أخبار العالم / المصرى اليوم

بالبلدي: الـ«جنك فود» والـ«جنك أدب»

اشترك لتصلك أهم الأخبار

واحد من أشهر التفسيرات لإطلاق مصطلح «الأدب» على بعض أشكال الكتابة، هو أن العرب كانوا يُطلقون لفظ «مأدبة» على ما يُعّد من طعام خصيصًا بغرض دعوة الناس إليه.

ويرتبط نجاح كل «مأدبة» بقدر ما تتضمنه أطعمتُها من دقة وانضباط على مستويات رئيسة: الأول مستوى ما قبل الصناعة، ويتعلق بخصائص المكونات ومواصفاتها وجودتها، كما يتعلق كذلك بالمهارة والدراية في اختيار الأنسب من بينها لكل صنف طعام. وهو مستوى تأسيسي خطير تنعكس آثاره على المنتج النهائي شكلًا ومضمونًا.

أما المستوى الثاني، فهو مستوى التجهيز والإعداد، والذي يتضمن خطوات الطبخ ودرجات الحرارة والتوقيتات المناسبة، وفترات ومستويات النضج وغيرها من تفاصيل تؤثر بلا أدنى شك على مضمون المنتج، وتؤثر في فوائده وقيمه الغذائية كما تضمن شكله، ولكنها تستهدف بالأساس مذاقه ورائحته، يعني؛ تعمل من أجل إرضاء حاستي الذوق والشم.

يلي هذين المستويين مستوى العرض، وهو مستوى يهدف بوضوح وبلا مواربة- بمدارسه وضروبه وفنونه المختلفة- إلى جعل وجبة الطعام دعوة بصرية مثيرة.
المستويات الثلاثة السابقة، هي مستويات الإنتاج والصناعة، تظل نتيجتها مشروطة بمستوى آخر وأخير، لكنه خارجي، علاقته بالمنتج علاقة استهلاكية بحتة، وهو مستوى «التذوق».

ورغم أهمية هذا المستوى القصوى- إلا أنه لا يعدو كونه محصلة للمستويات السابقة، يضاف إليها شرط خارجي لا يمكن ضمانه وهو «ذوق المتذوق». فمن يضمن أن تنال مأدبته- مهما بلغت درجة إتقانها كل المستويات السابقة- رضا كافة الضيوف؟

إذن، اكتسب «الأدب» كمصطلح يشمل فنون الكتابة التي تغازل ذائقة القراء، اسمه من «المأدبة»، وعليه فيمكننا ببساطة إزاحة هذه المواصفات من مأدبة الطعام إلى مأدبة الأدب؛ ليصبح المستوى المقابل لمستوى اختيار مكونات الطعام هو المستوى الذي تتفاعل فيه ثقافة ومعارف ووعي الأديب ليختار منها مكونات مأدبته/ منتجه الأدبي.

ويصبح المستوى المقابل لمستوى التجهيز والإعداد هو المستوى الذي يستفيد فيه الأديب من درجات معرفته وإطلاعه على تاريخ الفن الذي يكتب فيه وقدرته على إعداد خلطة جديدة تناسب ما اختاره من مكونات، ويتوفر بها الحد الأدنى من التميز والتفرد، فتصبح عمليات التسبيك والتحمير ودرجات الحرارة وغيرها مرادفات للجهود المبذولة في تأسيس وبناء الشخصيات وإغناء عالم الرواية أو القصة عبر البحث والدراسة واختيار إيقاع الجملة والتقنيات والكثير من فنون وضروب وحيل الكتابة التي تحدد درجات طغيان أو ذوبان عنصر أو عدد من العناصر داخل الطبخة الكلية.. إلخ.

