بالبلدي | BELBALADY

: 80 عامًا على معركة أوكيناوا اليابانية بالحرب العالمية الثانية.. والجرح لم يندمل

belbalady.net دبي، الإمارات العربية المتحدة (CNN) -- يتنقل"حفار العظام" ذو الجسد النحيف، برشاقة ليتسلل عبر مدخل الكهف، وهو عبارة عن شق ضيق على تل في غابة أوكيناوا، متجنّبًا بعناية السقف الجيري الحاد فيما  يتأمل الأحجار المتآكلة والتراب على أرضية الكهف.

ينحني ويُضيء المصباح المثبت على جبهته التراب تحت قدميه، ثم يخدش التربة بواسطة أداة حفر زراعية، باحثًا عن بقايا أشخاص اختبؤوا في كهوف مماثلة خلال معركة أوكيناوا في الحرب العالمية الثانية.

هذا عمل حفار العظام، تاكاماتسو غوشيكن، الذي يقضي معظم وقته الحر في كهوف مثل هذا في أوكيناوا، أقصى محافظة جنوبية في اليابان، محاولًا وضع نقطة نهائية على إحدى أعنف وأشد المعارك فتكًا في حرب المحيط الهادئ.

سألتُه (مراسل CNN براد ليندن) لَمَ يقوم بهذا العمل. توقف لحظة ثم هزّ كتفيه، وقال بصوت منخفض فيما عيناه تنظران للأسفل وصوته يتقطّع بالمشاعر: "إنهم بشر، وأنا بشر أيضًا".

أراني غوشيكن ما عثر عليه في هذا الموقع حتى الآن، أجزاءً من جمجمة من منطقة الأذن، عظام صغيرة، ربما من القدم كما يقول، وحتى عظام أصغر، ربما تعود لطفل أو رضيع.

قد يهمك أيضاً

يعثر على رصاصة أيضًا، ويضع تصوّرًا حول ما حدث في هذا المكان قبل ثمانية عقود: اختبأت أم وطفلها عندما كانت المعركة محتدمة في الخارج، فيما كانت القوات الأمريكية تحاول تطهير الكهوف من المدافعين اليابانيين المختبئين، لاقى المدنيان حتفهما إسوة بآخرين كثر بأوكيناوا، وقعوا في مرمى النيران المتبادلة.

كانا بين نحو 240 ألف شخص قُتلوا أو فُقدوا في معركة أوكيناوا، من إنزال قوة الغزو الأمريكية في 1 أبريل/ نيسان 1945، إلى إعلان الأمريكيين النصر في 22 يونيو/ حزيران.

يشمل هذا العدد نحو 100 ألف مدني، و110 آلاف جندي ياباني ومجند من أوكيناوا، وأكثر من 12 ألف جندي أمريكي وقوات حلفائهم، بحسب المتحف الوطني للحرب العالمية الثانية في لويزيانا.

فقدت هذه الأرواح في مشهد جهنّمي من القوة النارية الأمريكية الساحقة. استخدمت القوات الأمريكية 1.1 مليون قذيفة هاوتزر عيار 105 ملمترات على الجزيرة، وأطلقت أكثر من نصف مليون قذيفة هاون، وأكثر من 16 مليون طلقة رشاش و9 ملايين رصاصة بندقية، وفق المتحف.

تاريخٌ مؤثر

بعد ثمانين عامًا، لا تزال آثار الندوب قائمة، ما يتيح للزوار الاقتراب من التاريخ والتعرّف عليه.

في جزيرة إي شيما الساحلية، لا يزال هيكل متجر الرهونات منتصبًا. إنه المبنى الوحيد الذي نجا من القتال على تلك الجزيرة التي تبلغ مساحتها 23 كيلومترًا مربعًا، والتي كانت تضم مهبطًا مهمًا للطائرات، خلال الحرب.

