منصة وُلدت لتمنح الجميع فرصة الظهور، لكنها تحولت تدريجياً إلى ساحة تفرض شروطها الخاصة على النجاح. هكذا يمكن توصيف المشهد الحالي على تطبيق «تيك توك»، الذي بات أحد أكثر المنصات تأثيراً في تشكيل الذائقة العامة وصناعة النجوم، لكنه في الوقت ذاته يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة المحتوى الذي تكافئه خوارزمياته.
في عالم «تيك توك»، لا يبدو أن الموهبة وحدها تكفي. فبينما تحقق مقاطع تعتمد على الإثارة والجدل والاستعراض السريع ملايين المشاهدات خلال ساعات، تقف عشرات الأصوات الغنائية والطربية الحقيقية في طوابير الانتظار، عاجزة عن اختراق الجدار الرقمي الذي تفرضه معايير الانتشار الجديدة.
لقد أعادت المنصة تعريف مفهوم الشهرة. لم يعد الصوت الجميل أو الأداء المتقن هو المعيار الأول، بل أصبحت سرعة جذب الانتباه خلال ثوانٍ معدودة هي العملة الأكثر قيمة. وهنا تكمن المفارقة؛ فالمحتوى الذي يحتاج إلى تركيز وتذوق واستماع هادئ غالباً ما يخسر أمام المحتوى الصاخب، الذي يعتمد على الصدمة أو الطرافة العابرة أو التقليعات المؤقتة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن كثيراً من أصحاب الأصوات الطربية الراقية يقدمون أعمالاً تستحق الوصول إلى جمهور واسع، إلا أن طبيعة المنصة القائمة على الاستهلاك السريع تجعلهم خارج دائرة الضوء. فالأغنية الطربية بطبيعتها تحتاج إلى وقت ومساحة لإظهار جمالياتها، بينما تفضل الخوارزميات المقاطع القصيرة التي تضمن بقاء المستخدم في حالة تنقل مستمرة بين الفيديوهات.
ولا يعني ذلك، أن «تيك توك» منصة سلبية بالكامل، إذ نجحت بالفعل في تقديم مواهب حقيقية للجمهور ومنحت فرصاً لفنانين لم تكن لديهم وسائل للوصول سابقاً. لكن المشكلة تكمن في أن النجاح على المنصة أصبح في أحيان كثيرة مرتبطاً بقدرة صانع المحتوى على مجاراة إيقاع الخوارزمية أكثر من ارتباطه بجودة ما يقدمه.
الأخطر من ذلك، أن هذا الواقع بدأ ينعكس على الذائقة الفنية نفسها. فجيل كامل ينشأ اليوم على مقاطع موسيقية مجتزأة لا تتجاوز ثواني معدودة، بينما تتراجع مساحة الاستماع المتأني للأغاني الكاملة والأعمال الفنية التي تعتمد على البناء الموسيقي والتدرج اللحني.
إن السؤال الحقيقي لا يتعلق بـ«تيك توك» وحده، بل بالمستقبل الذي تصنعه المنصات الرقمية للفن والثقافة. هل أصبحت الخوارزمية هي الناقد الجديد الذي يحدد من يستحق الانتشار؟ وهل يمكن للأصوات الطربية الأصيلة أن تنافس في ساحة تكافئ السرعة أكثر مما تكافئ الجودة؟
ربما لا تزال الإجابة مفتوحة. لكن المؤكد أن هناك مواهب كثيرة ما زالت مدفونة تحت ركام المحتوى السريع، تنتظر فرصة عادلة لتثبت أن الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد المشاهدات فقط، بل بقدرته على البقاء في الذاكرة بعد أن ينتهي ضجيج «الترند».
إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"
المصدر :" جريدة عكاظ "




0 تعليق