- خلال معظم سنوات عمري، كانت دائرة معارفي واسعة جداََ، وكانت شجرةُ أصدقائي تنمو مع الأيام، وكنت سمحاََ وخجُولاََ ومُجامِلاََ، ولذا فقد كنت أستجيب لمعظم الدعوات التي أتلقاها من المعارف والأصدقاء.
- وكان كل من لديه مناسبة يدعوني لحضورها، وكل من لديه رغبة في السفر للخارج أو في رحلة للداخل يدعوني لمرافقته، وكل من لديهم اجتماع دوري في استراحة أو لقاءات دورية في البيوت يدعونني للانضمام إليهم، وأنا أستجيب لكل تلك الدعوات.
- ومرَّت السنوات تلو السنوات وأنا على هذه الحال، موزعاََ ومشتتاََ لا أملك من وقتي شيئاََ سوى الوقت المخصص للنوم والدوام، وهو في حكم الوقت الضائع.
- ولم أفطن لذلك الضياع إلا بعد إحالتي إلى التقاعد.. ومن الغريب في الأمر أنني لم أكن أشعر بقدرِِ من الراحة والسعادة ولا بأية فائدة مادية أو معنوية تجعلني أحافظ على تلك العلاقات واللقاءات الهامشية، فلم أجنِ منها غير الضياع والشتات.. اللهم إلا فائدة واحدة، وهي معرفتي بالناس على حقيقتهم، من خلال مواقفهم وأنماط سلوكهم وأساليب التعامل معهم.
- فكل شخص رافقته عبارة عن كتاب قرأته، فالأصدقاء عبارة عن كتب مفتوحة ومختلفة المضامين.. فيهم الطيب والسيئ، والكريم والبخيل، والعاقل والأحمق، والمتعلم والجاهل، والمتكبر والمتواضع، والخبيث والساذج، والذكي والغبي، والمحب والكاره، والصادق والمنافق... إلى آخر ما هنالك من هذه الثنائيات والمتناقضات.
- بعد إحالتي إلى التقاعد، اتسع لدي فضاء الرؤية، واتسعت لدي مساحة التفكير في نفسي وفي وضعي الاجتماعي، واكتشفت أن الخسائر أكثر بكثير من الأرباح في ساحة العلاقات الواسعة.
- ولذلك، فقد قررت تقليم شجرة الأصدقاء، وتقليص مساحة اللقاءات والاجتماعات الهامشية إلى أضيق الحدود، ولجأت للعزلة التي وجدت فيها راحتي وسعادتي واستقلالي وحريتي.
- وبطبيعة الحال، لم تكن هذه المهمة سهلة ويسيرة، فالخلاص من تلك الشبكة الواسعة يحتاج إلى قوة وعزيمة وإصرار وصبر على مواجهة زوابع التأويلات والانتقادات والاتهامات، وعلى عتاب المحبين، كما يحتاج إلى براعة في إقناعهم بالمبررات التي دعت لاتخذ قرار التحوّل المفاجئ والانكفاء السريع.
- فهناك من بالغوا في عتابي على اتخاذ هذا القرار، وهنالك من بالغوا في اختلاق التأويلات وفي كيل الانتقادات والاتهامات، وهناك من يشككون في مصداقيتي إذا حدثتهم عن الإيجابيات التي حققتها في العزلة، وهناك من ما زالوا يأملون في عودتي إليهم، بعد خمس سنوات من لجوئي للعزلة.
- وتجدر الإشارة هنا إلى أمرين؛
- الأمر الأول أن العزلة، بصورة عامة، في الوقت الحاضر تختلف عن العزلة في الماضي، بسبب توفر وسائل التواصل التي تُتيح للمعتزل المجال للاتصال الدائم مع العالم الخارجي.
- والأمر الثاني أنني ما زلت محافظاََ على التواصل مع عدد محدود من الأصدقاء، ألتقي بهم وأتحادث معهم، كما أنني حريص على حضور بعض المناسبات الاجتماعية التي أُدعى لحضورها، وعلى المشاركة في المناسبات الثقافية التي أدعى للمشاركة فيها.
- هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنني، في ظل هذه العزلة، أتشرف باستقبال الأصدقاء الذين يزورونني في منزلي، وأكون ممتناََ لهم وسعيداََ بزيارتهم في أي وقت.
****
- فاصل شعري:
دَعُوني في اعتزالي يا رفَاقي
فقد أورَقْتُ في هذا النِّطَاقِ
وأزهَرَتْ الحياةُ بِرَوْضِ عُمْري
وأبْرَقَتْ السعادةُ في المآقي
وفارَقَني الرُّهابُ، بلا رُجُوعِِ
وبالَغَتْ البَشَاشةُ في عِنَاقي
وللحُرِّيَّةِ الخَضْرَاءِ..... جِسْرٌ
عبَرْتُ عليه... نَحوَ الانْطٍلاقِ
بحثتُ عن الحَيَاةِ، فَلَمْ أجِدها
سوى في عُزلَتيْ، دُونَ انْغِلاقِ
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "





0 تعليق