، لا لتُزار.
واليوم، تضم إيتشوانغ مصانع لشركات عالمية مثل مرسيدس، وشاومي، و«بي أو إي»، ومراكز لأبحاث الجيل السادس، ومختبرات للذكاء الاصطناعي، وحدائق للروبوتات، ومناطق لاختبار السيارات ذاتية القيادة، حتى تحولت إلى مختبر مفتوح لتقنيات المستقبل.
وكل ما يُنجز ترى أثره رأي العين في الشارع، والمدرسة، والمستشفى، وكل ركن تدب فيه الحياة.
لماذا جاء هذا العدد الكبير من الشركات؟
هذه الشركات لم تأتِ بحثًا عن مبانٍ حديثة، بل لأنها وجدت منظومة متكاملة تساعدها على النجاح: إجراءات حكومية سريعة، وخدمات رقمية، وبنية تحتية مستقرة، ومراكز أبحاث، وجامعات، وسلاسل إمداد، وعمالة مؤهلة، وشبكات نقل فعالة. باختصار، وجدت مدينة تفكر بعقلية المستثمر، وفي الوقت نفسه تضع الإنسان في قلب عملية التنمية.
وعندما تبحث أكثر عن سر هذه التجربة، تجد أن المنطقة تبنت إصلاحات امتدت إلى أدق تفاصيل التعامل مع المستثمرين. فتتولى هيئة ترويج التكنولوجيا والصناعة مرافقة المستثمر منذ الفكرة وحتى التشغيل، عبر تقديم الاستشارات، وتسهيل إجراءات التأسيس، وحل المشكلات بسرعة، وفق مبدأ بسيط: أقل قدر من الموافقات، وأفضل مستوى من الخدمات. كما تبنت إصلاحات إدارية متقدمة، مثل نظام الموافقة بالإخطار والتعهد، وتوحيد معايير استخدام الأراضي الصناعية، وتطبيق نظام «المسؤول الأول عن الموافقات»، وإصدار رخصة موحدة تسمح بممارسة أنشطة متعددة، بل وإدارة أكثر من موقع برخصة واحدة.
الأهم من ذلك أن العلاقة بين الحكومة والقطاع الخاص ليست علاقة طرف يمنح وآخر ينتظر، وإنما شراكة لتحقيق هدف واحد. فالدولة تهيئ البيئة، والشركات تستثمر وتبتكر، والجامعات تمد السوق بالبحث العلمي والكوادر، لتتحول المدينة كلها إلى منظومة إنتاج متكاملة.
ومن هنا يبدأ الفارق الحقيقي بين مدينة تجذب الموظفين صباحًا ثم تغادرها الحياة مساءً، ومدينة يقرر الناس أن يعيشوا فيها مع أسرهم.
كما أدركت أن كل هذه النتائج كان وراءها منظومة يمكن اختصارها في كلمة واحدة: الحوكمة.
فالحوكمة هنا لا تعني فقط الشفافية أو مكافحة الفساد، بل تعني أن تعمل مؤسسات الدولة المختلفة كأنها مؤسسة واحدة، وأن تصبح القرارات اليومية جزءًا من رؤية تمتد لعقود، لا مجرد استجابة لاحتياجات آنية.
ولفت انتباهي أن إيتشوانغ لم تترك السكن لقوى السوق وحدها، بل وفرت أكثر من ثمانية عشر ألف وحدة سكنية للإيجار بأسعار مدعومة لاستقطاب الباحثين والمهندسين وأصحاب الكفاءات، حتى لا يتحول السكن إلى عقبة أمام جذب العقول.
وكان التعليم جزءًا أصيلًا من المشروع منذ البداية، فاستقطبت المنطقة مدارس متميزة، ومدارس دولية وثنائية اللغة، بينما أُنشئت شبكة متكاملة من المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية، لأن جودة الحياة لم تُعامل باعتبارها خدمة إضافية، بل شرطًا أساسيًا لنجاح المدينة.
إيتشوانغ لم تعتمد في نموها على قطاع واحد، بل بنت اقتصادها على أربعة محاور رئيسية: تكنولوجيا المعلومات، والسيارات الذكية والكهربائية، والتكنولوجيا الحيوية، والروبوتات والتصنيع الذكي، مع استثمارات متواصلة في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والطاقة الجديدة، والفضاء التجاري.
وأنت تتأمل هذا المشهد تدرك أن المخططين هنا لا يفكرون في احتياجات العام الحالي، بل في احتياجات العقدين المقبلين. فالتخطيط طويل المدى ليس شعارًا، بل ممارسة يومية.
ولم تقتصر رؤية إيتشوانغ على جذب الشركات وبناء المصانع، بل امتدت إلى بناء مدينة قادرة على مواكبة التحولات المقبلة. ولهذا أصبحت صناعات المستقبل جزءًا من حاضرها، لا مجرد خطط مؤجلة.
ففي قطاع الإلكترونيات، تحولت المنطقة إلى أحد أهم مراكز صناعة شاشات العرض والرقائق الإلكترونية، وتحتضن خطوط إنتاج شركات كبرى، ومعهد بكين لتكنولوجيا المعلومات المستقبلية، ومختبرات متخصصة في تقنيات الجيل السادس للاتصالات.
