بالبلدي: أنا يا شُعّار ما جيت للقروش

جريدة عكاظ 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
whatsapp

تابع قناة عكاظ على الواتساب

جمعت الصعلكة بين صديقين وألّفتْ بين مشاعرهما؛ أحدهما شاعر، والثاني متذوّق ومُتسلّق؛ وفي منعطف الصُدف؛ لعب الحظ لصالح المتسلق، وتم اختياره مسؤولاً؛ فتنسّكَ، واجتهد لمحو صورة ماضيه الأسود؛ بالرسمنة والنفشة؛ والتشخيص واصطناع الوقار؛ فبلغ النبأ السار صديقه الشاعر، الذي كان قد وقّع معه الفقر عقد شراكة طويل الأمد؛ وضاقت عليه أبواب الرزق بما رَحُبتْ، فقال في نفسه؛ نوصل الرجال، منها تهنئة وتجديد عهد؛ ومنها نشرح له الحال؛ ولن يبخل بحكم العيش والملح، وبحكم سعة اطلاعه؛ اختار من عيون الأدب حكاية تتضمّن حواراً أدبياً دار بين أعرابي ومعن بن زائدة، فقال في نفسه لعلني ببركة ما ورد في الحكاية من أبيات أظفر من صاحبي بحق السفرة، فرتب نفسه، وأقبل مع غيره مهنئاً وشابراً كسوة، ولما توسط المجلس قال؛ أتذكر إذ لحافك جلد شاة، وإذ نعلاك من جلد البعير

فردّ عليه المسؤول؛ ما صدقت.

فقال؛ فسبحان الذي أعطاك بنكاً، وعلمك الجلوس على السرير.قال؛ ما يعطي إلا مستحق.

فقال؛ فلست مُسلّماً إن عشتُ دهراً، على شروى بتسليم وقور. علّق؛ جعلك ما تسلّم لين تقوم ناقة صالح.

فقال؛ سأرحل عن بلاد أنت فيها، ولو جار الزمان على الفقير. قال صاحبه؛ الساعة المباركة.

فعرف أن الرجال ما نوى يفرّحه، فسكت وقعد في آخر كرسي بالمجلس، وعندما خرج المهنئون وبقيا لوحدهما، اقترب منه وقال؛ في خاطرك تحرجني يا سرسري قدام الخلق؛ قم اقلب وجهك وخذ الباب معك، فخرج منكسراً وندم على الفكرة التي لم يكن ختامها أجمل من مبتدئها.

وفي منطقتنا استغل أحد شعراء المناسبات، ذهاب القرية لمعايدة شيخ قبيلة، ورافقهم لتهنئة الشيخ بالعيد، وكان مالي يده من الكسوة، أو الظفر في الحد الأدنى بـ (صحّ لسانك)؛ فارتجل قصيدة مئوية مطلعها؛ (يا الله لا تجعل لساني يكلكلي، ما دام بيري عِدّ تغتر ودلوي ممتلي)، ثم اختلطت عليه ونشب فأشفق عليه الشيخ، ورقّ له قلبه، وعطف على حالته فقال؛ ما قصّرت وإن شاء الله إذا ظهر في العائلة شاعر نجيك إلى بيتك، ونرد لك القصيدة بقصيدة، وعندما عاد لزوجته سألته؛ بشّر؟ فقال؛ الحمد لله إنه ما احتط مشلحي من فوق كتفي.

الشّعرُ وجه آخرٌ للكلام؛ لا يمنح مفاتحه إلا لمن أخلص له، ولم يُشرِك معه غيره، وأبلغ قول الشاعر الكلام الذي ليس مثل أي كلام، وأعلى مراتبه؛ الكلام الذي عليه الكلام؛ وذاك لا يُجيده إلا النوادر ممن هاجسهم حفر الأعماق للوصول إلى صفو النبع وإن كان وحيداً ونبعه على قدّ ظماه. ومن القصائد قصائد خالدة، إلا أنه ليس كل الشعراء يُشغلهم الخلود، فالبعضُ يكتفي بمقابل مالي يحسّن الوضع المعيشي، والبعضُ كما قال أمل دنقل (يعيشُ منتصباً، بينما ينحني القلب يبحث عمّا فقد، والبعض يمضي به العمر منحنياً باحثاً في الطريق عما يقيم الأَوَد).