بعد معركة أوكيناوا العام 1945، لم يبقَ على جزيرة إي شيما الساحلية سوى متجر الرهونات. ولا تزال آثار الحرب ظاهرة عليه إلى اليوم.Credit: Brad Lendon/CNN

في مقر البحرية اليابانية السابقة الرئيسي تحت الأرض، في توميغوسوكو، تُظهر الجدران المتضررة بالشظايا دليلًا على عملية انتحار جماعي. يقرأ نصب تذكاري خارج الموقع: "نائب الأدميرال مينورو أوتا ورجاله الأربعة آلاف.. انتحروا بهذا المقرّ تحت الأرض، في 18 يونيو/ حزيران 1945". 

خارج كهف مجهول يقع بالقرب من موقع سيفا أوتاكي المقدس في نانجو، تجد قنبلة غير منفجرة بالقرب من المدخل، على مقربة من طريق مزدحم. داخل الكهف، ما زالت آثار الفؤوس من بناء الكهف ناعمة كما كانت، حيث يفتح الكهف على موقع للمدافع الرشاشة المحفورة.

اتبع المسار من حديقة السلام في أوكيناوا على الساحل الجنوبي للجزيرة وقف بمحاذاة مدخل الكهف حيث انتحر قائد الحامية اليابانية في أوكيناوا، الجنرال ميتسورو أوشيجيمَا، في 22 يونيو/ حزيران 1945، مع اقتراب القوات الأمريكية من الجهة السفلى. 

وفي الصخرة بالقرب من كهف في الغابة، يشير غوشيكن، "حافر العظام"، إلى المكان الذي تركت فيه رصاصات البنادق والمدافع الرشاشة آثارها.

مقارنة بين عامي 1945 و2025

جنود من فرقة المشاة السابعة بالجيش الأمريكي يحتمون بنصب أسد توموري الحجري، فيما يراقبون سير المعارك خلال معركة أوكيناوا بالحرب العالمية الثانية. ما زال التمثال قائمًا في ذات الموقع، ويمكن لزوار الجزيرة رؤيته.Credit: Bettmann Archive/Getty Images

وعلى تطبيق خريطة أوكيناوا يمكنك، بفضل أرشيفات محافظة أوكيناوا، رؤية كيف كان شكل تلك القطعة من الأرض خلال المعركة أو في أعقابها، وذلك بفضل عمل أمين الأرشيف على مطابقة صور المراقبة والاستطلاع التي التقطها الجيش الأمريكي مع المناظر الطبيعية الحالية. 

فكازوهِيكو ناكاموتو، يمثّل القوة الدافعة وراء مجموعة الأرشيف، الذي حاول توثيق قصة سنوات الحرب وما بعدها.

ويروي لـCNN، كيف نجت من المعركة والدته التي كانت في السادسة من عمرها في العام 1945، بعدما انفصلت عن والديها وأصبحت تحت رعاية جدتها، التي تنقلت في الجزء الجنوبي من الجزيرة بحثًا عن أماكن آمنة.

يقول: "نجاتها أشبه بمعجزة"، ويضيف أن عائلته كانت بين العائلات المحظوظة في أوكيناوا.

يستخدم كتاب مدرسي يعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، ويعرض ضمن أرشيفات محافظة أوكيناوا، صورًا عسكرية لتعليم تلاميذ المدارس الابتدائية كيفية العد.Credit: Brad Lendon/CNN

يروي ناكاموتو وزملاؤه من أمناء الأرشيف، أكيرا يوشيميني وإيريكو نيشيياما، كيف كان الأوكيناويون ضحايا حرب لم يكونوا سببًا في إشعال فتيلها. عندما قام الجيش الياباني في طوكيو بالتموضع على الجزيرة، ظن الكثيرون أن الجنود اليابانيين جاؤوا لحمايتهم، وليس لتجنيدهم في المعركة التي كانت على وشك أن تبدأ.

قد يهمك أيضاً

لكنهم يقولون إنه كان يروّج للعسكريتارية حتى في المدارس الابتدائية، مشيرين إلى كتاب مدرسي كان يُعلم الطلاب كيفية العد باستخدام صور للطائرات الحربية والدبابات.

الطالبات المغمورات في الحرب

لا مكان في أوكيناوا يعكس هذه المأساة بشكل أعمق من متحف هيميواري للسلام، الذي يروي قصة كتيبة هيميواري الطلابية، الفتيات المراهقات اللواتي تم تجنيدهنّ لخدمة الجيش الياباني أثناء المعركة.

