بقلم: د.ياسمين جمال
(باحثة دكتوراه ـ جامعة عين شمس)
تترقب آلاف الأسر المصرية خلال هذه الأيام إعلان نتيجة الثانوية العامة، في واحدة من أكثر الفترات التي تشهد حالة من التوتر والقلق داخل البيوت. فمع اقتراب لحظة إعلان النتيجة، يعيش كثير من الطلاب حالة من الترقب، بينما ينشغل أولياء الأمور بالتوقعات والحسابات، لتتحول ساعات الانتظار إلى اختبار نفسي للأسرة بأكملها، وليس للطالب وحده.
ورغم أن النتيجة تمثل محطة مهمة في حياة الأبناء، فإن الطريقة التي نستقبل بها هذه اللحظة قد تكون أكثر تأثيرًا من النتيجة نفسها. فالطالب لا ينتظر فقط معرفة درجاته، بل ينتظر أيضًا رد فعل أسرته، وكلماتهم الأولى، ونظراتهم، ومدى شعوره بأن قيمته لا ترتبط برقم أو مجموع.
وفي الحقيقة، يقع كثير من أولياء الأمور في خطأ غير مقصود، حين يجعلون الحديث عن النتيجة حاضرًا في كل لحظة، أو يربطون مستقبل أبنائهم بالكامل بما ستعلنه النتيجة. ومع تكرار هذه الرسائل، قد يشعر الطالب أن حياته ستتحدد في دقائق معدودة، وأن أي نتيجة أقل من المتوقع تعني الفشل أو خيبة الأمل، وهو ما يزيد من حدة القلق والضغط النفسي.
ومن ناحية أخرى، يجب أن ندرك أن طلاب الثانوية العامة مروا خلال الأشهر الماضية بضغوط كبيرة، سواء على المستوى الدراسي أو النفسي، ولذلك فإنهم يحتاجون الآن إلى الدعم والاحتواء أكثر من حاجتهم إلى المزيد من التوتر. فالنتيجة مهما كانت، لن تغير من شخصية الطالب أو أخلاقه أو قدراته الحقيقية، وإنما تعكس أداءه في مرحلة زمنية محددة، يمكن البناء عليها والتعلم منها.
كما أن تهيئة الأبناء لاستقبال النتيجة تبدأ قبل إعلانها، من خلال الحديث معهم بهدوء، والتأكيد على أن النجاح لا يقاس بمجموع فقط، وأن لكل إنسان طريقه وفرصه، وأن التعثر – إن حدث – ليس نهاية الطريق، بل بداية لتجربة جديدة قد تحمل فرصًا مختلفة.
وفي هذا السياق، تلعب الأسرة دورًا محوريًا في إدارة هذه اللحظة. فمن المهم أن يشعر الطالب أن بيته هو المكان الأكثر أمانًا، سواء جاءت النتيجة كما يتمنى أو أقل مما كان يأمل. فالكلمة الطيبة، والاحتواء، والتأكيد على استمرار الدعم، قد تترك أثرًا نفسيًا إيجابيًا يبقى سنوات، بينما قد تترك كلمات اللوم أو المقارنة جرحًا يصعب نسيانه.
ومن الأخطاء التي ينبغي تجنبها أيضًا مقارنة الأبناء بزملائهم أو أقاربهم، لأن لكل طالب ظروفه وقدراته المختلفة. فالمقارنة لا تصنع النجاح، بل قد تضعف الثقة بالنفس وتزيد من الشعور بالإحباط، خاصة في لحظة يكون فيها الطالب أكثر احتياجًا للتقدير والدعم.
كما أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تضيف نوعًا آخر من الضغط، حيث تمتلئ المنصات بقصص الأوائل، وصور الاحتفالات، والتعليقات حول المجاميع والكليات، وهو ما قد يدفع بعض الطلاب إلى مقارنة أنفسهم بالآخرين بصورة غير عادلة. وهنا يأتي دور الأسرة في تذكير الأبناء بأن لكل إنسان رحلته الخاصة، وأن النجاح الحقيقي لا يتوقف عند مرحلة دراسية واحدة.
ولا يقل دور الإعلام أهمية في هذه الفترة، إذ ينبغي أن يركز على نشر رسائل الطمأنينة والأمل، وإبراز قصص النجاح التي بدأت من ظروف صعبة أو من مسارات تعليمية مختلفة، بدلًا من اختزال النجاح في أرقام أو كليات بعينها. فالإعلام شريك أساسي في تشكيل وعي المجتمع، خاصة في القضايا التي تمس مستقبل الشباب.
وفي حال جاءت النتيجة أقل من المتوقع، فإن أول ما يحتاج إليه الطالب هو الشعور بالأمان، لا التحقيق أو اللوم أو إصدار الأحكام. فاللحظات الأولى بعد إعلان النتيجة تظل عالقة في الذاكرة، وقد تحدد طريقة تعامل الأبناء مع الأزمات مستقبلًا. لذلك، فإن الاستماع إليهم، واحتواء مشاعرهم، ثم التفكير معهم في الخطوات القادمة، هو السلوك الأكثر حكمة.
لذا، علينا أن نتذكر أن الثانوية العامة مرحلة مهمة، لكنها ليست نهاية الحلم، ولا المعيار الوحيد للنجاح. فكم من أشخاص لم يحققوا المجموع الذي تمنوه، لكنهم نجحوا في بناء مستقبل مميز بفضل الاجتهاد والإصرار واستثمار الفرص.
فلنستقبل نتيجة الثانوية العامة بعقول هادئة وقلوب مطمئنة، ولنجعل رسالتنا لأبنائنا واضحة: نحن فخورون بكم لأنكم بذلتم ما استطعتم، وسنظل إلى جواركم في كل خطوة، فالنجاح الحقيقي لا يبدأ من ورقة النتيجة، بل من الإيمان بالنفس والقدرة على مواصلة الطريق.
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" almessa "





0 تعليق