وفي قطاع السيارات الذكية والطاقة الجديدة، لم يقتصر الأمر على إنشاء مصانع للإنتاج، بل بُنيت منظومة صناعية متكاملة تضم مراكز للبحث والتطوير، وقواعد للتصنيع المتقدم، ومنصات لاختبار المركبات ذاتية القيادة، ومؤسسات تدعم الابتكار في هذا المجال، بما جعل المنطقة واحدة من أهم قواعد صناعة السيارات الذكية في الصين والعالم.
أما في التكنولوجيا الحيوية، فتقود إيتشوانغ استثمارات كبيرة في اكتشاف الأدوية باستخدام الذكاء الاصطناعي، والروبوتات الجراحية، والعلاج بالخلايا والجينات، والأجهزة الطبية المتقدمة، وتضم ما يقرب من خمسة آلاف شركة عاملة في الصناعات الدوائية والطبية، من بينها شركات عالمية مثل فايزر وسانوفي.
وفي مجال الروبوتات، تحتضن المنطقة المركز الوطني للابتكار في الروبوتات المجسدة، وقد كشفت مؤخرًا عن الروبوت البشري «تيانقونغ»، أول روبوت بشري كامل الحجم يعمل بالطاقة الكهربائية بالكامل. كما تضم أكثر من مائة شركة متخصصة في صناعة الروبوتات، مع خطط لنشر أكثر من عشرة آلاف روبوت قدما.
وأنا أتأمل هذه التجربة، عدت إلى العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة. فقد تحقق فيهما إنجاز عمراني وهندسي كبير، لكن التحدي الحقيقي اليوم لم يعد في البناء، بل في التشغيل؛ في خلق دورة اقتصادية واجتماعية تجعل الناس ينتقلون إليهما لأنهم يريدون ذلك، لا لأن مؤسسات الدولة انتقلت إليهما.
فالمدينة الناجحة لا تعتمد على مشروع واحد، ولا على شركة كبرى واحدة، بل تبني نظامًا اقتصاديًا متكاملًا. وعندما تنمو شركة، تستفيد منها عشرات الشركات الأخرى، وتتوسع سلاسل الإمداد، وتزداد فرص العمل، فتبدأ المدينة في إنتاج قيمة مضافة حقيقية، لا مجرد بيع الأراضي أو الوحدات السكنية.
وقد تبدأ بعض الحلول بخطوات بسيطة؛ فإذا كان من الصعب في الوقت الحالي تغطية جميع المناطق بشبكات نقل كثيفة، فلا شيء يمنع توفير الدراجات والسكوترات التشاركية لتسهيل انتقال مستخدمي المونوريل والقطار الكهربائي الخفيف إلى وجهاتهم، إلى جانب توفير بقية عناصر الحياة اليومية التي تجعل المدينة أكثر جذبًا. ولا بد من التفكير في طرق لجذب الكفاءات وتوفير السكن الميسور لهم.
لقد لفت انتباهي أن الدولة في الصين لا تفتح منطقة جديدة للسكن أو الاستخدام قبل اكتمال مرافقها الأساسية، فلا تكاد ترى أراضي فضاء متناثرة وسط التجمعات العمرانية، لأن بقاء المدينة في حالة إنشاء دائمة ينعكس سلبًا على جودة الحياة. كما أن الانتقال إلى تطوير مرحلة جديدة قبل اكتمال تنمية المرحلة السابقة ليس، في تقدير خبراء التخطيط الحضري، الخيار التنموي الأمثل.
وهنا تبرز أهمية جودة الحياة. ففي كثير من الأحيان ننظر إلى الحدائق، ومسارات الدراجات، والمكتبات، والمراكز الثقافية باعتبارها عناصر تجميلية يمكن تأجيلها، بينما هي في الحقيقة جزء من الاقتصاد نفسه، لأن الموظف الذي يعيش في بيئة جيدة يكون أكثر إنتاجًا، والشركة التي تستطيع جذب الكفاءات تحقق نتائج أفضل.
ومن أهم الدروس التي خرجت بها أيضًا أن الحكومة ليست مطالبة بأن تقوم بكل شيء بنفسها، وإنما عليها أن تضع الرؤية، وتبني البنية الأساسية، وتوفر التشريعات العادلة والبيئة التنظيمية المستقرة، ثم تفتح المجال أمام القطاع الخاص، والجامعات، ومراكز البحث العلمي، ليشاركوا جميعًا في صناعة المدينة.
لم أرد أن أعقد مقارنة بين بلد وآخر، فلكل دولة ظروفها ومسارها الخاص. لكن بعض الأفكار تتجاوز الحدود، لأنها تتعلق بطبيعة العمران نفسه. فالتخطيط الجيد لا يرتبط بحجم الدولة، بل بوضوح الرؤية، واستمرارية السياسات، وقدرة المؤسسات على العمل في اتجاه واحد.
ما نحتاجه في النهاية هو أن تصبح العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة مدينتين تنبضان بالحياة؛ وظيفة جيدة، ومدرسة مطمئنة، ومستشفى قريب، ومواصلات مريحة، ومساحات عامة يشعر فيها الإنسان بأنه ينتمي إلى المكان.
وربما لهذا السبب بقيت إيتشوانغ حاضرة في ذهني. فهي لم تعلمني كيف تُبنى المدن، بقدر ما علمتني أن المدينة الناجحة ليست مشروعًا هندسيًا فحسب، بل مشروع حياة.
فالخرسانة تستطيع أن تشيد مدينة، لكن الإنسان وحده هو الذي يمنحها روحها.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" النبأ "