ساعدت الفتيات من مدرسة أوكيناوا شيهان النسائية، ومدرسة أوكيناوا داييتشي النسائية الثانوية، على التمريض ورعاية الجنود اليابانيين المصابين في كهوف مثل الكهف الذي يقع بموقع المتحف الذي يكرّمهنّ، وهو حفرة في الصخر كانت تعرف أثناء الحرب بكهف الجراحة الثالث لإهارا، وهو جزء من مستشفى الجيش الأوكيناوي.

يقول المتحف: "تحركت الطالبات من كتيبة هيميواري فور بدء المعركة. وأثبتت الحرب الحقيقية أنها مختلفة تمامًا عما تخيلنَّه". 

تروي الطالبات الناجيات عن الفظائع اللواتي مررن بها في مقاطع الفيديو المعروضة بالمتحف.

يتحدثن عن مساعدتهن على بتر أطراف المصابين، وإجراء العمليات الجراحية من دون تخدير. يذكرن سحب الديدان من الجروح، ومحاولة تهدئة المصابين بالحمى الدماغية، ورؤية زميلات الدراسة يمتن تحت نيران الجيش الأمريكي عند مداخل الكهوف أو أثناء قيامهن بمهمات إمداد.

مدخل الكهف الجراحي الثالث في حديقة هيميوري للسلام بأوكيناوا.Credit: Brad Lendon/CNN

كما تحدثن عن رائحةٍ تسللت إلى كهوف الجراحة، وهي عبارة عن مزيجٌ من فضلات البشر والدم والعرق وتعفن الجسد، لم تغادر الممرات الخالية من التهوئة. 

شهادات الفيديو خامة، وحية، ويصعب على الزائر مُشاهدتها.

بعد الفيديوهات، عُلِّقت صور 227 فتاة من هيميوري قُتلن أو فُقِدن في أوكيناوا على جدران غرفةٍ كبيرة. ويُوضِّح أسفل كلٍّ منهن مصيرهنّ، ويُشير العديد منها إلى آخر مرة شوهدت فيها الفتيات على قيد الحياة، وأنّ مصيرهنّ مجهول.

قد يهمك أيضاً

أثرت بي كثيرًا تلك اللحظات وأعادت إلى ذهني تلك العظام التي وجدها غوشيكن في الكهف الذي كنت فيه قبل ساعات فقط. هل يمكن أن تعود هذه العظام إلى أي من تلك الوجوه الشابة؟

يقول غوشيكن إنه بين 1400 مجموعة من الرفات التي عثر عليها في الكهوف ومواقع المعارك، تم التعرف على ست مجموعات فقط.

ويضيف أنه يسلم كل ما يجده إلى السلطات، لكن الأمر يعود إليهم لتحديد ما إذا كان ممكنًا إجراء اختبار الحمض النووي. ويشرح أنه "في أحيان كثيرة لا يوجد ما يكفي من مادة العظام للحصول على تطابق في الحمض النووي". 

إذا تم العثور على تذكارات مثل الأقلام، أو دفاتر الملاحظات التي تحتوي على أسماء بجانب العظام، فإن ذلك قد يوفر خيطًا للبحث. لكن التذكارات التي لا تحتوي على معلومات تعريفية تُترك حيثما وُجدت.

ومع ذلك، يقول إنه يود أن يرى الحكومة تتخذ خطوات أكبر، مضيفًا أنه يأمل "أن تتّخذ السلطات نهجًا أكثر فعالية في تحديد هوية العظام، وأن تحسّن تقنياتها، وأن تعيد أكبر عدد ممكن من العظام إلى عائلاتها". 

إخلاء مسؤولية إن موقع بالبلدي يعمل بطريقة آلية دون تدخل بشري،ولذلك فإن جميع المقالات والاخبار والتعليقات المنشوره في الموقع مسؤولية أصحابها وإداره الموقع لا تتحمل أي مسؤولية أدبية او قانونية عن محتوى الموقع.
"جميع الحقوق محفوظة لأصحابها"

المصدر :" trends "

أخبار متعلقة :