ثم يأتي مستوى العرض وفنون إعداد الصحون، وهو مستوى لا يقابله في الأدب مباشرة مجرد اختيار الأديب الشكل النهائي للرواية أو القصة مثلا، لأنها تفاصيل تتداخل بشكل كبير مع مستوى التجهيز والإعداد، كما أن هذا المستوى في حالة الأدب يتضمن بعض الفنون التي لا يقوم بها الأديب بنفسه، وإن شارك فيها، تتعلق بالتصميم واختيار شكل وقطع الرواية وربما نوع الخط وموعد النشر.. إلخ. عمومًا هذا هو المستوى الذي ينتقل بعده العمل مباشرة إلى مستوى «التذوق» التي- كما في مأدبة الطعام- لا يَد للطباخ/ الأديب أو طبيخه/ أدبه فيها .. إلا بمقدار ما يتفق وأذواق الآكلين/ القراء.

تضعنا هذه المقارنة مباشرة أمام حقيقة واضحة لا تحتمل اللف والدوران، وهي أنه مثلما لا يوجد طعام يناسب كافة أذواق الآكلين، فإنه لا يوجد شيء اسمه أدب يناسب كافة أذواق القراء.

ليس معنى ذلك أن يظل الأدب بلا معايير أو تصنيف، فمملكة الطعام التي نزلنا ضيوفًا عليها، لم تترك الأمر بلا معايير، ويمكننا أن نستعير منها أشهر أساليبها العلمية في تقسيم الأطعمة، وهو التقسيم الذي يجعل الطعام على ثلاثة مستويات: غذاء صحي، وغذاء متوازن، وغذاء آخر تتعدد مسمياته من «طعام سريع Fast Food» (والسرعة هنا إشارة إلى عدم العناية بقيمته الغذائية وليس لإمكانية تناوله بسرعة!).

داخل هذا الحقل من العلوم، يحمل هذا النوع الأخير من الطعام اسم Junk food، وبعيدًا عن الترجمة الحرفية -التي تعني الخردة أو النفاية- فإن التعريف المنضبط لهذا المصطلح هو «طعام مجهز أو معلب بطريقة تقلل من فوائده الغذائية.. إلى درجة العدم».

وكما أن ارتباط «الأدب» بالمأدبة يبدو أمرًا لطيفًا، فإن من لطائف العلاقة بين الطعام والكلام أن يُحيل أول المعاني القاموسية لكلمة Junk المستخدمة لوصف الطعام قليل الفائدة، إلى الكلام والكتابة؛ فالـ«جنك» هو «كلام أو كتابة/ مهمل أو مهملة تم اعتباره/ اعتبارها غير ذي جدوى وقليل/ قليلة المنفعة».. وبذلك يمنحنا عالم الطعام- كما منحنا مصطلحَ الأدب نفسه- المخرجَ الأفضل من ورطة معايير تصنيف هذا الأدب، لنكتشف مدى حساسية العربي الذي اشتق مفردة الأدب من المأدبة فصنع لنا هذه الثنائية الدالة: المأدبة/ الأدب.

تذهب هذه الكلمة الإنجليزية بدلالتها كذلك إلى ذروة الإيحاء خارج الأدب- بمعنى اللياقة والحشمة- لتشمل فيما تشمله من معان: الأفعال الضارة كالسرقة والكذب والخداع أو الاحتيال، وصولًا إلى أنها تعني الأعضاء الجنسية في بعض استخداماتها!.

بعيدًا عن الاستغراق في الـJunk، يمكننا أن نخرج من عالم المأدبة والطعام بمعيار يمكن استخدامه للتصنيف داخل عالم الأدب، الذي يبدو عصيًا على كل تصنيف مثله في ذلك مثل كل ما يتعلق بأذواق البشر.

صحيح لا يمكننا- بالأحرى لا يجوز لنا، الحجر على أذواق الناس فيما يلبسون وما يأكلون وما يقرأون، إلا أن هناك معايير تمتلك قدرًا من الموضوعية يمكن استخدامها من دون الإخلال بحريات الناس في تناول أو تداول أو ارتداء أو قراءة ما يريدون، ولكن من دون حرمانهم- وحرمان أنفسنا كذلك- من حق تصنيف الأشياء وفقًا لمعايير متماسكة يمكن الحديث عنها.