ولم تكن تكتمل مناسبات الزواج في القُرى، إلا بفلكلور العرضة، وكانت لكسوة الشاعر أولوية من ميزانية العُرس، وعلى قدر ما يخمّن من كسوة ينبري للمديح والإطراء، ويستغرق في إطلاقه الأوصاف الحقيقية والمُبالغ فيها، وصاحب الحفلة يعرف قدر نفسه أكثر من الشُّعار، وبعضهم لا يتورّع عن الخداع؛ فأحياناً يكبر الظرف، ويضع فيه مبالغ من فئات ورقيّة صغيرة لتبدو كثيرة، وإذا انتهت الحفلة وتفرق الناس تنكشف حقائق مؤلمة، ويترقب الشاعر المكلوم، فرصة لينتقم لكبريائه المجروح، وكثيراً ما وردت مفردة (أبو نواس) في الأبيات كناية عن الحيلة.

وكنتُ ولا زلتُ ألتمسُ العذر لتملّق الشاعر الكبير المتنبي، فالفنان رأس ماله موهبته؛ وربما كانت مصدر رزقه، ولعل أبو الطيب من أوائل من فتح للشعراء باب الشرهات على مصراعيه، كما جاء عنه مع (كافور) الذي جعل منه أسطورة ورفعه عالياً: بقصيدته التسوليّة:

لَحا اللَهُ ذي الدُنيا مُناخاً لِراكِبٍ

فَكُلُّ بَعيدِ الهَمِّ فيها مُعَذَّبُ

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَقولُ قَصيدَةً

فَلا أَشتَكي فيها وَلا أَتَعَتَّبُ

إِذا تَرَكَ الإِنسانُ أَهلاً وَراءهُ

وَيَمَّمَ كافوراً فَما يَتَغَرَّبُ

فَتىً يَملَأُ الأَفعالَ رَأياً وَحِكمَةً

وَنادِرَةً أَحيانَ يَرضى وَيَغضَبُ

أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ

فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وعندما لم ينل ما أمّل، ويئس منه، خسف به وبداره الأرض مجازاً؛ بقصيدة:

أُريكَ الرِضا لَو أَخفَتِ النَفسُ خافِيا

وَما أَنا عَن نَفسي وَلا عَنكَ راضِيا

تَظُنُّ اِبتِساماتي رَجاءً وَغِبطَةً

وَما أَنا إِلّا ضاحِكٌ مِن رَجائِيا

وَتُعجِبُني رِجلاكَ في النَعلِ إِنَّني

رَأَيتُكَ ذا نَعلٍ إِذا كُنتَ حافِيا

وَمِثلُكَ يُؤتى مِن بِلادٍ بَعيدَةٍ

لِيُضحِكَ رَبّاتِ الحِدادِ البَواكِيا

وعندما أراد أحد شُعار العرضة الشعبية نفي تهمة الطمع المادي عن نفسه؛ و(الشعراء يقولون ما لا يفعلون) صدح في عرضة بمطلع (أنا يا شُعّار ما جيت من شأن القروش) وكان أحد النقاد الساخرين يجلس جنب الزير يسمع ويحفظ ويحلل، ويعلّق بسرعة بديهة وصوت مسموع فقال؛ أجل وش جيت له تدغبس؟!

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" جريدة عكاظ "

أخبار ذات صلة

0 تعليق

محطة التقنية مصر التقنية دليل بالبلدي حظك اليوم توقعات الابراج 2026 اضف موقعك
إعلان متجاوب
يارب أتجوز خدها ببساطة وسيبها على الله المهم إنت متقصرش شكلنا هنقلبها منتدى بكمية الإعلانات دي فاكر أيام زمان ياصاحبي اضف موقعك
  • adblock تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ??

أضف موقعك الآن عندنا غير
حط موقعك هنا وإنت الكسبان اضف موقعك
«اللَّهُمَّ اكْفِنِي بحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ». أي حد من قنا أو قوص هيعمل إعلان هنا ليه خصم اضف موقعك
إعلان مُقترح
إعلان مُقترح