فبعيدًا عن الذائقة والتفضيلات الشخصية، هناك غذاء صحي وغذاء متوازن، وغذاء «جانك». وفي الأدب كذلك- وعلى المنوال نفسه، يمكننا استعمال حد أدنى من المعيارية للتفرقة بين أدب جيد وأدب سيئ، أدب رفيع وأدب وضيع، أو ببساطة بين أدب و«جنك أدب»، إلى أن يأتينا المدد من جهابذة العربية بمفردة تكتنز ما تكتنزه مفردة «Junk» الإنجليزية من دلالات. وذلك من دون أن نحرم أحدًا حرية الاختيار من بين هذه الأصناف، فالتصنيف- كما يعرف الباحثون والعلماء- جهد تنظيمي معرفي لا غنى عنه في المجتمعات التي تفهم معنى التطور.

ما معنى إذن أن نصرف كل هذا الوقت والجهد في تحديد معايير للتصنيف، بينما ندعي أننا لن نستخدمها لمنع الناس من تعاطي «الجنك أدب»؟.. سؤال حصيف.
ولكن دعنا نلحقه بسؤال: هل حال تصنيف الأطعمة غير الصحية إلى «جنك فود» دون التهام الناس لتلك الأطعمة صباحًا ومساءً؟ لم يحدث، هو فقط منحهم الفرصة للاختيار على معرفة ودراية وبيّنة من الأمر، ثم ترك لهم الحرية في الاختيار بين ما هو صحي وما هو «جنك».

علينا ألا نغفل قدرة هذا التصنيف نفسه- في مستويات أعلى- على وضع قائمة بالأطعمة «المضرة» (لاحظ دقة التفرقة بين الخالي من الفائدة وبين المضر). وللطرافة فإن كلمة «جنك» تطلق كذلك على بعض أنواع المخدرات الشعبية!.

وبناء على هذا الفرز المضر صارت هناك ضرورة لتدخل جهات تمتلك السلطة بإجراءات وقائية أو تجريمية لحماية الفئات المتضررة، ومن هنا أصبح بيع وتداول الأغذية السامة والأعشاب المخدرة- رغم تصنيفها كأغذية- جريمة، وأصبح تداول أغذية ذات آثار نفسية أو طبية محددة- كالأدوية أو المثيرات الجنسية مثلًا- في حاجة إلى جهة مختصة للتصريح ثم لضبط التداول والتناول.

هذه ليست دعوة عمياء لاستخدام إجراءات المنع والحظر المطبقة في عالم الغذاء بحذافيرها على عالم الأدب. ولكن إذا كان الأدب قد استمد اسمه من عالم الطعام والغذاء، فلماذا لا نقارب الفوائد كاملة من العالم نفسه؟

من ذلك مثلًا التفكير في أن تتضمن صناعة النشر العربية جهودًا منضبطة للتصنيف ووضع العلامات وفقًا للمضمون والمتطلبات التعليمية والتربوية للفئات العمرية الأكثر تضررًا.. مثلًا. ليس بهدف منع أحد من اقتناء أو قراءة كتاب، إنما للمساعدة في أن يكون اتخاذ القرار عن معرفة وقناعة وليس من باب المصادفة التي إن كانت للبعض سعيدة، فهي لآخرين مؤسفة وتعيسة.

وجه المقارنة الأهم في تلك المقاربة بين عالمي الغذاء والأدب يمكن تلخيصه في سؤال: إذا كنا لن نقبل من دولة أو مؤسسة رسمية أن تمنح جائزة لمنتج غذائي مصنف «غير صحي»، لأنها بذلك تؤسس لرواج نمط فاسد بين مواطنيها.. يعني إذا كنا لن نقبل أن تمنح الدولة جائزة للـ«جنك فود» فكيف نقبل أن تمنح جوائزها الرسمية للـ «جنك أدب»؟ نعم، هذا هو السؤال.

بالبلدي | BeLBaLaDy

بّالُبّلُدِيَ BeLBaLaDy

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا